لماذا العاشر من رمضان؟
بقلم: السيد التيجاني
- السيد التيجاني
- 28 فبراير، 2026
- رأي وتحليلات
- إسرائيل, العاشر من رمضان, الهجوم علي طهران, حرب أكتوبر
حين شنت إسرائيل ضربات جوية على أهداف داخل إيران اليوم ، لفت انتباهي بشكل كبير اختيارهم لتاريخ العاشر من رمضان. هذا التاريخ ليس عشوائيًا على الإطلاق؛ فهو يحمل رمزية قوية في الوعي العربي والإسلامي، إذ يرتبط بذكرى حرب أكتوبر 1973، أو ما يُعرف بالعاشر من رمضان. الحرب التي اعتُبرت نقطة تحول في الصراع العربي الإسرائيلي، والتي أظهرت قدرة الدول العربية على مواجهة عدو قوي وتحقيق مفاجآت عسكرية استراتيجية.
بالنسبة لي، لا يمكن النظر إلى هذا الهجوم بمعزل عن التقاطع بين البعد الرمزي والتخطيط الاستراتيجي والسياسي. العاشر من رمضان يمثل في الذاكرة العربية رمز الانتصار والمفاجأة العسكرية، واختيار إسرائيل لهذا اليوم له وقع نفسي ورسمي ليس فقط على الساحة الإقليمية بل أيضًا على الصعيد الدولي.
البعد العسكري
كمتابع، أرى أن اختيار هذا اليوم كان محسوبًا بدقة من الناحية العسكرية. إسرائيل لم تختار التوقيت عشوائيًا، بل استندت إلى معلومات استخباراتية دقيقة حول مواقع الصواريخ والمراكز النووية الإيرانية، كما حددت أوقات ضعف الدفاعات الجوية وفترات نشاط أقل لبعض الوحدات العسكرية، بما يضمن أقصى درجات المفاجأة وتقليل الخسائر. التنسيق مع الولايات المتحدة كان جزءًا من التخطيط الاستراتيجي، لضمان أن تكون العملية متزامنة وفعالة على أكثر من مستوى.
هذا التخطيط يظهر بوضوح أن التاريخ لم يُختَر اعتباطيًا، بل كان جزءًا من عملية إستراتيجية معقدة تم فيها دمج المعلومات الاستخباراتية مع الحسابات التكتيكية والفنية للوصول إلى الهدف المنشود.
البعد الرمزي
أرى أن للبعد الرمزي أهمية كبيرة أيضًا. العاشر من رمضان يُستحضر في الوعي العربي كرمز للصمود والانتصار، وهذا يجعل اختياره رسالة نفسية قوية. فهي تشير إلى أن إسرائيل قادرة على المبادرة واتخاذ خطوات مفاجئة ضد تهديدات إقليمية، وأنها ليست مجرد دولة تنتظر الأحداث بل قادرة على التحرك الاستباقي.
الجانب الإعلامي هنا يلعب دورًا محوريًا. التوقيت الرمضاني يجذب اهتمام وسائل الإعلام العالمية ويجعل الحدث محور نقاش دولي، ما يعزز الرسالة التي ترغب إسرائيل في إيصالها عن قوتها وجرأتها.
الرأي السياسي الإسرائيلي
بالنسبة للرأي السياسي، أرى أن العملية تحمل بعدًا داخليًا مهمًا. تصريحات بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، أكدت أن الهدف الأساسي هو تحييد التهديد النووي والصاروخي الإيراني قبل أن يتحول إلى خطر ملموس على إسرائيل. كما أيد يائير لابيد، زعيم المعارضة الإسرائيلي، الضربة واعتبرها ضرورة وطنية تهدف إلى حماية الأمن القومي.
في تحليلي، يظهر أن هذه العملية أيضًا تهدف إلى تعزيز الدعم الشعبي للحكومة الإسرائيلية، خاصة في ظل التحديات السياسية والانتخابات المقبلة، إذ تعكس صورة قوية للقيادة وقدرتها على اتخاذ قرارات صعبة في أوقات حرجة.
الموقف الإيراني والإقليمي
أما من وجهة نظري، فإن الرد الإيراني كان متوقعًا. إيران اعتبرت الهجوم اعتداءً على سيادتها، وأعلنت استعدادها للرد، مع التأكيد على أن اختيار التاريخ لم يكن رمزيًا بقدر ما جاء نتيجة الاعتبارات العملياتية. ومع ذلك، أرى أن هذا لا يقلل من الأثر النفسي للحدث على الداخل الإيراني والمجتمع الدولي، إذ يضيف عنصراً من الضغط الإعلامي والسياسي.
الدول الإقليمية الكبرى تراقب التطورات بقلق، خشية تصعيد الصراع وتوسع رقعة العمليات العسكرية، ما قد يؤدي إلى سلسلة ردود متبادلة تزيد التوتر في منطقة الشرق الأوسط.
من وجهة نظري، الهجوم يظهر أن العاشر من رمضان لم يكن مجرد يوم هجومي عادي. إنه تلاقي بين التخطيط العسكري، الرمزية التاريخية، السياسة الداخلية، والاستراتيجية الإعلامية الدولية. العملية تجسّد سياسة الردع الاستباقي التي تعتمد على الجمع بين القوة العسكرية والدبلوماسية والإعلامية لتحقيق أهداف متعددة في وقت واحد.
يمكنني القول إن هذه الضربة تمثل درسًا مهمًا في استغلال التاريخ والرمزية في السياسة الحديثة. فالتاريخ ليس مجرد يوم على التقويم، بل أداة يمكن استخدامها لتوجيه رسائل استراتيجية وسياسية قوية. الهجوم يظهر بوضوح كيف يمكن للبعد الرمزي أن يُدمج مع التخطيط العسكري لتحقيق أهداف شاملة تتجاوز حدود الساحة الميدانية.
في النهاية، أرى أن العاشر من رمضان هنا ليس مجرد يوم هجومي، بل رمز لاستراتيجية مركبة تجمع بين القوة العسكرية، الحنكة السياسية، والدبلوماسية الإعلامية، ما يجعل الهجوم نقطة دراسة وتحليل للمحللين العسكريين والسياسيين لفترة طويلة.