خطورة الذكاء الاصطناعي على البشر بين الحقيقة والمبالغات
علي محمد علي
- dr-naga
- 14 سبتمبر، 2026
- مقالات وتحليلات
- الذكاء الاصطناعي, علي محمد علي
لو استطاعت شركة ما تطوير نموذج ذكاء اصطناعي متقدم جداً بحيث أصبح قادراً مثلاً على ابتكار أدوية جديدة من تلقاء نفسه بدون مساعدة من علماء متخصصين.. هل تظن أن هذه الشركة ستقوم وقتها بنشر هذا النموذج لعموم الناس – أو حتى لشركات الأدوية بتكلفة أعلى – بحيث يستخدمه الآخرون في ابتكارات يجنون أرباحها الضخمة ولا تحصل الشركة صاحبة النموذج إلا على اشتراك شهري من هؤلاء؟!
بالتأكيد لا.. ما سيحدث هو أن الشركة لو وصلت لمثل هذا النموذج ستحتفظ به لنفسها.. وتحول نفسها لشركة حاضنة يقع تحتها شركة أدوية ناشئة تبتكر الدواء وتبيعه وتجني هي أرباحه الضخمة.. وكذلك في أي مجال أخر غير الدواء.. هذا ليس كلامي بالمناسبة هذا رؤية متخصصين في البيزنس والتقنية.
شركات الذكاء الاصطناعي لا تبني مستقبلها على فكرة الربح من اشتراكات المستخدمين.. هذا مجرد مصدر دخل جانبي يقلل قليلاً من التكلفة الضخمة لتطوير نماذجها.. وهي تحتاج لتفاعل المستخدمين مع النموذج لتطويره ولهذا تتيحه بشكل مجاني.. جميع هذه الشركات يخسر ملايين يومياً .. يحرقون المال سعياً وراء الوصول لنموذج الذكاء الذي سيعوضهم عن كل هذه الخسارة في المستقبل.. هذا إن وصلوا إليه!
من أين تحصل هذه الشركات على المال؟
من المستثمرين الذين يأملون أن تصل هذه الشركات للنموذج الخارق فيربحون أضعاف استثماراتهم.
ولهذا تقوم هذه الشركات مع كل تحديث بنشر إدعاءات ومبالغات شديدة عن قوة نموذجها الجديد.. كنوع من الإغراء للمستثمرين لجمع مزيد من المال لتمويل عملية التطوير المحمومة..
مبالغات مثل الكلام عن أننا وصلنا لمستوى الذكاء العام AGI .. وهذا لم يحدث.. ما حدث هو أنهم أعادوا رسم خط النهاية لمكان أقرب حتى يقولوا أنهم وصلوا إلى خط النهاية! .. مفهوم الـ AGI المعروف في أدبيات الذكاء الاصطناعي قبل الخمس سنوات الأخيرة أقوى كثيراً مما وصلنا إليه في النماذج الحالية.
يقولون أيضاً أن نموذجهم قام بحل مسألة رياضية لم نكن نعرف حلها .. ثم نكتشف لاحقاً أن هذا محض مبالغات.. وأن النموذج لم يحل المسألة الرياضية.. و لكنه “اقترب” من حلها “بمساعدة علماء رياضيات نابغين”!
الكلام عن أنه خلال عام واحد قد يصل الـ AI لمستوى الذكاء الذي يقضي على البشرية نسمعه منذ أربع سنوات!
ثم هل تظن أن حكومات هذه الدول ستترك هذه الشركات تقوم بهذه المخاطرة حقاً وهم يصرفون ترليونات على الأمن القومي! .. وهم يقيمون الحروب لمنع بعض الدول من الحصول على أسلحة تهدد أمنهم! .. فجأة أصبحت هذه الحكومات لا تهتم بشيء يمكن أن يدمرهم هم قبل غيرهم بسبب البيئة الرقمية التي لديهم وليست لدى غيرهم!
حقيقة الأمر هو أن التطور في قوة النماذج اللغوية نفسها بعد ChatGPT 3.5 مُحبط!
كان الظن أن بمضاعفة كمية بيانات التدريب سيتضاعف مستوى الذكاء.. لكن هذا لم يحدث .. والتطور بسيط.. وأحيانا يحدث تطور في جانب وتدهور في جانب أخر!
معظم التطور الذي تلاحظه في النماذج الأخيرة ليس تطوراً للنموذج اللغوي نفسه.. بل في طبقة التحكم Control Layer التي تتعامل مع هذا النموذج.. تخيل موتور بقوة معينة.. يمكنك تحسين الأداء بتطوير قوة الموتور نفسه أو بتطوير لوحة التحكم التي تتحكم في الموتور وتجعله أكثر كفاءة.. معظم تطورات الـ AI خلال آخر عامين في لوحة التحكم وليس في الموتور نفسه!
كثير من المتخصصين المحايدين يشككون بشدة في قدرة النماذج اللغوية على الوصول لنموذج ذكاء خارق يمكنه الابتكار وتقديم حلول ابتكارية لمشاكلنا المعقدة.. ويقولون أن مزيد من التدريب على مزيد من البيانات لن يزيد من قوتها بقدر كبير!
مستوى الـ AI الذي وصلنا إليه حتى الآن عظيم بالفعل.. وحتى لو لم يتطور بشكل أكبر فهذا المستوى قادر على تغيير الطريقة التي نعمل ونتعلم بها للأبد.. الحياة تغيرت وستتغير أكثر مع قدرتنا على استخدام هذه النماذج بشكل أفضل.
لكنها حتى الآن هي مجرد “أدوات رائعة” يستخدمها “بشر” .. ولا يوجد مؤشر حقيقي أنها قادرة على استبدال البشر بشكل كامل .. خاصة المتخصصين منهم..
صحيح أنك تستطيع أن تصنع صورة تبدو رائعة بدون مصمم.. لكن كذلك يفعل الجميع بشكل يجعل صورتك لا تبدو رائعة بل تشبه كل الصور الأخرى! .. وإن احتجت أن تصنع تصميم مميز.. ستحتاج شخص لديهم فهم وحس فني وقدرة أكبر على التعامل مع أدوات الـ AI المتخصصة .. أي أنك ما زلت تحتاج لشخص كي تحصل على عمل مميز!!
عَلَّمنا تاريخ التطور التقني للـ AI تحديداً أن بعد كل “ربيع وصيف” يأتي “خريف وشتاء”.. صبر المستثمرين على شركات الذكاء الاصطناعي لن يستمر للأبد.. وبمجرد انفجار الفقاعة ستدخل معظم هذه الشركات لفترة بيات شتوي قد تطول.. سيموت كثير منها.. ولا أحد يعلم حدود الأزمة الاقتصادية القادمة.. هل ستستمر لسنوات ثم تنتهي كغيرها .. أم أن الأمر هذه المرة قد يكون مُختلف!
( … حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) يونس – 24