كازاخستان تضع الذكاء الاصطناعي في قلب اقتصادها

نحو التحول الرقمي الشامل

الرائد// تتجه كازاخستان إلى تحويل الذكاء الاصطناعي من ملف تقني محدود إلى جزء من بنيتها الاقتصادية، في وقت أظهر فيه تقييم حديث لوكالة موديز أن البلاد بدأت تبرز بوصفها المرشح الأقوى في آسيا الوسطى لبناء بنية تحتية قادرة على استيعاب التوسع السريع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي. ونُشر التقييم اليوم 14 سبتمبر 2026، في وقت تتنافس فيه دول المنطقة على جذب الاستثمارات الرقمية وتطوير مراكز البيانات والخدمات السحابية.

أهمية التطور لا تكمن في إنشاء مراكز بيانات جديدة فحسب، وإنما في محاولة أستانا تحويل موقعها الجغرافي بين الصين وروسيا وأوروبا إلى ميزة في الاقتصاد الرقمي. فالدولة التي اعتمد اقتصادها تاريخياً بدرجة كبيرة على النفط والغاز والمعادن تستطيع، عبر البنية الرقمية، إضافة قطاع جديد أقل ارتباطاً بتقلبات أسواق المواد الأولية.

وتشير تقديرات موديز إلى أن كازاخستان تتمتع بمقومات تساعدها على قيادة هذا المسار في آسيا الوسطى، فيما يتزامن ذلك مع توسع التعاون الإقليمي في الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي.

وهنا تظهر نقطة مهمة: المنافسة ليست بين كازاخستان ودول المنطقة فقط، وإنما بين نماذج مختلفة للارتباط التكنولوجي. فالصين تملك قدرة ضخمة على تمويل البنية التحتية والتكنولوجيا، بينما تحاول كوريا الجنوبية واليابان توسيع وجودهما الصناعي والتقني في آسيا الوسطى. وفي اليوم نفسه تقريباً، أعلنت أوزبكستان توسيع التعاون مع اليابان في المعادن الحيوية والصناعات المرتبطة بها، في مؤشر على أن دول المنطقة تحاول الجمع بين الموارد الطبيعية والتكنولوجيا المتقدمة.

وتكشف هذه التطورات عن تحول تدريجي في وظيفة آسيا الوسطى. فبعد أن كانت المنطقة تُنظر إليها أساساً باعتبارها مصدراً للطاقة والمعادن وممراً تجارياً، أصبحت الدول الكبرى تتعامل معها أيضاً كساحة محتملة لسلاسل الإمداد التكنولوجية والصناعات الجديدة.

لكن نجاح كازاخستان في هذا المجال لن يتوقف على إنشاء منشآت تقنية. التحدي الحقيقي يتمثل في إنتاج الكفاءات المحلية، وتوفير الكهرباء المستقرة، وربط الجامعات بسوق التكنولوجيا، وحماية البيانات، ومنع تحول البلاد إلى مجرد موقع تستضيف فيه الشركات الأجنبية خوادمها دون أن تحصل على قيمة معرفية كبيرة.

وهذا التحدي مهم بصورة خاصة لأن الذكاء الاصطناعي يغير طبيعة المنافسة الاقتصادية نفسها. الدولة التي تملك مراكز البيانات لكنها تستورد البرمجيات والخبراء والنماذج الجاهزة قد تحقق عائداً محدوداً، بينما الدولة التي تبني منظومة تعليم وبحث وشركات ناشئة حول تلك البنية تستطيع الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة الاقتصادية.

وتزامن التحرك الكازاخي مع تنامي الاهتمام بالذكاء الاصطناعي داخل العالم الإسلامي أيضاً. ففي ماليزيا، دعا رئيس الوزراء أنور إبراهيم أمس إلى عدم السماح للمجتمعات المسلمة بالتأخر عن التحول التكنولوجي، وحذر من أن عدم فهم الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي إلى شكل جديد من التبعية، داعياً العلماء إلى المشاركة في فهم التكنولوجيا مع الحفاظ على القيم الدينية والأخلاقية.

وبذلك يظهر اتجاهان متوازيان: كازاخستان تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة لبناء قدرة اقتصادية وطنية، وماليزيا تطرحه باعتباره قضية حضارية ومعرفية تتجاوز مجرد الاستثمار في الشركات. وإذا تطور الاتجاهان معاً، فقد نشهد خلال السنوات المقبلة انتقالاً في النقاش داخل الدول الإسلامية من سؤال «كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «من يملك بنيته التحتية ومعرفته وبياناته؟».

وتبدو كازاخستان مرشحة للاستفادة من هذا التحول إذا نجحت في ربط البنية التحتية الرقمية بالتصنيع والتعليم والبحث العلمي، بدلاً من الاكتفاء باستقطاب مراكز البيانات. أما إذا بقيت الاستثمارات منفصلة عن بناء المعرفة المحلية، فقد تتحول الأفضلية الجغرافية والطاقة المتاحة إلى فرصة استثمارية مؤقتة لا إلى تحول اقتصادي طويل الأمد.

المصادر:

وكالة ترند للأنباء، نقلاً عن تقييم موديز، 14 سبتمبر 2026.

وكالة الأنباء الماليزية «برناما»/مالاي ميل، 14 سبتمبر 2026، تصريحات أنور إبراهيم حول الذكاء الاصطناعي.

وكالة الأناضول، 14 سبتمبر 2026، تصريحات رئيس الوزراء الماليزي بشأن الذكاء الاصطناعي والمجتمعات المسلمة.

وكالة ترند للأنباء، 14 سبتمبر 2026، التعاون الصناعي بين أوزبكستان واليابان في المعادن الحيوية.

اترك تعليقا