عُمان ترفع توقعات النمو وتواجه اختبار تنويع الاقتصاد
مسقط تختبر قدرتها على فك الارتباط بالنفط
- معاذ علي
- 9 سبتمبر، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- أسواق النفط العالمية, اضطرابات سوق الطاقة العالمي, اقتصاد, اقتصاد سلطنة عمان, النمو الاقتصادي, ثروات غير نفطية
رفعت “سلطنة عُمان” سقف توقعاتها للنمو الاقتصادي خلال عام 2026 إلى نحو 4%، بعد أن نما الاقتصاد الحقيقي بنسبة 2.4% في 2025، مقارنة مع 1.6% في 2024، وفق التقرير السنوي للبنك المركزي العُماني لعام 2025، الصادر في 8 سبتمبر 2026.
ويعكس التقدير الجديد توقعات باستمرار تحسن أداء القطاعين الهيدروكربوني وغير الهيدروكربوني، بدعم من زيادة إنتاج النفط، وتحسن العائدات الهيدروكربونية، واستمرار النشاط الاستثماري والإصلاحات الاقتصادية.
كما يتوقع البنك المركزي أن يبلغ فائض المالية العامة نحو 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، وأن يصل فائض الحساب الجاري إلى نحو 4.1%، مع بقاء التضخم عند مستويات محتواة، بمتوسط متوقع يبلغ 2.6%.
مؤشرات قوية..لكن النفط لا يزال في الصورة..
تأتي هذه التوقعات في وقت أظهر فيه الاقتصاد العُماني قدرة متزايدة على تحقيق نمو خارج قطاع النفط، إذ سجلت الأنشطة غير الهيدروكربونية نمواً بلغ 3.1% خلال 2025، مدفوعة بأداء قطاعات الزراعة والثروة السمكية والتشييد والخدمات.
كما حافظ القطاع المصرفي على قوة أدائه، إذ ارتفعت أصول القطاع المصرفي بنحو 9.2% خلال 2025 لتصل إلى 44.6 مليار ريال عُماني بنهاية ديسمبر، فيما زاد إجمالي الائتمان بنسبة 8.8% إلى 35.3 مليار ريال، وارتفع الائتمان الموجه إلى القطاع الخاص بنسبة 6.8%.
ولا تعني هذه المؤشرات أن “عُمان” تجاوزت بصورة نهائية تحدي الاعتماد على النفط والغاز؛ فالمشكلة الأساسية لم تعد تتمثل فقط في حجم مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج، وإنما في قدرتها على توليد صادرات وإيرادات عامة وقيمة مضافة مستقلة عن دورة الطاقة.
ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن الأنشطة غير الهيدروكربونية أصبحت تمثل قرابة 70% من الناتج المحلي الإجمالي، لكن الإيرادات الحكومية لا تزال تعتمد على الهيدروكربونات بنحو 80% من إجمالي الإيرادات، وتكشف هذه الفجوة أن التنويع في هيكل الإنتاج تقدم بصورة أسرع من التنويع في المالية العامة.
كما أن صورة المالية العامة في 2025 تحتاج إلى قدر من الدقة؛ فصندوق النقد قدّر أن السلطنة حافظت على فائض مالي بنحو 0.7% من الناتج خلال العام، بينما تحول الحساب الجاري إلى عجز يقدر بنحو 1.1% من الناتج، متأثراً بانخفاض أسعار النفط، وبالتالي، فإن الحديث عن فائضي المالية العامة والحساب الجاري يتعلق بتوقعات 2026 الصادرة عن البنك المركزي، وليس بنتائج محققة للعام السابق.
من ارتفاع الناتج إلى قوة الصادرات..
تكشف قراءة تقديرات المؤسسات الدولية والاقتصادية عن مساحة واسعة من عدم اليقين بشأن سرعة النمو، رغم اتفاقها على تحسن الاتجاه العام. فقد توقع صندوق النقد الدولي خلال بعثته في يونيو 2026 نمو الاقتصاد العُماني بنحو 3.7% في العام الحالي، مدفوعاً بزيادة إنتاج النفط واستمرار زخم الأنشطة غير النفطية، بينما رفع البنك المركزي توقعه إلى 4%.
وفي المقابل، توقعت “Oxford Economics” في يوليو نمواً إجمالياً بنحو 2.3%، بعدما رفعت تقديرها 0.4 نقطة مئوية، لكنها خفضت توقع نمو القطاعات غير المرتبطة بالطاقة إلى 2.4%، مشيرة إلى ضعف الطلب، ولا سيما في قطاع السياحة، باعتباره أحد العوامل التي تحد من سرعة توسع الاقتصاد غير النفطي.
وتكتسب هذه الفجوة أهمية خاصة لأنها توضح أن جزءاً من تسارع النمو المتوقع في 2026 قد يرتبط بعودة إنتاج النفط إلى مستويات أعلى مع تراجع قيود «أوبك+»، وليس بالضرورة بتسارع مماثل في التحول الهيكلي للاقتصاد.
وتظهر تقديرات البنك المركزي نفسه أن القطاع الهيدروكربوني مرشح للنمو مع زيادة الإنتاج، فيما يواصل القطاع غير الهيدروكربوني التوسع بوتيرة مستقلة نسبياً، ما يجعل جودة هذا النمو وقدرته على توليد صادرات جديدة عاملاً حاسماً في تقييم نجاح مسار التنويع.
وهنا يبرز تقييم صندوق النقد بشأن طبيعة النشاط غير النفطي. فالصندوق يرى أن جزءاً مهماً من الناتج غير الهيدروكربوني يتركز في أنشطة غير قابلة للتجارة الخارجية، وكثير منها منخفض القيمة المضافة ويحتاج إلى عمالة منخفضة المهارات، وهو ما يحد من مكاسب الإنتاجية وقدرته على توليد عائدات من العملات الأجنبية.
ولذلك يوصي بتسريع الإصلاحات التي ترفع كفاءة الحكومة وتحسن أداء الخدمات اللوجستية، باعتبار أن تطوير هذين المجالين يمكن أن يعزز قدرة السلطنة على تصدير المنتجات والخدمات غير النفطية ورفع مستوى تنوع قاعدة الصادرات، ولا تقتصر التحديات على الصادرات، بل تمتد إلى إدارة المؤسسات المملوكة للدولة والإطار المالي وسوق العمل.
فقد دعا صندوق النقد إلى تعزيز شفافية وأداء الشركات الحكومية، وتحسين الإدارة الضريبية، وتقوية الإطار المالي متوسط الأجل، إلى جانب زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل، وتطوير التعليم والتدريب، وتعميق القطاع المالي، وتسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة.
وتندرج هذه التوصيات ضمن مسار الإصلاح الهيكلي الذي يستهدف رفع قدرة الاقتصاد على مواجهة تقلبات أسعار النفط وتعزيز إمكانات النمو على المدى الطويل، وتبدو «رؤية عُمان 2040» و«الخطة الخمسية الحادية عشرة 2026-2030» أمام اختبار أكثر عمقاً من مجرد تحقيق معدلات نمو مرتفعة.
فنجاح الاستراتيجية سيتوقف على تحويل الاستثمارات في اللوجستيات والموانئ والسياحة والتعدين والتصنيع والطاقة المتجددة إلى قطاعات قادرة على إنتاج سلع وخدمات تنافسية وزيادة الصادرات ذات القيمة المضافة، وإذا تحقق ذلك، يمكن أن تتحول الزيادة في مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج إلى تنويع فعلي في مصادر الدخل الخارجي والمالي.
أما إذا ظل تحسن النمو مرتبطاً بصورة أساسية بارتفاع إنتاج النفط وأسعاره، فستبقى المالية العامة معرضة للتقلبات نفسها التي صاحبت الاقتصاد العُماني لعقود، وبناءً على المعطيات المتاحة، تبدو الصورة الأقرب في 2026 هي اقتصاد عُماني يتجه إلى نمو أسرع، مدعوماً بمزيج من ارتفاع إنتاج الهيدروكربونات واستمرار توسع الأنشطة غير النفطية، لكن مع اختلاف واضح بين المؤسسات بشأن قوة هذا التعافي.
وسيكون المؤشر الأهم خلال 2027 وما بعده ليس بلوغ الناتج نسبة نمو معينة، وإنما قدرة السلطنة على زيادة الصادرات غير النفطية، ورفع الإنتاجية، وتوسيع الإيرادات غير الهيدروكربونية، وتقليل حساسية المالية العامة لتقلبات سوق الطاقة، عندها فقط يمكن القول إن التنويع الاقتصادي انتقل من ارتفاع حصة القطاعات غير النفطية في الناتج إلى تحول فعلي في نموذج النمو العُماني.