خطة E1.. تحرك عربي إسلامي لوقف الاستيطان وإنقاذ حل الدولتين
في وقت بدأت فيه إسرائيل الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ
- السيد التيجاني
- 21 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات
- إسرائيل, الاستيطان الإسرائيلي, الانتخابات, الدول الفلسطينية, الضفة الغربية
تدخل قضية الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية مرحلة أكثر خطورة مع تحرك ثماني دول عربية وإسلامية، بينها مصر وباكستان وتركيا والسعودية وقطر والأردن والإمارات وإندونيسيا، في مواجهة خطة «E1» الاستيطانية شرق القدس المحتلة. ويكتسب البيان المشترك أهمية خاصة لأنه لا يتعامل مع المشروع باعتباره توسعاً عمرانياً فحسب، بل يربطه مباشرة بمستقبل الدولة الفلسطينية وبإمكانية تطبيق حل الدولتين.
وتأتي هذه الخطوة في وقت بدأت فيه إسرائيل الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ. ففي 18 أغسطس/آب فتحت السلطات الإسرائيلية مناقصة لبناء 1234 وحدة سكنية ضمن مشروع E1، على أن تغلق في 19 أكتوبر، أي قبل الانتخابات الإسرائيلية بأسبوع تقريباً. وهذه الوحدات تمثل نحو ثلث المشروع الذي أُقر لبناء 3401 وحدة. وترى منظمة «السلام الآن» أن اختيار هذا التوقيت قد يؤدي إلى خلق وقائع ميدانية يصعب على أي حكومة إسرائيلية لاحقة التراجع عنها.
وتنبع خطورة E1 من موقعها أكثر من حجمها. فالمنطقة، الواقعة بين القدس الشرقية ومستوطنة معاليه أدوميم، تتوسط الضفة الغربية، ويخشى مراقبون أن يؤدي تطويرها إلى فصل شمال الضفة عن جنوبها وعزل القدس الشرقية عن امتدادها الفلسطيني.
ويؤكد تقرير للاتحاد الأوروبي أن تنفيذ المشروع سيقطع الاتصال الإقليمي بين أجزاء الضفة، ويحول دون تطوير منطقة حضرية فلسطينية مترابطة تصل رام الله بالقدس الشرقية وبيت لحم.
وتضع الخبيرة الإسرائيلية في شؤون الاستيطان حجيت عوفران القضية في إطار أكثر اتساعاً؛ إذ قالت إن بناء E1 سيكون «مدمراً» لأي إمكانية لقيام دولة فلسطينية، لأن المشروع يقع في قلب الضفة
وفي منطقة أساسية لمستقبل الدولة الفلسطينية. وترى عوفران أن المجتمع الدولي يمتلك أدوات ضغط حقيقية، من بينها الاعتراف بالدولة الفلسطينية واستخدام النفوذ السياسي والاقتصادي لدفع إسرائيل إلى وقف المشروع.
ولا تتوقف مخاوف عوفران عند الوحدات الاستيطانية. ففي حديث آخر عام 2026، اعتبرت أن الخطط الخاصة بنقل التجمعات البدوية الفلسطينية إلى مناطق أخرى يمكن أن تتحول إلى غطاء لتبرير إخلائها من مناطقها الأصلية شرق القدس، وهو ما يربط بين الاستيطان وإعادة هندسة السكان والجغرافيا في المنطقة.
من الاستيطان إلى الضم
يرى ليور أميحاي، المدير التنفيذي لمنظمة «السلام الآن»، أن E1 تمثل أحد أكثر المشاريع حساسية في الصراع على مستقبل الضفة. ويقول إن الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تتعامل مع الاستيطان باعتباره مجرد سياسة إسكان، بل كجزء من توجه أوسع نحو ضم أراضٍ في الضفة الغربية. ويشير إلى أن مساحة E1 تبلغ نحو 12 كيلومتراً مربعاً، وأن تطويرها يترافق مع إنشاء طرق وبنى تحتية تساعد على دمج المنطقة مع القدس ومعاليه أدوميم.
ويذهب أميحاي أبعد من ذلك في تقييمه للتداعيات الأمنية، معتبراً أن توسيع المستوطنات لا يوفر بالضرورة مزيداً من الأمن لإسرائيل، بل يخلق بؤراً جديدة تحتاج إلى الحماية العسكرية وتزيد الاحتكاك مع الفلسطينيين.
ومن وجهة نظره، فإن اتفاقاً سياسياً مع دولة فلسطينية سيكون أكثر فائدة للأمن الإسرائيلي من استمرار واقع جغرافي يقوم على التوسع الاستيطاني والصراع المفتوح.
وتنسجم هذه الرؤية مع تحليل «السلام الآن» الذي يعتبر E1 واحدة من المناطق الأكثر حساسية بالنسبة لأي تسوية نهائية. فالمنظمة ترى أن المناطق التي تبدو في الخطاب الإسرائيلي جزءاً من «الكتل الاستيطانية» ليست بالضرورة هامشية في المفاوضات، بل تقع في أماكن كان يفترض أن تكون من أكثر المناطق تعقيداً عند رسم حدود الدولة الفلسطينية والإسرائيلية.
أما منظمة «عير عميم» فتقدم قراءة أكثر ارتباطاً بمفهوم الضم الفعلي. وتقول إن سلسلة الإجراءات الإسرائيلية في E1 لا تقتصر على إنشاء مستوطنة، وإنما تجمع بين البناء الاستيطاني وتقييد حركة الفلسطينيين وإعادة تنظيم الطرق وتهديد التجمعات الفلسطينية، بما يؤدي عملياً إلى دمج المنطقة في إسرائيل دون الحاجة إلى إعلان ضم رسمي.
القانون في مواجهة الأمر الواقع
على المستوى القانوني، تواجه إسرائيل طعوناً أمام المحكمة المركزية في القدس ضد المشروع، يمثل فيها المحامي الإسرائيلي مايكل سفارد منظمات حقوقية بينها «عير عميم» و«بمكوم» و«السلام الآن». ولم تصدر المحكمة قراراً نهائياً بإلغاء المشروع، لكنها رفضت طلب الدولة إسقاط الالتماسات في مرحلة مبكرة، وطلبت تقديم رد تفصيلي عليها، ما يعني استمرار المعركة القانونية.
وتكمن أهمية المسار القضائي في أنه قد يؤخر بعض خطوات التنفيذ، لكنه لا يضمن وقف المشروع. فحتى الآن لا توجد أوامر قضائية دائمة تمنع فتح المناقصات، وهو ما سمح للسلطات بالمضي في إجراءات البناء بالتزامن مع استمرار النظر في الطعون.
ويحذر خبراء القانون الدولي من أن المشكلة تتجاوز السؤال المتعلق بمشروعية مبنى أو مستوطنة بعينها، لتصل إلى تغيير الوضع الجغرافي والديموغرافي للأرض المحتلة. ولهذا يستند الموقف العربي والإسلامي إلى قرارات الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي، مطالباً بمحاسبة الجهات التي تمول أو تسهل أو تنفذ النشاط الاستيطاني.
رد الفعل الإسرائيلي.. مشروع يتجاوز الانتخابات
في إسرائيل، يحظى المشروع بدعم قوى اليمين التي ترى في توسيع الاستيطان وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الضفة جزءاً من رؤيتها السياسية. وكان وزير المالية بتسلئيل سموتريتش قد وصف الموافقة على خطط E1 في 2025 بأنها دفن لفكرة الدولة الفلسطينية، وهو موقف يعكس الفجوة بين رؤية الحكومة الإسرائيلية ومواقف الدول التي تتمسك بحل الدولتين.
لكن توقيت المناقصة الجديدة أضاف بعداً انتخابياً. فإغلاق باب التقدم بالعروض في 19 أكتوبر، قبل الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر، يجعل المسألة مرتبطة بمحاولة تثبيت خطوات يصعب التراجع عنها في حال تغيرت الحكومة. وتعتقد «السلام الآن» أن توقيع عقود مع المقاولين قبل الانتخابات قد يجعل إلغاء المشروع أكثر صعوبة أمام أي حكومة جديدة.
وهنا يرى أميحاي أن المعركة لا تتعلق فقط بحكومة نتنياهو الحالية، بل بمسار سياسي وإداري جرى ترسيخه خلال السنوات الماضية. فالتوسع الاستيطاني، وفق تحليله، أصبح أكثر بيروقراطية وتنظيماً، ما يسمح بتحويل الأفكار السياسية إلى خطط وموازنات وطرق ومناقصات، وبالتالي إلى واقع ميداني دائم.
القدس في قلب المعركة
لا يمكن فصل E1 عن مستقبل القدس الشرقية. فالمشروع يربط منطقة معاليه أدوميم بالقدس من الناحية الإسرائيلية، في وقت قد يؤدي فيه إلى قطع الاتصال الجغرافي بين القدس الشرقية وبقية مناطق الضفة الغربية.
وترى «عير عميم» أن المنطقة تمثل واحدة من آخر المساحات الاستراتيجية التي يمكن أن تؤدي فيها القدس الشرقية دور المركز الحضري والاقتصادي للدولة الفلسطينية المستقبلية. ولذلك فإن تغيير طبيعة E1 لا يعني فقط إضافة وحدات سكنية إسرائيلية، وإنما تقليص قدرة القدس الشرقية على الاضطلاع بدور عاصمة فلسطينية ضمن أي تسوية مستقبلية.
وتحذر المنظمة كذلك من أن إجراءات البنية التحتية، ومنها الطرق المخصصة لإعادة توجيه حركة الفلسطينيين، قد تعيد رسم أنماط الحركة في المنطقة بطريقة تسمح بإغلاق أجزاء واسعة من الممر الاستراتيجي أمام الفلسطينيين، بينما تعزز الاتصال بين المستوطنات والقدس.
التحدي الفلسطيني
بالنسبة للفلسطينيين، لا يتعلق الأمر فقط بخسارة أراضٍ، بل بإمكانية تحول الضفة إلى مجموعة من الجيوب المنفصلة. ويزداد القلق مع الحديث عن مستقبل تجمعات بدوية، بينها خان الأحمر، الواقعة بالقرب من منطقة E1.
وتشير «عير عميم» إلى أن السلطات الإسرائيلية تتخذ بالتوازي إجراءات تتعلق بالبنية التحتية والاستيلاء على الأراضي وتهديد بعض التجمعات، معتبرة أن الإخلاء والنقل القسري ليسا آثاراً جانبية منفصلة عن مشروع الضم، وإنما جزء من عملية إعادة تشكيل المنطقة.
وهذا ما يجعل القضية أكثر تعقيداً بالنسبة للدول الثماني؛ إذ لا يكفي وقف بناء الوحدات السكنية إذا استمرت الطرق ومشروعات البنية التحتية وإجراءات تغيير الحركة والسكان. ومن هنا جاءت دعوتها إلى وقف جميع الإجراءات التي تغير الطابع الجغرافي والديموغرافي للأراضي الفلسطينية المحتلة.
هل تنجح الضغوط العربية والإسلامية؟
تمثل وحدة الموقف بين مصر والسعودية والإمارات وقطر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا عاملاً مهماً، لأنها تجمع دولاً ذات علاقات ونفوذ متفاوت مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فضلاً عن وزنها الإقليمي والدولي.
لكن التحدي يكمن في تحويل البيان السياسي إلى أدوات ضغط. فالإدانة الدبلوماسية قد لا تكون كافية لوقف المناقصات، بينما تحتاج العقوبات الاقتصادية أو القيود على الجهات المتورطة في الاستيطان إلى توافق دولي واسع، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل الانقسام الدولي بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وهنا تعود أهمية رأي عوفران بشأن أدوات الضغط الدولية؛ فهي ترى أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية واستخدام النفوذ المتاح لدى الدول يمكن أن يبعث برسالة أقوى إلى إسرائيل بأن استمرار الاستيطان ستكون له كلفة سياسية.
واشنطن.. مفتاح التأثير
يبقى الموقف الأمريكي أحد أهم المتغيرات. فخطة ترامب للمنطقة، وفق الدول الثماني، ترفض الضم والتهجير القسري وتؤكد ضرورة إبقاء الطريق مفتوحاً أمام التسوية. لكن التحدي الحقيقي يتمثل في قدرة الإدارة الأمريكية على تحويل هذه المبادئ إلى ضغط مباشر على الحكومة الإسرائيلية.
ويرى أميحاي أن استمرار الضم في الضفة يمكن أن يعرقل حتى الأهداف الأمريكية في غزة والمنطقة، لأن ملفي غزة والضفة مرتبطان سياسياً في نظر العديد من الدول العربية. وقد حذر في مقال مشترك من أن استمرار الضم قد يقوض المساعي الأمريكية الأوسع للسلام والاستقرار.
سيناريوهات
السيناريو الأول هو استمرار التنفيذ الجزئي للمشروع، وهو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب، خصوصاً بعد فتح مناقصة 1234 وحدة. وفي هذه الحالة ستتراكم الوقائع على الأرض حتى إذا بقيت القضية أمام المحاكم.
السيناريو الثاني يتمثل في تصعيد الضغط الدولي، بحيث تتحول القضية إلى ملف دائم في مجلس الأمن والجمعية العامة، بالتوازي مع عقوبات أو قيود على جهات وأفراد مرتبطين بالاستيطان.
أما السيناريو الثالث فهو تدخل أمريكي مباشر ينجح في وقف أو تجميد المشروع. وسيكون هذا السيناريو الأكثر تأثيراً، لكنه يتطلب قراراً سياسياً واضحاً من واشنطن واستعداداً لاستخدام أدوات الضغط على إسرائيل.
تكشف أزمة E1 أن المعركة على الضفة الغربية لم تعد تدور فقط حول عدد المستوطنات أو الوحدات السكنية، وإنما حول شكل الخريطة التي ستولد منها أي دولة فلسطينية مستقبلاً. فالخبراء الإسرائيليون المعارضون للاستيطان، مثل حجيت عوفران وليور أميحاي، يحذرون من أن المشروع قد يقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة، بينما ترى «عير عميم» أن ما يجري يمثل مساراً أوسع نحو الضم الفعلي.
وفي المقابل، تتحرك الدول الثماني لرفع مستوى الضغط، لكن نجاحها سيتوقف على ما إذا كان البيان المشترك سيتحول إلى تحرك سياسي وقانوني واقتصادي منسق.
وبينما تستمر المناقصات والطعون القضائية، تبدو المعركة أمام لحظة حاسمة: إما أن يتوقف مشروع E1 قبل أن يتحول إلى واقع عمراني دائم، أو تصبح مهمة إعادة رسم خريطة الضفة على أساس حل الدولتين أكثر صعوبة من أي وقت مضى.