دول الخليج تعيد حسابات أمنه في ظل حرب إيران

بعد تعرض منشأت الطاقة والموانئ وسلاسل الإمداد لهجمات

دخلت دول الخليج مرحلة جديدة من مراجعة حساباتها الأمنية مع استمرار الحرب الأميركية الإيرانية وتعرض منشآت ومسارات الطاقة لهجمات، فيما برز خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك توجه خليجي متزايد نحو البحث عن ترتيبات إقليمية تقلل الاعتماد على الضمانات العسكرية الخارجية وحدها.

وفي أحدث تطور، قالت صحيفة فايننشال تايمز في 22 سبتمبر إن دولاً خليجية، بينها السعودية وقطر والإمارات، تدفع باتجاه إعادة ضبط العلاقات مع إيران، بعدما أظهرت الحرب حجم تعرض المنطقة للمخاطر الأمنية والاقتصادية. ونقلت الصحيفة عن رئيس الوزراء القطري أن الحرب تمثل «جرس إنذار» يستدعي بناء مقاربة خليجية جماعية وإنشاء إطار أمني إقليمي، فيما دعا أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي، إلى حوار إيراني عربي. كما أشارت إلى أن السعودية بحثت إمكانية اتفاق عدم اعتداء مع إيران.

ويأتي ذلك بينما تعرضت منشآت ومسارات مرتبطة بالطاقة لضغوط جديدة. وأفادت رويترز في 22 سبتمبر بأن صادرات النفط السعودية عبر مضيق هرمز ارتفعت إلى أعلى مستوى في ستة أشهر بعد تعرض خطوط بديلة لهجمات، وهو تطور يعيد أهمية المضيق بالنسبة إلى أمن صادرات المملكة رغم الاستثمارات السابقة في خطوط نقل تتجاوز المضيق.

وتكشف هذه التطورات حدود استراتيجية تنويع طرق تصدير النفط والغاز. فقد أوردت صحيفة وول ستريت جورنال في 22 سبتمبر أن السعودية اضطرت إلى زيادة الاعتماد على مضيق هرمز بعد تعطل مسارات بديلة بسبب الهجمات، وأن تكلفة نقل بعض الشحنات ارتفعت بصورة كبيرة نتيجة المخاطر الأمنية. وتبحث دول الخليج عن بنية تحتية إضافية، لكن الصحيفة نقلت عن خبراء أن البدائل الجديدة ليست محصنة تماماً من الاستهداف.

ولم يعد التأثير محصوراً في النفط. فقد أغلقت معظم بورصات الخليج على انخفاض في 21 سبتمبر، مع تراجع المؤشر السعودي 0.6% وأبوظبي 1.6%، بينما تحركت أسواق أخرى بصورة محدودة. وذكرت رويترز أن استمرار التوترات العسكرية ظل يطغى على التفاؤل الحذر بشأن احتمال استئناف المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران.

وتحمل هذه التطورات جانباً اجتماعياً واقتصادياً مهماً بالنسبة إلى المجتمعات الخليجية. فاستمرار ارتفاع مخاطر النقل البحري والطاقة يضغط على تكاليف التأمين والشحن، ويمكن أن ينتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والخدمات إذا طال أمد الأزمة. كما أن استمرار اضطراب صادرات الطاقة يضع خطط التنويع الاقتصادي أمام اختبار عملي، لأن المشاريع الجديدة تحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة حتى تحقق أهدافها.

وفي واشنطن طُرح مسار آخر؛ إذ ذكرت وول ستريت جورنال أن الإدارة الأميركية تقترح إنشاء صندوق بقيمة إجمالية تصل إلى 10 مليارات دولار لإعادة بناء منشآت الطاقة المتضررة في الشرق الأوسط، بمساهمة أميركية أولية قدرها 5 مليارات دولار ومساهمات من السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وعُمان والعراق والأردن. غير أن الصحيفة أشارت إلى أن استمرار الحرب قد يجعل الاستثمار في البنية التحتية الجديدة معرضاً للخطر نفسه.

ومن هنا يظهر التحدي أمام دول الخليج: هل يكون الرد على الأزمة بتوسيع التحالفات العسكرية الخارجية، أم بتطوير ترتيبات أمنية إقليمية تشمل إيران والدول العربية وتقلل احتمالات الصدام؟ المعطيات الأخيرة تشير إلى أن الخيارين يتحركان بالتوازي؛ فالدول الخليجية ما زالت تعتمد على الشراكات الدفاعية مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه تزيد اهتمامها بالمسار الدبلوماسي الإقليمي.

ويرتبط ذلك أيضاً بالموقف من إيران نفسها. فالدول الخليجية تواجه معادلة دقيقة: استمرار الخلافات مع طهران وارتباطها بجماعات مسلحة في المنطقة، وفي الوقت نفسه عدم امتلاك مصلحة اقتصادية وأمنية في حرب طويلة تجعل منشآتها النفطية وموانئها وممراتها البحرية أهدافاً مستمرة. ولذلك فإن الدعوة إلى حوار إيراني عربي لا تعني بالضرورة انتهاء الخلافات، وإنما تعكس محاولة لفصل إدارة المخاطر عن استمرار الخلافات السياسية.

وتشير هذه التطورات إلى أن الأمن الخليجي بعد الحرب لن يكون قضية عسكرية فقط. فحماية الطاقة والموانئ وسلاسل الإمداد والاستثمارات والسكان ستصبح جزءاً من مفهوم أوسع للأمن، بينما ستضطر الحكومات إلى الموازنة بين كلفة التسلح وكلفة الدبلوماسية وكلفة استمرار الصراع.

المصادر: فايننشال تايمز، 22 سبتمبر 2026؛ رويترز، 22 سبتمبر 2026؛ وول ستريت جورنال، 22 سبتمبر 2026؛ رويترز، 21 سبتمبر 2026.

اترك تعليقا