غزة تنزف طبيا.. مستشفيات تواجه شبح الانهيار الكامل

القيود الطبية تفتح أزمة جديدة

لم تعد الأزمة الصحية في قطاع غزة مرتبطة فقط بأعداد الجرحى الذين تستقبلهم المستشفيات، بل باتت تتعلق بقدرة المنظومة الطبية نفسها على الاستمرار. فبينما تتواصل الهجمات وسقوط الضحايا، تواجه المستشفيات نقصا متزايدا في الأدوية والمعدات والوقود والكوادر المتخصصة، في وقت تتعقد فيه عمليات إدخال الإمدادات الطبية وإجلاء المرضى الذين يحتاجون إلى علاج غير متوافر داخل القطاع.

وخلال الساعات الأولى من الجمعة، استشهد ثلاثة فلسطينيين وأصيب آخرون في غارات وإطلاق نار إسرائيلي في مناطق مختلفة من قطاع غزة، بحسب مصادر طبية فلسطينية. واستهدفت غارات بطائرات مسيرة محيط دوار أنصار وملعب فلسطين في مدينة غزة، بينما سقط شهيد وأصيب آخرون في غارة على منزل بمخيم النصيرات وسط القطاع.

وتزامنت هذه الهجمات مع إطلاق نار إسرائيلي في مناطق من خان يونس والمواصي، وقصف مدفعي طال شرق دير البلح ومخيم المغازي، إضافة إلى عمليات نسف لمنازل ومبانٍ في مناطق شرق مدينة غزة.

وتقول وزارة الصحة في غزة إن الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، أسفرت حتى الخميس عن استشهاد 1439 فلسطينيا وإصابة 5052 آخرين، بينما تجاوز عدد الشهداء منذ أكتوبر 2023 حاجز 74 ألفا، وفقا للبيانات الفلسطينية.

القيود الطبية تفتح أزمة جديدة

في موازاة الخسائر البشرية، تصاعدت التحذيرات الدولية من القيود المفروضة على دخول المستلزمات الطبية. وقالت منظمة الصحة العالمية إن المعدات الطبية وأجهزة الأشعة والأدوية لا تصل إلى القطاع بالسرعة المطلوبة، محذرة من أن القيود على الإمدادات تعرقل استعادة الخدمات الصحية.

وكان المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس قد أكد في سبتمبر أن النظام الصحي في غزة لا يزال تحت ضغط شديد، مشيرا إلى أن 19 مستشفى فقط من أصل 36 تعمل بصورة جزئية، دون وجود مستشفى يعمل بكامل طاقته. كما أكد أن الأدوية الأساسية ومستلزمات التشخيص والمعدات والوقود لا تزال تعاني نقصا حادا.

وتكشف هذه الأرقام عن مشكلة تتجاوز نقص الدواء؛ فحتى عندما يصل المريض إلى المستشفى، قد لا يجد الطبيب المتخصص أو جهاز التشخيص أو غرفة العمليات القادرة على التعامل مع حالته.

ويقول مدير الإغاثة الطبية في مدينة غزة الدكتور محمد أبو عفش إن نقص الاختصاصيين وتقادم الأجهزة الطبية يمثلان من أبرز العقبات أمام تقديم العلاج، موضحا أن أجهزة المختبرات والتشخيص الإشعاعي تحتاج إلى صيانة وقطع غيار بصورة مستمرة.

نزيف الكوادر يضاعف الخلل

وتشكل خسارة الكوادر الطبية واحدة من أكثر حلقات الأزمة تعقيدا، إذ لا يمكن تعويض الطبيب المتخصص أو الجراح ذي الخبرة بمجرد إدخال شحنة من المعدات.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، قتل أكثر من 1700 عامل صحي منذ بداية الحرب، كما سجلت المنظمة مئات الهجمات التي طالت مرافق وعاملين صحيين. وتؤكد المنظمة أن حماية العاملين والمنشآت الطبية ليست مسألة إنسانية فحسب، وإنما شرط أساسي لبقاء الخدمات الصحية.

ويرى أبو عفش أن العجز يتركز بصورة خاصة في جراحات العظام والأعصاب والجراحات الكبرى، مشيرا إلى أن إرسال أطباء إلى غزة من دون المعدات اللازمة لا يحل المشكلة، لأن بعض الحالات تحتاج إلى منظومة جراحية متكاملة وليس إلى طبيب فقط.

وتشير المعطيات التي عرضتها تقارير صحفية من داخل القطاع إلى تراجع أجهزة التصوير والتشخيص من 635 جهازا إلى نحو 240 جهازا، بينما خرجت حضانات وأجهزة حيوية أخرى من الخدمة نتيجة الاستخدام المكثف وغياب الصيانة وقطع الغيار.

الوقود.. شريان المستشفيات

ولا تنفصل أزمة المعدات عن أزمة الطاقة. فالمستشفى الذي يفقد الوقود لا يخسر الكهرباء فقط، بل يواجه خطر توقف غرف العمليات وأجهزة التنفس والحضانات وأجهزة الغسيل الكلوي والتبريد الطبي.

وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن نقص الوقود والمستلزمات يهدد استمرارية الخدمات الحيوية، فيما تتزايد الاحتياجات المرتبطة بالأمراض المزمنة والإصابات التي تتطلب علاجا وتأهيلا طويل الأمد. وفي سبتمبر، أكدت المنظمة أن آلاف المصابين يحتاجون إلى خدمات تأهيل وأطراف صناعية، بينما لا تزال قدرات التأهيل محدودة للغاية.

ومن جهته، يرى الدكتور محمد أبو عفش أن استمرار تشغيل ما تبقى من المستشفيات أصبح مرتبطا بسرعة إدخال الأجهزة وقطع الغيار والوقود، إلى جانب السماح بدخول وفود طبية متخصصة ومجهزة بالكامل.

المرضى بين الانتظار والإجلاء

وتزداد المشكلة حدة بالنسبة إلى مرضى السرطان ومرضى الكلى والمصابين بإصابات معقدة، الذين يحتاجون إلى خدمات غير متوافرة داخل القطاع.

وتقول منظمة الصحة العالمية إن نحو 12 ألفا و400 مريض جرى إجلاؤهم طبيا من غزة منذ أكتوبر 2023، لكنها تؤكد أن عشرات الآلاف ما زالوا بحاجة إلى رعاية متخصصة غير متاحة محليا. كما تطالب بتوسيع عمليات الإجلاء واستعادة مسارات إحالة المرضى إلى الضفة الغربية والقدس الشرقية.

وترى جهات صحية وإنسانية أن الحل لا يكمن في إرسال مساعدات إسعافية متقطعة، وإنما في توفير تدفق منتظم للأدوية والمعدات والوقود، وإعادة تأهيل المستشفيات، وحماية الطواقم الطبية، وفتح مسارات آمنة للمرضى المحتاجين إلى علاج خارج القطاع.

ردود الفعل تتجه إلى الضغط الدولي

وأثارت التحذيرات الصحية المتكررة دعوات من الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة إلى ضمان وصول المساعدات الطبية دون عوائق، فيما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن المستشفيات الميدانية والفرق الطبية الطارئة يمكن أن تدعم النظام الصحي، لكنها لا تستطيع أن تحل محل المستشفيات والكوادر المحلية على المدى الطويل.

وفي المقابل، يستمر الجدل بشأن المسؤولية عن القيود المفروضة على دخول المساعدات، إذ توجه المؤسسات الدولية والفلسطينية انتقادات إلى السلطات الإسرائيلية بشأن إجراءات السماح بالإمدادات، بينما تقول إسرائيل إن قيودها مرتبطة باعتبارات أمنية. وتبقى هذه المواقف موضع خلاف سياسي وقانوني بين الأطراف.

لكن النتيجة الإنسانية على الأرض تبدو أكثر وضوحا: مستشفيات تعمل بإمكانات محدودة، كوادر متخصصة فقد منها القطاع أعدادا كبيرة، وأجهزة تتعطل دون صيانة، ومرضى ينتظرون العلاج أو الإجلاء.

ومع استمرار هذه المعادلة، لا تواجه غزة أزمة في علاج المصابين فحسب، بل خطر فقدان القدرة على تقديم الرعاية الصحية الأساسية لمجتمع بأكمله، وهو ما يجعل إعادة بناء القطاع الصحي جزءا لا ينفصل عن أي مسار مستقبلي لإنهاء الحرب ومعالجة آثارها.

اترك تعليقا