دبلوماسية الندرة.. مصر والصين وسط حسابات عالمية جديدة

د. أحمد السعيد

مَن يتابع حركة الرئيس الصينى شى جين بينغ يعرف أنه من أقل قادة الدول الكبرى سفرًا؛ فهو لم يغادر الصين هذا العام، حتى نهاية أغسطس، إلا مرة واحدة إلى كوريا الشمالية فى يونيو، ولهذا كان وضع القاهرة على برنامج رحلته الخارجية الثانية، بعد بيشكيك عاصمة قيرغيزستان، التى سيحضر فيها قمة منظمة شنجهاى للتعاون، أمرًا يستوقف من يقرأ خريطة السياسة الصينية، ولا سيما أن الرجل يعود إلى مصر بعد عشرة أعوام من زيارته السابقة.
هذا ما أسميه «دبلوماسية الندرة»، ومعناها أن قلة السفر ترفع قيمة الوجهة، وأن إدراج دولة فى جدول بهذا الضيق لم يعد مجاملة لدولة صديقة ولا تلبية لدعوة رسمية، وإنما هو تقدير لمكانتها ورسالة إلى كل من يراقب حركة الصين فى الإقليم، رسالة تسبق المباحثات وتوقيع الوثائق.
فى يناير 2016 جاءت مصر واحدة من ثلاث محطات فى جولة شملت السعودية وإيران، وكانت بكين يومها تطرق أبواب المنطقة الثلاثة حريصة على مسافة واحدة تقريبًا من الرياض وطهران والقاهرة. أما هذه المرة فلا جولة شرق أوسطية أصلًا؛ يذهب شى إلى بيشكيك لحضور قمة منظمة شنجهاى للتعاون ثم يأتى إلى مصر وحدها، الوجهة العربية والإفريقية الوحيدة فى الرحلة، وهذا الفارق عندى أهم من كثير مما سيقال فى مراسم الاستقبال.
لم تختر الصين مصر لتتحدث بالنيابة عن العرب أو الأفارقة، وهى أبعد من أن تختصر قارة وإقليمًا فى عاصمة واحدة، غير أنها تعلم أن دولًا قليلة فى العالم تجمع ما تجمعه القاهرة فى مكان واحد: دولة عربية كبرى ذات ثقل إفريقى وانتماء إلى العالم الإسلامى، تشرف على قناة السويس وتطل على البحرين الأحمر والمتوسط، بحيث يستطيع الرئيس الصينى أن يخاطب منها ثلاث دوائر سياسية وحضارية معًا، وأن يناقش على المائدة نفسها أمن الممرات البحرية والطاقة والتجارة وأزمات الإقليم.
ووراء الاختيار دين قديم فى الذاكرة الصينية؛ ففى الثلاثين من مايو 1956 كانت مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، ولم يكن قرار القاهرة فى عهد جمال عبدالناصر إجراء دبلوماسيًا عاديًا، إذ كانت بكين تعانى يومها عزلة دولية واسعة، فجاء الاعتراف المصرى ففتح أمامها بابين ظلا موصدين دونها: العالم العربى وإفريقيا. والصينيون شديدو العناية بالتاريخ، يحفظون من وقف معهم فى البدايات، ولذلك تحمل الذكرى السبعون عندهم معنى يتجاوز الاحتفال وتبادل كلمات الصداقة إلى التذكير بأن مصر كانت بوابة الصين إلى العالم قبل أن تصبح الصين القوة التى يتنافس الجميع اليوم على كسب ودها وأسواقها واستقبال استثماراتها.
ويجمع عام 2026 أكثر من مناسبة فى وقت واحد: سبعون عامًا على العلاقات بين القاهرة وبكين، وعشرة أعوام على زيارة شى السابقة إلى مصر، وعام التبادل الشعبى الصينى الإفريقى، فيما يجرى فى الخلفية تنفيذ خطة عمل بكين لمنتدى التعاون الصينى الإفريقى 2025- 2027، وتدخل مصر هذه المرحلة وقد صارت عضوًا فى بريكس وشريكًا فى مؤسسات لم تكن جزءًا منها قبل عشر سنوات.
ولست ممن يبالغون فى تفسير مسارات الطائرات، على أن الانتقال من بيشكيك إلى القاهرة يعسر حمله على المصادفة؛ ففى المحطة الأولى يلتقى شى قادة منظمة ولدت فى قلب أوراسيا واتسع نفوذها على مدى خمسة وعشرين عامًا، وفى الثانية يلتقى الرئيس عبدالفتاح السيسى فى دولة تقوم عند نقطة اتصال العالم العربى بإفريقيا والبحر المتوسط، وكأن الصين تريد أن تمسك بطرفى المعادلة التى يقوم عليها الجنوب العالمى: المنصات الكبرى التى تجمع دوله، والدول المحورية التى تحمل ما تتفق عليه تلك المنصات إلى أرض الواقع.
ثم إن الزيارة لا تجىء فى وقت مريح؛ فمضيق هرمز مضطرب، والبحر الأحمر لم يسترد هدوءه، وحركة الملاحة فى قناة السويس ما زالت دون مستويات ما قبل الأزمة، والصين معنية بهذا كله لأنها تستورد الطاقة عبر هذه الممرات وترسل من خلالها قسطًا كبيرًا من تجارتها إلى أوروبا وإفريقيا. وفى مثل هذه الظروف تتضاعف أهمية ما يصح أن نسميه «الدولة المرساة»، وهى الدولة التى لا تملك إنهاء العاصفة بمفردها، لكن لها من الوزن والعلاقات ما يمنع المنطقة من الانجراف الكامل؛ ومصر بثقلها السياسى والعسكرى والحضارى، وبقدرتها على الحديث مع الأطراف جميعًا، واحدة من هذه الدول التى لا يستقيم من دونها حساب جاد لمستقبل الإقليم.
على أن الدلالات السياسية وحدها لا تكفى، فالزيارة السابقة تركت وراءها وعودًا كبيرة حان وقت مراجعتها. فى 2016 شهد الرئيسان توقيع 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم قدرت قيمتها بنحو 15 مليار دولار، يوم كانت العاصمة الجديدة فى بداياتها، وتوسعة «تيدا» مشروعًا ينتظر التنفيذ، والقطار الكهربائى فكرة لم تتحرك بعد. واليوم بين أيدينا حصيلة يمكن جردها: منطقة الأعمال المركزية فى العاصمة الجديدة تضم عشرين مبنى على مساحة إنشائية تناهز 1.92 مليون متر مربع يتوسطها البرج الأيقونى بارتفاع 385.8 متر، ومنطقة «تيدا» فى العين السخنة اتسعت إلى أكثر من عشرة كيلومترات مربعة واجتذبت قرابة مئتى شركة صينية باستثمارات تزيد على 3.8 مليار دولار ووفرت ما يربو على عشرة آلاف فرصة عمل، والقطار الكهربائى الخفيف يعمل وتتواصل مراحله الجديدة بتمويل صينى ميسر.
هذه حصيلة يصعب إنكارها، ولا حاجة بنا مع ذلك إلى تحويلها احتفالًا؛ فقد كبرت العلاقة حجمًا ولم تتطور نوعًا بالقدر نفسه فى كل المجالات. تجاوزت الاستثمارات الصينية فى مصر عشرة مليارات دولار، ودخلت الشركات الصينية قطاعات الإلكترونيات والمنسوجات والطاقة والنقل والصناعات الهندسية، وتوسع اتفاق مبادلة العملات بين البنكين المركزيين من 18 إلى 30 مليار يوان، وكل هذا مهم، ويبقى بعده السؤال المصرى الأساسى معلقًا: ماذا ينتج اقتصادنا من هذه العلاقة؟.
بلغت تجارة البلدين فى 2025 نحو 20.8 مليار دولار، وهو رقم يبدو كبيرًا حتى ننظر فى تركيبه: قرابة 19.9 مليار دولار صادرات صينية إلى مصر مقابل 819 مليون دولار صادرات مصرية إلى الصين، أى أن مصر تستورد بأكثر من أربعة وعشرين دولارًا مقابل كل دولار تصدره إلى السوق الصينية. ويقول الجانب الصينى إن 66 فى المئة من صادراته إلينا مواد وسيطة تدخل فى الإنتاج، وهو توضيح وجيه يمنع القراءة السطحية للعجز، ويفتح مع ذلك سؤالًا أدق من سؤال الأرقام: كم من هذه المواد يتحول داخل مصر إلى منتج يحمل قيمة مصرية حقيقية تجد طريقها إلى أسواق أخرى، وهل ينشأ حولها نسيج من الموردين المحليين، أم يظل المصنع الأجنبى جزيرة صناعية تستورد معظم حاجتها ثم تكتفى بالتجميع؟.
لهذا كله لا أتحمس لعدد مذكرات التفاهم التى قد توقع خلال الزيارة؛ فعندنا من المذكرات والعناوين الكبيرة ما يكفى، والذى نحتاجه عقود تفصح عن نسبة المكون المصرى، وعن عدد الشركات المحلية الداخلة فى سلسلة التوريد، وعن برامج تدريب المهندسين والفنيين، وعن حصة الإنتاج المخصصة للتصدير، وعن موعد يبدأ فيه المصنع عمله فعلًا. والقطاعات معروفة: السيارات الكهربائية والبطاريات، والألواح الشمسية، والإلكترونيات، ومعدات تحلية المياه، ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعى؛ ولا قيمة كبيرة لمصنع يكتفى بتجميع أجزاء جاءت كلها من الخارج، فالقيمة تبدأ حين تنتقل المعرفة ويشارك المورد المصرى ويصير جزء من المنتج مصريًا بالفعل، ثم يجد طريقه إلى الأسواق العربية والإفريقية والأوروبية.
وحتى اتفاق مبادلة العملات يحتاج قراءة هادئة؛ فرفع قيمته إلى 30 مليار يوان قد يخفف الضغط على الدولار وييسر التعاملات، وقد يتحول مع بقاء الخلل التجارى على حاله إلى طريق أسهل لتمويل مزيد من الواردات الصينية، وفائدته الكبرى أن يوجه إلى شراء معدات لمصانع تنتج داخل مصر، أو إلى تمويل مشروعات قادرة على التصدير ورد جزء من هذه الأموال إلى الاقتصاد.
ومنذ أول مايو الماضى صارت الصادرات المصرية مؤهلة للانتفاع بالإعفاء الجمركى الذى منحته الصين لوارداتها من 53 دولة إفريقية، ووقعت الشركات المصرية بعده 17 عقدًا للتصدير إلى الصين بقيمة 168 مليون دولار، وهى بداية حسنة تبدو مع ذلك صغيرة أمام فجوة تجارية تتجاوز 19 مليار دولار. والإعفاء ممتد لعامين، والعامان فى التجارة يمران سريعًا، فعلى الشركات المصرية أن تتعرف من الآن إلى المواصفات الصينية وأن تطور التغليف والنقل والتخزين والتسويق، لأن السوق الصينية لا تفتح أبوابها بقرار سياسى وإنما بعمل يومى ومكاتب تجارية نشطة وشركات تعرف كيف تفاوض وكيف تبقى؛ ونجاح العقود السبعة عشر لن يقاس بتوقيعها، وإنما بتجديدها وزيادة قيمتها ودخول شركات ومنتجات مصرية جديدة على أثرها.
وللزيارة جانب سياسى لا ينبغى أن يضيع بين أرقام الاستثمار؛ فأمن البحر الأحمر وأزمة هرمز والحرب فى غزة وأوضاع السودان ملفات مصرية وصينية بدرجات متفاوتة، ومصر لا تنتظر من الصين أن تحل أزمات المنطقة، كما لا تريد الصين أن تحل محل الولايات المتحدة فى إدارة أمن الشرق الأوسط، والذى يجمع البلدين تفضيلهما التفاوض، والحفاظ على الدولة الوطنية، ومنع الحروب من التوسع، وهذه فى الظرف الراهن مساحة جديرة بأن تتحول إلى تنسيق منتظم.
بعد سبعين عامًا لم تعد العلاقات المصرية الصينية فى حاجة إلى مزيد من الألقاب، فقد بلغت «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» وليس فوقها لقب أطول، والذى ينقصها محتوى اقتصادى أكثر توازنًا. فإذا كانت زيارة 2016 قد ارتبطت فى الأذهان بالعاصمة والطرق والقطار والمنطقة الصناعية، فحق زيارة 2026 أن ترتبط بالمصانع والتكنولوجيا والتصدير، وبعد أن يغادر الرئيس الصينى لن يكون المهم كم اتفاقية وقعت أمام الكاميرات، وإنما كم خط إنتاج بدأ العمل، وكم زادت الصادرات المصرية، وكم مهندسًا امتلك التكنولوجيا حتى قدر على تطويرها.
لقد سجلت القاهرة حضورها السياسى العالمى من مجرد ظهورها على جدول رحلة نادرة، وبقى على مصر أن تنتزع من هذا الاختيار عائده الاقتصادى الذى يليق به.

اترك تعليقا