دراسة دولية ترصد ضغوطاً على المؤسسات الإسلامية في 4 دول أوروبية

الأئمة في أوروبا بين حرية المعتقد والعتبارات الأمنية

الرائد ..لم تعد أدوار الأئمة في أوروبا تقتصر على الإمامة والخطابة والتعليم الديني، بل باتوا يواجهون تحديات متزايدة تتعلق بالرقابة الأمنية، وشروط الاعتراف الرسمي، ومصادر التمويل، والتوازن بين متطلبات الدولة والحفاظ على استقلال المؤسسات الإسلامية.

وكشفت دراسة أكاديمية دولية، نُشرت في 19 أكتوبر 2026، عن الضغوط التي تواجه الأئمة والمؤسسات الإسلامية في بلجيكا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا، في ظل تداخل السياسات الأمنية مع تنظيم الشؤون الدينية، وتصاعد المخاوف الأوروبية بشأن التطرف والتأثيرات الأجنبية.

وأعد الدراسة الباحثان طاهر عباس، من جامعة أستون البريطانية، وماي تميموفا، من الأكاديمية التشيكية للعلوم، ونُشرت في مجلة «دراسات الإسلام والمجتمعات المسلمة».

وتطرح الدراسة قضية تتجاوز حدود مكافحة التطرف، لتفتح نقاشاً أوسع حول طبيعة العلاقة بين الدولة والمؤسسات الإسلامية، ومدى قدرتها على ممارسة أدوارها الدينية والاجتماعية باستقلالية، دون الخضوع لاشتراطات أمنية وسياسية قد تؤثر في رسالتها ومصداقيتها داخل المجتمعات المسلمة.

4 دول.. وتجارب متباينة

ترصد الدراسة اختلاف الأطر القانونية والسياسية المنظمة لعمل المؤسسات الإسلامية في الدول الأربع، لكنها تشير إلى تحديات مشتركة تتعلق بالاعتراف الرسمي والتمويل والعلاقات الخارجية ودور الأئمة في المجال العام.

تتناول الدراسة قرار سحب الاعتراف الرسمي بالهيئة التنفيذية للمسلمين في بلجيكا عام 2022، إلى جانب فقدان المسجد الكبير في بروكسل وضعه المعترف به، في سياق خلافات تتعلق بالتمويل الخارجي والتأثيرات الأجنبية على المؤسسات الدينية.

وتعكس هذه التطورات حجم التعقيدات التي تواجه المؤسسات الإسلامية في الحصول على اعتراف رسمي مستقر، في ظل ارتباط هذا الاعتراف باعتبارات تتجاوز الإطار الديني والإداري.

وفي ألمانيا، تركز الدراسة على تعدد مكونات المشهد الإسلامي، وارتباط بعض المساجد والجماعات بامتدادات دينية عابرة للحدود، فضلاً عن انعكاسات التوترات السياسية التركية على العلاقات داخل بعض المجتمعات المسلمة.

وتبرز هذه الحالة صعوبة الفصل بين النشاط الديني للمؤسسات الإسلامية وتشابكاتها الاجتماعية والسياسية العابرة للحدود.

إسبانيا.. إطار قانوني وتحديات عملية

أما في إسبانيا، فتتناول الدراسة اتفاق التعاون الموقع عام 1992 بين الدولة والمؤسسات الإسلامية، والذي يوفر إطاراً قانونياً للاعتراف بالحقوق الدينية وتنظيم ممارسة الشعائر.

لكن وجود هذا الإطار لم ينهِ جميع التحديات العملية التي تواجه المساجد والأئمة، سواء فيما يتعلق بممارسة الأنشطة الدينية أو توفير الاحتياجات المؤسسية.

وفي إيطاليا، تشير الدراسة إلى استمرار تعثر التوصل إلى اتفاق رسمي شامل بين الدولة وممثلي المسلمين، رغم مرور عقود على المطالبة به، في وقت تمكنت فيه جماعات دينية أخرى من إبرام اتفاقات مماثلة.

وتطرح هذه الحالة تساؤلات بشأن تفاوت فرص الاعتراف القانوني بين المكونات الدينية المختلفة، وانعكاسات ذلك على قدرة المؤسسات الإسلامية على تنظيم شؤونها بصورة مستقرة.

من المحراب إلى المجال العام

من أبرز القضايا التي تطرحها الدراسة التحول الذي طرأ على طبيعة دور الإمام في المجتمعات الأوروبية؛ فلم يعد دوره مقتصراً على إقامة الصلاة وإلقاء الخطب وتعليم أمور الدين، بل أصبح مطالباً بالتعامل مع مجموعة واسعة من الملفات الدينية والاجتماعية والقانونية.

وبات الإمام مطالباً بالالتزام بالقوانين الوطنية، والتواصل مع المؤسسات الحكومية، والتعامل مع المخاوف الأمنية، ومواجهة خطاب الكراهية والاعتداءات على المساجد، إلى جانب الحفاظ على ثقة المصلين وإدارة الاختلافات بين الأجيال والخلفيات الثقافية والمذهبية.

كما أصبح عليه تقديم خطاب ديني قادر على التواصل مع مجتمع متعدد الثقافات، والتعامل مع قضايا الاندماج والهوية والمواطنة، دون التفريط في المرجعيات الدينية التي يستند إليها.

وتكمن صعوبة هذا الدور في أن الإمام قد يجد نفسه مطالباً بإثبات التزامه واعتداله أمام المؤسسات الرسمية، بينما يواجه في الوقت نفسه انتقادات من داخل مجتمعه بشأن بعض مواقفه الدينية أو السياسية، وهو ما يضعه أمام معادلة دقيقة بين متطلبات الاعتراف الرسمي والحفاظ على المصداقية المجتمعية.

 مفهوم الاعتدال

تطرح الدراسة إحدى أكثر الإشكاليات حساسية في العلاقة بين الدولة والمؤسسات الإسلامية، وهي تعريف مفهوم الاعتدال والجهة التي تملك سلطة تحديد معاييره.

فوفقاً للطرح الذي يقدمه الباحثان، لا ينبغي النظر إلى الاعتدال باعتباره تصنيفاً دينياً ثابتاً، أو موقعاً محدداً على خريطة التيارات والمذاهب الإسلامية، بل يتعين فهمه في سياق الممارسات والخطابات والظروف الاجتماعية والسياسية.

وتبرز الإشكالية عندما يجد الإمام نفسه مضطراً إلى إعادة صياغة خطابه بصورة مستمرة حتى يتوافق مع توقعات الجهات الرسمية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ثقة المصلين وقبوله داخل المجتمع المسلم.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل أصبح الاعتراف الرسمي بالمؤسسات الإسلامية مرتبطاً بمدى قدرتها على تبني خطاب تقبله السلطات، أم أن المعيار الأساسي ينبغي أن يكون الالتزام بالقانون وممارسة الحقوق الدينية على قدم المساواة مع بقية المؤسسات؟

ولا تعني هذه الإشكالية رفض التعاون بين المؤسسات الإسلامية والدولة، وإنما التحذير من اختلال العلاقة عندما تتحول متطلبات الاعتراف إلى وسيلة للتأثير في مضمون الخطاب الديني أو توجيه عمل المؤسسات بما يتجاوز الضوابط القانونية العامة.

بين الأمن وحرية المعتقد

من وجهة نظر الحكومات الأوروبية، ترتبط مراقبة مصادر تمويل المؤسسات الدينية وعلاقاتها الخارجية بحماية الأمن العام، ومنع توظيف المساجد والمنظمات الدينية في أنشطة متطرفة أو صراعات سياسية خارجية.

وفي المقابل، يرى المدافعون عن الحقوق والحريات الدينية أن بعض الإجراءات الرقابية قد تتحول إلى شكل من أشكال التمييز المؤسسي، إذا لم تستند إلى أدلة واضحة، أو إذا فرضت على المؤسسات الإسلامية شروطاً لا تطبق بالقدر نفسه على المؤسسات الدينية الأخرى.

وتتعلق القضية هنا بضرورة الفصل بين الرقابة القانونية المشروعة، التي تستهدف مخالفات محددة، وبين الاشتباه الجماعي الذي قد يجعل الانتماء الديني أو الهوية الإسلامية مدخلاً للتعامل الأمني.

كما أن المجتمعات المسلمة في أوروبا ليست كتلة متجانسة، بل تضم أجيالاً وتيارات فكرية وخلفيات وطنية وثقافية متعددة، وهو ما يجعل اختزالها في تصنيف أمني واحد أمراً لا يعكس حقيقة تنوعها.

المنظور الإسلامي.. استقلال ومسؤولية

من منظور الفكر الإسلامي، يمكن مقاربة هذه الإشكالية من خلال مبدأين متكاملين: الحفاظ على استقلال المؤسسات الدينية وقدرتها على أداء رسالتها التعليمية والدعوية والاجتماعية، والالتزام في الوقت نفسه بالعهود والقوانين المنظمة لحياة المواطنين واحترام حقوق الآخرين.

ويؤكد القرآن الكريم مبدأ الوفاء بالعقود والعهود، في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.

وبناءً على ذلك، فإن استقلال المؤسسات الإسلامية لا يعني إعفاءها من الشفافية المالية أو المساءلة القانونية، كما أن احترام القوانين لا يعني التنازل عن حقها في إدارة شؤونها الدينية بعيداً عن التدخل الذي ينتقص من استقلالها.

وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول مكافحة التطرف إلى مبرر لإخضاع جميع المساجد والأئمة للاشتباه، أو التعامل مع الهوية الإسلامية باعتبارها قضية أمنية في حد ذاتها.

فالتوازن المطلوب يقوم على مساءلة المؤسسات عن أفعالها وممارساتها، لا عن هويتها الدينية أو انتمائها الثقافي.

5 مسارات لعلاقة أكثر توازنا

تفتح الدراسة الباب أمام إعادة النظر في نموذج العلاقة بين الدولة والمؤسسات الإسلامية في أوروبا، بما يحقق التوازن بين مقتضيات الأمن العام وضمانات حرية الدين والتنظيم.

ويبرز في هذا السياق عدد من المسارات المهمة:

  1. الاعتراف القانوني: توفير أطر واضحة ومستقرة للاعتراف بالمؤسسات الإسلامية، تضمن المساواة في الحقوق والواجبات.
  2. شفافية التمويل: إخضاع مصادر التمويل للضوابط القانونية العامة، دون فرض قيود تمييزية على المؤسسات الإسلامية.
  3. استقلال الأئمة: حماية حق الأئمة في التعليم والإرشاد الديني، ضمن حدود القانون وحقوق الآخرين.
  4. المشاركة المجتمعية: إشراك ممثلي المسلمين في صياغة السياسات والقرارات التي تؤثر في مؤسساتهم وحياتهم الدينية.
  5. التمييز بين الدين والتطرف: الفصل الواضح بين ممارسة الشعائر والعمل الديني المشروع، وبين الأنشطة القائمة على التحريض أو العنف.

 اختبار المواطنة المتساوية

تكشف التجارب الأربع التي تناولتها الدراسة أن قضية الأئمة والمؤسسات الإسلامية في أوروبا لم تعد مجرد ملف يتعلق بتنظيم المساجد أو تحديد مصادر تمويلها، بل أصبحت جزءاً من نقاش أوسع حول طبيعة المواطنة وحرية المعتقد وحدود تدخل الدولة في الشؤون الدينية.

فنجاح الاندماج لا يمكن أن يكون مسؤولية المجتمعات المسلمة وحدها، وإنما يرتبط أيضاً بقدرة المؤسسات الأوروبية على توفير بيئة قانونية تضمن المساواة وتحترم التعددية الدينية والثقافية.

لذا يمكننا القول  فإن مستقبل الإسلام في أوروبا لن يتحدد فقط بمدى قدرة المسلمين على التكيف مع المجتمعات التي يعيشون فيها، بل كذلك بمدى قدرة هذه المجتمعات على حماية حقهم في ممارسة دينهم وتنظيم مؤسساتهم والتعبير عن هويتهم، دون أن يتحول الاعتراف القانوني إلى اختبار دائم للولاء أو الخضوع للاشتراطات الأمنية والسياسية.

اترك تعليقا