سوريا: مطار اللاذقية يعود إلى المنظومة الوطنية لاستئناف الرحلات المدنية

دمشق تستعيد إدارة مرافقها الحيوية من الجانب الروسي

الرائد// في تحول استراتيجي يعكس مساعي الدولة السورية لاستعادة السيطرة الكاملة على مرافقها الحيوية، دخل ملف الطيران المدني مرحلة جديدة مع تسلّم دمشق مطار اللاذقية الدولي من الجانب الروسي. ولا تقتصر أهمية هذه الخطوة -التي جاءت بعد مفاوضات مكثفة- على إنهاء الطابع العسكري للمرفق فحسب، بل تمهد الطريق لإنعاش السياحة والتجارة في المنطقة الساحلية والوسطى عبر ربطها مجدداً بحركة الملاحة الجوية الدولية.

بدأت سوريا وروسيا اليوم استكمال الإجراءات الفنية والتشغيلية لتسليم مطار اللاذقية الدولي، في خطوة تمهد لإعادة تشغيله أمام الرحلات المدنية، وتفتح أحد الملفات المهمة في إعادة بناء شبكة النقل الجوي السورية.

وأفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية بأن وفداً من الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي وصل إلى مطار اللاذقية، وعقد اجتماعاً موسعاً مع ممثلي الجانب الروسي لبحث إجراءات التسليم والجوانب الفنية والتشغيلية للمرحلة المقبلة. كما أجرى الوفد جولة ميدانية على منشآت المطار ومعداته وأنظمة التشغيل لتحديد الاحتياجات المطلوبة قبل استئناف العمل.

ويأتي التحرك بعد مذكرة تفاهم توصل إليها الجانبان في 9 أغسطس، عقب مفاوضات استمرت نحو 18 شهراً. وتنص الترتيبات على استكمال عملية الانتقال خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، بينما بدأت السلطات السورية بالفعل إعداد خطة لإعادة تأهيل المطار ورفع جاهزيته التشغيلية تمهيداً لاستئناف الرحلات في أقرب وقت ممكن.

وتحمل الخطوة أهمية اقتصادية تتجاوز قطاع الطيران. فإعادة تشغيل مطار اللاذقية يمكن أن توفر منفذاً جوياً إضافياً للساحل السوري، وتخفف الضغط عن المطارات الأخرى، وتساعد على تنشيط حركة رجال الأعمال والسياحة والتجارة ونقل البضائع مستقبلاً.

كما أن إعادة تأهيل المطار تعني أن الحكومة السورية تتجه إلى إعادة توظيف منشأة كانت مرتبطة خلال السنوات الماضية بالوجود الروسي، وتحويلها إلى مرفق مدني يخدم الحركة الاقتصادية والسكانية.

واللافت أن عملية التسليم لا تتم بصورة مفاجئة، بل عبر تقييم تفصيلي للبنية التحتية والمعدات والأنظمة. وهذا يعكس رغبة في تجنب تشغيل المطار قبل التأكد من جاهزيته الفنية، خصوصاً أن إعادة تشغيل مطار دولي تتطلب معايير دقيقة في الملاحة الجوية والأمن والسلامة والخدمات الأرضية.

وتشير وكالة الأناضول إلى أن المسؤولين السوريين والروس ناقشوا تحديد المتطلبات التقنية والتشغيلية للمرحلة التالية، بينما تعمل هيئة الطيران المدني السورية على وضع خطة متكاملة لإعادة تأهيل المطار.

اقتصادياً، يمكن أن يصبح المطار جزءاً من عملية أوسع لإعادة تنشيط الساحل السوري. فالمطارات لا تعمل بمعزل عن الموانئ والطرق والفنادق والأسواق، ولذلك فإن عودة الرحلات يمكن أن تخلق حركة اقتصادية مرافقة، خصوصاً إذا تزامنت مع إعادة تأهيل طرق الربط والخدمات المحيطة بالمطار.

كما أن وجود مطار عامل في اللاذقية قد يعزز موقع المنطقة في حركة النقل بين سوريا ودول المنطقة، ويمنح الحكومة خياراً إضافياً لتنويع بوابات الدخول والخروج من البلاد.

لكن التحدي سيكون في التمويل. فإعادة تشغيل المطار تحتاج إلى استثمارات في البنية التحتية والمعدات والخدمات، كما أن نجاحه تجارياً سيتوقف على عدد الرحلات وشركات الطيران التي ستستخدمه وحجم الطلب على السفر.

وتكشف الخطوة كذلك عن طبيعة جديدة للعلاقة السورية الروسية. فبدلاً من بقاء المنشأة ضمن إطار الاستخدام المرتبط بالوجود الروسي، يجري الانتقال إلى صيغة تتعلق بمرفق مدني تديره المؤسسات السورية، مع استمرار التعاون الفني بين الطرفين خلال مرحلة التسليم.

ومن الناحية السياسية، يمثل ذلك اختباراً لقدرة دمشق على استعادة السيطرة التشغيلية على منشآتها الاستراتيجية وإدارتها بصورة تخدم الاقتصاد المحلي.

ولا يعني الاتفاق أن المطار سيبدأ استقبال الرحلات فوراً؛ فالسلطات السورية تتحدث عن استكمال إجراءات التسليم والتأهيل أولاً، ثم استئناف الرحلات بعد رفع الجاهزية التشغيلية.

وبالتالي فإن الخبر الأهم اليوم ليس مجرد تسليم منشأة، وإنما بداية عملية يمكن أن تعيد ربط الساحل السوري بشبكة النقل الجوي، وتحوّل مرفقاً ظل مرتبطاً بالمرحلة العسكرية السابقة إلى أداة مدنية واقتصادية في مرحلة إعادة بناء الدولة.

المصادر والتواريخ:

وكالة الأنباء السورية، «وفد الطيران المدني السوري يبحث مع الجانب الروسي إجراءات تسليم مطار اللاذقية»، 13 أغسطس 2026.

وكالة الأناضول، «سوريا وروسيا تبحثان تسليم مطار اللاذقية قبل استئناف الرحلات»، 13 أغسطس 2026.

اترك تعليقا