سوريا.. حل «قسد» يختبر مرحلة سياسية جديدة

من السلاح إلي السياسة

أعلن مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية «قسد» السابق، الثلاثاء 25 أغسطس/آب، انتهاء مهمة القوات وحلها كقوة عسكرية مستقلة، مؤكدا اندماج مكوناتها في مؤسسات الدولة السورية، في خطوة تمثل تحولا كبيرا في مسار العلاقة بين دمشق والقوى الكردية في شمال شرقي سوريا.

وجاء الإعلان خلال مؤتمر صحفي عقده عبدي في قصر الشعب بالعاصمة دمشق، عقب لقاء جمعه بالرئيس السوري أحمد الشرع، وبحضور عدد من المسؤولين والقيادات الكردية. وقال عبدي إن سوريا دخلت مرحلة جديدة عنوانها السلام والاستقرار والبناء، وإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تنقل البلاد من ساحات المعارك إلى مؤسسات الدولة.

ويمثل الإعلان تتويجا لمسار تفاوضي طويل بين الحكومة السورية و«قسد»، بدأ بصورة أكثر جدية بعد الاتفاقات التي نصت على وقف إطلاق النار ودمج القوات والمؤسسات التابعة للإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية.

نهاية كيان عسكري استمر أكثر من عقد

تأسست قوات سوريا الديمقراطية عام 2015 بدعم أمريكي مباشر بهدف محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، وتحولت خلال سنوات الحرب إلى قوة عسكرية وسياسية تسيطر على مساحات واسعة من شمال شرقي سوريا.

ومع مرور الوقت، لم تعد «قسد» مجرد تشكيل عسكري، بل أصبحت جزءا من منظومة واسعة تضم قوات أمن داخلي، ومؤسسات مدنية، وإدارات محلية، وقطاعات مرتبطة بالتعليم والطاقة والنفط والغاز والسدود والخدمات العامة.

ولهذا فإن إعلان حلها لا يعني فقط تفكيك تشكيل عسكري، وإنما إنهاء منظومة متكاملة من المؤسسات التي نشأت خلال سنوات الحرب، وإعادة ربطها بالحكومة المركزية في دمشق.

ويعتبر محللون أن الخطوة تمثل مكسبا استراتيجيا للحكومة السورية، لأنها تعزز مبدأ احتكار الدولة للسلاح وتوسع حضور مؤسساتها في مناطق كانت خارج سيطرتها المباشرة لسنوات.

في المقابل، يرى آخرون أن إنهاء «قسد» كقوة مستقلة يحمل ثمنا سياسيا بالنسبة إلى الأكراد، خصوصا أن القوات كانت تمثل ورقة القوة الرئيسية التي امتلكتها الإدارة الذاتية في مفاوضاتها مع دمشق.

من السلاح إلى السياسة

المعادلة الجديدة تجعل القضية الكردية أمام مرحلة مختلفة تماما.

فبعد أن كان السؤال الأساسي يدور حول مستقبل «قسد» وسلاحها ومناطق انتشارها، أصبح السؤال الآن يتعلق بالضمانات السياسية والدستورية التي ستحصل عليها المكونات الكردية داخل الدولة السورية.

ويرى الباحثة بينته شيلر أن دمج «قسد» يمثل إنجازا مهما بالنسبة إلى تثبيت سلطة الدولة، لكنه في الوقت نفسه يشكل تحولا صعبا بالنسبة إلى الأكراد الذين كانوا يطمحون إلى الحفاظ على قدر من الحكم الذاتي في مناطقهم.

أما الباحث بشتيون فرج، فيرى أن حل «قسد» لا يعني نهاية القضية الكردية، وإنما نقلها من المجال العسكري إلى المجال السياسي. فالمعركة المقبلة، وفق هذا التصور، ستكون حول كيفية تثبيت الحقوق الثقافية واللغوية والسياسية للأكراد في الدستور والمؤسسات الرسمية.

وهذا التحول يحمل قدرا كبيرا من المخاطرة بالنسبة إلى الطرفين؛ فدمشق تريد دولة موحدة لا توجد داخلها جيوش أو مؤسسات سيادية موازية، بينما يريد الأكراد ضمان ألا يؤدي الاندماج إلى فقدان مكتسباتهم السياسية والثقافية التي تحققت خلال سنوات الحرب.

ماذا سيحدث لعناصر «قسد»؟

عملية الدمج لا تعني بالضرورة خروج عناصر «قسد» من المشهد، وإنما انتقالهم إلى مؤسسات الدولة.

ومن أبرز الملفات المطروحة دمج المقاتلين في الجيش السوري، مع منح بعضهم رتباً ومواقع داخل المؤسسة العسكرية، بينما تنتقل قوات الأمن الداخلي «الأسايش» إلى وزارة الداخلية.

وقد بدأت هذه العملية فعليا قبل الإعلان النهائي عن حل «قسد»، إذ انتشرت قوات حكومية في مناطق عدة بالحسكة والقامشلي ودير الزور والرقة، كما التحق عدد من عناصر «قسد» بدورات تدريبية قبل انتقالهم إلى المؤسسة العسكرية السورية.

لكن عملية الدمج تظل أكثر تعقيدا بالنسبة إلى بعض التشكيلات، خصوصا الوحدات النسائية الكردية، إضافة إلى مسألة تحديد التسلسل القيادي والرتب والمسؤوليات داخل الجيش والأجهزة الأمنية.

ويرى المحلل فابريس بالانش أن التغيرات الميدانية التي شهدتها مناطق شمال شرقي سوريا خلال الأشهر الماضية أضعفت قدرة «قسد» على التفاوض من موقع القوة الذي كانت تتمتع به سابقا، بعدما فقدت السيطرة على مناطق استراتيجية وموارد مهمة.

المؤسسات المدنية.. الاختبار الأصعب

إذا كان دمج المقاتلين يمكن تنفيذه من خلال قرارات عسكرية وإدارية، فإن دمج المؤسسات المدنية أكثر تعقيدا.

فالإدارة الذاتية بنت خلال سنوات طويلة منظومة خاصة بها شملت التعليم والسجلات المدنية والهجرة والجوازات والشؤون العقارية والخدمات المحلية، إلى جانب إدارة المنشآت النفطية والغازية والسدود.

ومن ثم، فإن نقل هذه المؤسسات إلى الدولة السورية يتطلب ترتيبات إدارية وقانونية دقيقة، خصوصا في المناطق التي اعتاد سكانها التعامل مع مؤسسات الإدارة الذاتية لسنوات.

وبحسب المعطيات المعلنة، لم تستكمل بعض هذه الملفات بصورة نهائية، على أن تستمر عملية الدمج خلال الأيام المقبلة.

ويعتقد مراقبون أن نجاح هذه المرحلة سيكون أكثر أهمية من الإعلان السياسي نفسه، لأن أي ارتباك في الخدمات أو الإدارة المحلية يمكن أن يعيد إنتاج التوتر بين السكان والسلطات المركزية.

النفط والغاز.. البعد الاقتصادي

يمثل انتقال المنشآت النفطية والغازية إلى الدولة السورية أحد أهم أوجه التحول الجديد.

فالمناطق التي كانت تحت سيطرة «قسد» تضم جزءا مهما من الموارد النفطية السورية، ما جعل السيطرة عليها عاملا أساسيا في أي تفاوض حول مستقبل البلاد.

وقد سلمت القوات خلال مراحل سابقة عددا من المنشآت السيادية والحيوية إلى الدولة، في إطار تنفيذ الاتفاقات المبرمة مع دمشق.

وتنظر الحكومة السورية إلى استعادة السيطرة على هذه الموارد باعتبارها ضرورة لإعادة بناء الاقتصاد وتمويل عملية إعادة الإعمار، بينما يرى خبراء أن إدارة هذه الثروات ستكون اختبارا حقيقيا لمدى نجاح الدولة في توزيع العائدات بصورة عادلة على المناطق المنتجة والسكان المحليين.

تركيا تراقب التحول

يحمل حل «قسد» أهمية خاصة بالنسبة إلى تركيا، التي لطالما اعتبرت وجود قوة كردية مسلحة مرتبطة بحزب العمال الكردستاني على حدودها الجنوبية تهديدا لأمنها القومي.

ومن منظور أنقرة، فإن انتقال المقاتلين الأكراد إلى مؤسسات الدولة السورية قد يزيل أحد أهم مصادر القلق على الحدود، شرط أن يكون الاندماج حقيقيا وألا تتحول التشكيلات السابقة إلى قوة مستقلة داخل الجيش السوري.

ولهذا فإن تركيا ستراقب بصورة خاصة كيفية تنظيم القوات الكردية السابقة، وطبيعة القيادة الجديدة، وما إذا كانت ستحتفظ بأي هياكل عسكرية أو أمنية منفصلة.

ماذا تريد واشنطن؟

أما الولايات المتحدة، التي كانت الداعم العسكري والسياسي الأبرز لـ«قسد» خلال الحرب على تنظيم الدولة، فتواجه مرحلة جديدة في تعاملها مع حلفائها السابقين.

فواشنطن استفادت لسنوات من «قسد» باعتبارها شريكا رئيسيا في مكافحة التنظيم، لكنها في الوقت نفسه كانت تدرك أن استمرار كيان عسكري كردي مستقل يمثل مشكلة أمام تركيا ودمشق.

وقد يسمح اندماج القوات ضمن مؤسسات الدولة السورية بخلق صيغة جديدة لمكافحة تنظيم الدولة، تقوم على التعاون مع مؤسسات سورية موحدة بدلا من الاعتماد على قوة محلية مستقلة.

لكن نجاح هذه المعادلة يتوقف على قدرة دمشق على الحفاظ على الأمن في المناطق التي كانت خاضعة لـ«قسد»، ومنع عودة التنظيم أو ظهور جماعات مسلحة جديدة.

حقوق الأكراد.. العقدة السياسية

رغم أهمية الجانب العسكري، فإن الملف الأكثر حساسية سيبقى حقوق الأكراد.

وكان الرئيس أحمد الشرع قد أعلن خطوات تتعلق بالحقوق الثقافية واللغوية للأكراد، بما في ذلك الاعتراف بهويتهم الثقافية وحقهم في تعليم لغتهم الأم.

كما أكدت دمشق أن الأكراد جزء أصيل من الشعب السوري، ودعتهم إلى المشاركة في بناء الدولة الجديدة والحفاظ على وحدتها.

لكن القيادات الكردية تريد ضمانات تتجاوز البيانات والتصريحات، وتطالب بأن تصبح الحقوق الثقافية واللغوية جزءا واضحا من الدستور السوري.

وهنا يبرز الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة: هل تستطيع دمشق بناء صيغة تضمن حقوق الأكراد من دون الانتقال إلى نظام فدرالي أو حكم ذاتي، وفي الوقت نفسه تحافظ على وحدة الدولة ومركزية المؤسسات السيادية؟

ردود فعل متباينة

في دمشق، ينظر إلى الإعلان باعتباره خطوة نحو استعادة الدولة لسيادتها الكاملة وإنهاء الانقسامات العسكرية التي خلفتها الحرب.

أما في الأوساط الكردية، فهناك ترحيب حذر بالانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة، يقابله قلق من فقدان الأدوات التي كانت تمنح الأكراد نفوذا في التفاوض مع الحكومة.

ويرى متلو سيفيريوغلو أن حل «قسد» يمثل نهاية صعبة لمسار قوة عسكرية حققت إنجازات كبيرة في مواجهة تنظيم الدولة، لكنها وجدت نفسها في النهاية مضطرة إلى التخلي عن استقلالها العسكري.

في المقابل، يرى مؤيدو الاتفاق أن بقاء قوة مسلحة مستقلة لم يعد قابلا للاستمرار بعد تغير ميزان القوى داخل سوريا، وأن الاندماج يمكن أن يوفر للأكراد حماية قانونية ودستورية أفضل من استمرار المواجهة العسكرية.

نهاية «قسد» ليست نهاية الخلاف

رغم إعلان حل قوات سوريا الديمقراطية، فإن هذا التطور لا يعني بالضرورة أن الخلاف السوري الكردي انتهى.

بل يمكن القول إن الخلاف انتقل من مرحلة عسكرية إلى مرحلة سياسية أكثر تعقيدا.

فالسلاح أصبح تحت مظلة الدولة، لكن قضايا الحكم المحلي والحقوق الثقافية واللغة والتعليم والتمثيل السياسي وتوزيع الموارد الاقتصادية ما زالت تحتاج إلى تسويات طويلة الأمد.

ومن هنا، فإن نجاح الاتفاق لن يقاس فقط بعدد المقاتلين الذين انضموا إلى الجيش أو المؤسسات التي انتقلت إلى دمشق، وإنما بقدرة الحكومة السورية على بناء علاقة جديدة مع الأكراد تقوم على المواطنة والحقوق المتساوية، وبقدرة القيادات الكردية على الانتقال من منطق الإدارة الذاتية إلى المشاركة السياسية داخل الدولة.

في النهاية، يمثل 25 أغسطس/آب نقطة تحول تاريخية في مسار «قسد». فقد انتهى وجودها كقوة عسكرية مستقلة، لكن السؤال الأكبر بدأ الآن: هل يكون حل «قسد» بوابة لتوحيد سوريا وبناء عقد وطني جديد، أم أن الخلافات التي حملتها سنوات الحرب ستنتقل من ساحات القتال إلى الدستور والسياسة ومؤسسات الدولة؟

الإجابة ستتحدد خلال المرحلة المقبلة، عندما تنتقل عملية الدمج من الإعلان السياسي إلى التطبيق اليومي، وعندما تظهر بوضوح طبيعة العلاقة الجديدة بين دمشق والأكراد، ومدى قدرة الطرفين على تحويل الاتفاق العسكري إلى تسوية سياسية مستدامة.

اترك تعليقا