خطاب ميليباند بمجلس العموم.. تحول في العلاقة مع الكيان أم رسالة لنتنياهو

جدد تمسكه بحل الدولتين ورفض الاستيطان

الرائد : يمكن النظر إلى خطاب وزير الخارجية إيد ميليباند أمام مجلس العموم باعتباره نقطة تحول مهمة في العلاقة البريطانية مع حكومة بنيامين نتنياهو، وإن كان من المبكر وصفه بأنه قطيعة تاريخية مع إسرائيل.

فالأهمية لا تكمن فقط في خشونة اللغة، وإنما في انتقال لندن من الاكتفاء بانتقاد الاستيطان إلى ربط الموقف السياسي بإجراءات اقتصادية ودبلوماسية، وفي مقدمتها حظر التجارة مع المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة.

اللافت في خطاب ميليباند أنه لم يكتفِ بالعبارات التقليدية التي اعتادت الحكومات البريطانية استخدامها، مثل “القلق” من الاستيطان أو الدعوة إلى ضبط النفس.

فقد وضع الاستيطان في إطار أوسع يتعلق بمستقبل الدولة الفلسطينية، واتهم ممارسات المستوطنين المتطرفين بأنها تدخل في سياق التطهير العرقي والتهجير، مؤكداً أن الاحتلال والاستيطان يهددان بإغلاق الطريق أمام حل الدولتين.

بريطانيا تغيّر لهجتها

وهنا تكمن أهمية التحول؛ فبريطانيا، صاحبة التاريخ الطويل والعلاقات الأمنية والسياسية العميقة مع إسرائيل، لم تعد تتعامل مع الاستيطان باعتباره ملفاً منفصلاً عن عملية السلام، بل باعتباره عاملاً قد يجعل عملية السلام نفسها مستحيلة.

وقد شكل المشروع الاستيطاني E1 الخط الأحمر البريطاني. فالمشروع الاستيطاني في هذه المنطقة شديدة الحساسية يمكن أن يفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها ويعقد قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً. ولذلك وصف ميليباند المشروع بأنه تهديد مباشر لإمكانية إقامة الدولة الفلسطينية. وكانت الحكومة البريطانية قد أدانت في أغسطس طرح العطاءات الخاصة بالمشروع واستدعت القائم بالأعمال الإسرائيلي لديها.

.ومن المهم الإشارة هنا الي ان اللهجة الخشنة التي استخدمها مليناند تجاه حكومةنتنياهو لها 3أسباب أولها أن حكومة نتنياهو، وفق الرؤية البريطانية الجديدة، لم تعد تتحرك فقط في إطار إدارة الصراع، وإنما باتت تتخذ خطوات يمكن أن تغير الجغرافيا السياسية للضفة بصورة يصعب عكسها.

وثاني هذه الأسباب  أن بريطانيا تريد أن تقول إن دعمها لإسرائيل لا يعني دعم كل سياسات حكومتها. ولهذا يكرر ميليباند التمييز بين إسرائيل كدولة والشعب الإسرائيلي من جهة، وحكومة نتنياهو وسياساتها من جهة أخرى. وهو أسلوب يسمح للندن بتشديد الضغط دون إعلان مواجهة شاملة مع إسرائيل.

أما السبب الثالث فهو أن بريطانيا تريد استعادة دور سياسي فقدته خلال السنوات الماضية. فبعد اعترافها بالدولة الفلسطينية العام الماضي، ثم انتقالها إلى إجراءات أكثر صرامة تجاه المستوطنات، يبدو أن لندن تحاول بناء سياسة شرق أوسطية أكثر استقلالاً عن واشنطن وأكثر اقتراباً من الموقف الأوروبي.

سر التمسك بحل الدولتين

وكان لافتا بشدة  في هذا السياق تمسك ميليباند بحل الدولتين فالأمر تجاوزكونه  شعارا دبلوماسيا. بالنسبة إلى لندن، يمثل هذا الحل آخر صيغة يمكن أن تحقق معادلة مزدوجة: دولة إسرائيلية آمنة ودولة فلسطينية قابلة للحياة.

ولهذا تنظر بريطانيا إلى الاستيطان، وخاصة E1، باعتباره ليس مجرد بناء منازل جديدة، وإنما تغييراً في الحقائق على الأرض قد يجعل الدولة الفلسطينية مجرد جزر منفصلة. وقد أكدت مواقف أوروبية رسمية أن توسيع المستوطنات في منطقة E1 يقوض حل الدولتين ويخالف القانون الدولي.

ومن المهم كذلك القول أن التوقيت ليس عشوائياً. فالتصعيد البريطاني يأتي في لحظة تتزايد فيها الضغوط الدولية على حكومة نتنياهو، بينما تتجه إسرائيل أيضاً إلى انتخابات مقررة في أكتوبر.

لكن القول إن لندن اختارت هذه السياسة بهدف التدخل المباشر في الانتخابات الإسرائيلية يحتاج إلى حذر، فالأرجح أن بريطانيا تدرك أن أي ضغط قوي على نتنياهو سيصبح جزءاً من المعركة السياسية الداخلية الإسرائيلية، خصوصاً أن اليمين يستطيع تقديم الإجراءات البريطانية باعتبارها تدخلاً خارجياً في القرار الإسرائيلي.

وهذا بالضبط ما بدأ يظهر بالفعل؛ فقد اتهم الرئيس الإسرائيلي هيرتزوج  وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر  بريطانيا بالتدخل في العملية الانتخابية، وردت إسرائيل بإجراءات دبلوماسية شديدة، وصلت إلى إعلان إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية واتخاذ إجراءات ضد مسؤولين بريطانيين.

من بريطانيا إلى جبهة غربية 

الأكثر أهمية أن خطاب ميليباند لم يأتِ منفرداً. فقد أعلنت بريطانيا وفرنسا وكندا إجراءات ضد تجارة المستوطنات، بالتزامن مع إعلان مجموعة من الدول الأوروبية وكندا موقفاً مشتركاً أكثر تشدداً تجاه الاستيطان. وهذا يمنح لندن فرصة للتحول من دولة تنتقد إسرائيل منفردة إلى قائد لتحرك غربي أوسع.

وهنا تصبح الرسالة أكثر قوة: إذا كانت إسرائيل تستطيع تجاهل احتجاج دولة أوروبية واحدة، فإن تجاهل بريطانيا وفرنسا وكندا ومجموعة من الدول الأوروبية يصبح أكثر كلفة سياسياً.

ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في حجم الضغط الاقتصادي؛ فالتجارة المرتبطة بالمستوطنات محدودة نسبياً، وبالتالي فإن القيمة الأساسية للإجراءات سياسية ورمزية وقانونية أكثر منها اقتصادية.

هل نحن أمام تحول تاريخي؟

وبحسب مراقبين فخطاب مليباند واللهجنة الحادة تشير إلي أننا أمام تحول مهم في السياسة البريطانية وليس قطيعة تاريخية كاملة مع إسرائيل. فبريطانيا لا تزال تريد الحفاظ على العلاقات مع إسرائيل، لكنها باتت أكثر استعداداً لاستخدام أدوات الضغط عندما ترى أن سياسات الحكومة الإسرائيلية تهدد حل الدولتين.

والاختبار الحقيقي لن يكون في حدة خطاب ميليباند، وإنما في الخطوة التالية: هل ستوسع لندن العقوبات لتشمل شركات تمول أو تبني المستوطنات؟ وهل ستنجح في تحويل الموقف الأوروبي إلى سياسة مشتركة؟ وهل تستطيع منع تحول الضفة الغربية إلى واقع جغرافي يجعل الدولة الفلسطينية مستحيلة؟

إذا حدث ذلك، فسيمكن القول إن خطاب ميليباند لم يكن مجرد خطاب غاضب، بل كان إعلاناً عن بداية مرحلة جديدة في العلاقة البريطانية مع إسرائيل؛ مرحلة تقول فيها لندن إن الصداقة مع إسرائيل لا تعني التساهل مع سياسات حكومة نتنياهو، وإن الحفاظ على حل الدولتين قد يتطلب للمرة الأولى دفع ثمن سياسي واقتصادي لإسرائيل نفسها.

اترك تعليقا