زلزال سياسي في واشنطن.. صعود الديمقراطيين يهدد نفوذ “إيباك” التاريخي
تراجع نفوذ الجمهوريين يربك حسابات ترامب ونتنياهو
- abdelrahman
- 4 نوفمبر، 2026
- المشاريع العالمية, تقارير وترجمات
- أحبار جريدة الرائد, امريكا, انتخابات الكونجرس, ايباك, مجلس الشيوخ, مجلس العلاقات الأمريكية الاسرائيلية, مجلس النواب
الرائد ..لم تعد إسرائيل تحظى بالمساحة السياسية الآمنة نفسها داخل الولايات المتحدة، بعدما تحول الدعم العسكري والسياسي غير المشروط لها من نقطة توافق تقليدية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي إلى قضية خلافية تتصاعد حدتها داخل الكونجرس وفي الحملات الانتخابية.
ومع اقتراب الديمقراطيين من استعادة مجلس النواب في انتخابات التجديد النصفي، تتجه الأنظار إلى مستقبل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «إيباك»، التي تواجه انتقادات متزايدة بشأن دورها في تمويل المرشحين والتأثير في نتائج الانتخابات.
وتزداد دلالة هذا التحول مع إعلان الرئيس دونالد ترامب عزمه إنهاء نحو 4 مليارات دولار من المساعدات العسكرية الأمريكية السنوية لإسرائيل، في خطوة تعكس تغيراً في الحسابات السياسية داخل واشنطن، وتكشف أن العلاقة مع تل أبيب لم تعد بمنأى عن الضغوط الانتخابية وتغير المزاج العام.
لكن هل تعني هذه التطورات بداية تراجع النفوذ التاريخي لـ«إيباك»، أم أنها مجرد إعادة تشكيل لأدوات التأثير داخل النظام السياسي الأمريكي؟
المال السياسي تحت المجهر
لطالما اعتمدت «إيباك» على بناء شبكة واسعة من العلاقات مع أعضاء الكونجرس والمرشحين وصناع القرار من الحزبين، مستفيدة من قدرتها على الحشد السياسي والإنفاق الانتخابي لدعم المرشحين المتبنين لسياسات مؤيدة لإسرائيل.
غير أن هذا الدور أصبح موضع انتقاد متزايد، خصوصاً داخل الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي، الذي يرى أن إنفاق الأموال الضخمة في الانتخابات التمهيدية يمثل تدخلاً في خيارات الناخبين ومحاولة لمعاقبة المرشحين المنتقدين للسياسات الإسرائيلية.
وتشير بيانات «أوبن سيكرتس» إلى أن مشروع الديمقراطية المتحدة، الذراع المرتبطة بـ«إيباك» للإنفاق الانتخابي المستقل، أنفق أكثر من 53.6 مليون دولار حتى 21 أغسطس 2026، ليصبح أكبر جهة إنفاق خارجي في انتخابات التجديد النصفي خلال تلك الفترة.
وتكشف هذه الأرقام مفارقة مهمة: فبينما تتعرض المنظمة لانتقادات بسبب حجم إنفاقها، فإن استمرار ضخ هذه الأموال يؤكد أنها لا تزال تمتلك أدوات مالية وتنظيمية مؤثرة، حتى مع تزايد الجدل حول جدوى استخدامها سياسياً.
التقدميون يغيرون قواعد اللعبة
في المقابل، يشهد الحزب الديمقراطي تحولاً تدريجياً في مواقفه تجاه إسرائيل، مع اتساع نفوذ التيارات التقدمية التي تربط استمرار المساعدات العسكرية الأمريكية بمدى التزام الحكومة الإسرائيلية بالقانون الدولي وحقوق الإنسان.
ولم تعد الدعوات إلى تقييد تسليح إسرائيل مقتصرة على شخصيات هامشية داخل الحزب؛ ففي يوليو 2026، صوت 103 نواب ديمقراطيين في مجلس النواب لمصلحة تعديل يهدف إلى وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل خلال السنة المالية التالية، رغم سقوط التعديل في نهاية المطاف.
ويعكس هذا التصويت اتساع مساحة الاعتراض داخل الحزب، حتى بين بعض النواب الذين لا يتبنون المواقف الأكثر تشدداً تجاه إسرائيل.
كما أصبح رفض التمويل المرتبط بـ«إيباك» أو انتقاد تدخلها الانتخابي جزءاً من خطاب عدد من المرشحين التقدميين، في محاولة لاستثمار التحول في مواقف الناخبين، خصوصاً الشباب والليبراليين.
ترامب يربك حسابات تل أبيب
وجاءت تصريحات ترامب بشأن إنهاء المساعدات العسكرية السنوية لإسرائيل لتضيف متغيراً جديداً إلى المشهد.
فالرئيس الأمريكي أعلن في 3 نوفمبر عزمه وقف نحو 4 مليارات دولار من المساعدات العسكرية، مشيراً إلى أن إسرائيل لم تعد بحاجة إلى هذا الدعم، وأن استمرار تقديمه أصبح يوفر مادة يستخدمها منتقدو السياسة الأمريكية تجاه تل أبيب.
واللافت أن ترامب ربط تصريحاته بالانتقادات التي يوجهها مرشحون ديمقراطيون للمساعدات الأمريكية، مستشهداً بالمرشح عبد السيد في ولاية ميشيجان، الذي جعل مراجعة الدعم العسكري لإسرائيل أحد محاور خطابه الانتخابي.
ومع ذلك، فإن الإعلان لا يعني أن وقف التمويل أصبح إجراءً قانونياً نافذاً بصورة نهائية؛ إذ يرتبط الدعم الحالي بتفاهم يمتد حتى عام 2028 بقيمة 38 مليار دولار على عشر سنوات، كما أن تنفيذ أي تغيير في الاعتمادات العسكرية يظل مرتبطاً بإجراءات الكونجرس والاتفاقات القائمة.
كذلك لا يعني إنهاء المساعدات وقف مبيعات الأسلحة الأمريكية لإسرائيل، إذ أشار ترامب إلى استمرار إمكانية شراء تل أبيب الأسلحة الأمريكية بتمويلها الخاص.
نفوذ إيباك
تواجه المنظمة اليوم معادلة مختلفة عن السنوات الماضية؛ فالقوة المالية التي منحتها قدرة كبيرة على التأثير في الانتخابات أصبحت نفسها موضع جدل داخل قطاعات من الحزب الديمقراطي.
كما أن بعض المرشحين باتوا ينظرون إلى الحصول على دعم «إيباك» باعتباره عبئاً انتخابياً محتملاً، بدلاً من كونه ميزة سياسية مضمونة، خاصة في الدوائر التي ترتفع فيها الانتقادات للحرب الإسرائيلية والسياسات الأمريكية الداعمة لها.
لكن اختزال المشهد في انهيار نفوذ المنظمة سيكون قراءة متسرعة. فـ«إيباك» لا تزال تمتلك موارد مالية كبيرة، وشبكة علاقات واسعة، وقدرة على العمل مع الجمهوريين والديمقراطيين، فضلاً عن أن التأثير في السياسة الخارجية الأمريكية لا يتوقف على نتائج الانتخابات وحدها.
والأهم أن صعود التيار التقدمي لا يعني حتى الآن انتقال السيطرة على الحزب الديمقراطي إلى الجناح الأكثر معارضة لإسرائيل؛ فداخل الحزب تيارات متعددة تختلف في مواقفها بشأن المساعدات العسكرية والعلاقة الاستراتيجية مع تل أبيب.
تحالف يتغير ولا ينتهي
تبدو واشنطن أمام مرحلة إعادة تقييم للعلاقة مع إسرائيل، وليس بالضرورة قطيعة معها. فالمؤشرات الحالية تعكس تراجعاً في مستوى الإجماع السياسي حول الدعم غير المشروط، واتساع المطالبات بمراجعة المساعدات وصفقات السلاح وربطها باعتبارات سياسية وقانونية.
كما أن أي تحول في تركيبة الكونجرس قد يمنح الديمقراطيين أدوات أوسع للرقابة والتحقيق ومراجعة الاعتمادات المالية، لكنه لا يمنحهم بالضرورة القدرة على فرض تغيير كامل في السياسة الخارجية، خاصة مع استمرار صلاحيات الرئيس ووجود توازنات حزبية ومؤسسية معقدة.
الخلاصة أن “إيباك” لا تواجه نهاية نفوذها بقدر ما تواجه نهاية مرحلة من سهولة التأثير السياسيفالمال لا يزال حاضراً، والتحالفات لم تختفِ، لكن تكلفة الدفاع عن السياسات الإسرائيلية داخل الولايات المتحدة أصبحت أعلى سياسياً وانتخابياً.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع المنظمة إعادة صياغة أدواتها وخطابها للتكيف مع جيل أمريكي جديد أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية، أم أن اتساع الفجوة بين الرأي العام ومواقف المؤسسات السياسية سيقود تدريجياً إلى تغيير أعمق في طبيعة التحالف الأمريكي الإسرائيلي؟