حوار: تركيا في الحسابات الأمريكية بين التذبذب الاستراتيجي وملف المقاتلات
أحمد مولانا يحاور د. سعيد الحاج المتخصص في الشؤون التركية
- dr-naga
- 11 سبتمبر، 2026
- حوارات
- أحمد مولانا, التحول الاستراتيجي, الحرب, العلاقات, العلاقات الإسرائيلية التركية, اوكرانيا, تقرير الكونجرس, حلف الناتو, د. سعيد الحاج, روسيا, سوريا, شرق المتوسط
تقرير الكونجرس وطبيعة التذبذب في العلاقات
أحمد مولانا:
أصدر مركز أبحاث الكونجرس دراسته المحدثة عن العلاقات الأمريكية التركية، وتطرق فيها لأوجه الاختلاف والاتفاق في هذه العلاقة لأبعادها العسكرية والتجارية والجيوسياسية، ولطبيعة نظرة كل طرف للعديد من الملفات المهمة مثل الحرب في أوكرانيا، والتغيرات والمستجدات في سوريا، والوضع في شرق المتوسط، وملف غزة والتوترات في العلاقات الإسرائيلية التركية. هذه الملفات سنناقشها مع الدكتور سعيد الحاج، الباحث المتخصص في الشؤون التركية. مرحباً بحضرتك دكتور سعيد.
د. سعيد الحاج:
أهلاً وسهلاً أستاذ أحمد.
أحمد مولانا:
ومعكم أحمد مولانا باحث في الدراسات الأمنية. مركز أبحاث الكونجرس يصدر بشكل سنوي تقارير عن العلاقات الأمريكية مع العديد من الدول حول العالم ويحدثها دورياً وفق آخر المستجدات، ومن ضمن التقارير الدورية التي يحافظ عليها هذا المركز التقارير الخاصة بالعلاقات التركية الأمريكية. ومنذ أيام صدر التقرير الأخير، وكان يتضمن العديد من النقاط المهمة، يشير في البداية إلى أن العلاقات التركية الأمريكية تتسم دائماً بالتذبذب، ففي مراحل تكون في حالة وفاق وتقارب، وفي مراحل أخرى تكون في حالة خلاف. ويقول إنه في آخر سنوات كان هناك ملفان أساسيان أحدثا توتراً في هذه العلاقة: الأول هو ملف الدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية، والثاني هو ملف شراء تركيا لمنظومة إس 400، والذي انبنى عليه استبعاد تركيا من برنامج تصنيع طائرات إف 35. والملف الأول مع الإعلان عن حل قوات سوريا الديمقراطية بدأ يظهر فيه انفراجة، والملف الثاني أشار فيه ترامب في زيارته الأخيرة لأنقرة أثناء قمة حلف الناتو إلى أنه قد تكون هناك خطوات في هذا الملف. كيف تقرأ توصيفه لطبيعة العلاقة بين الجانبين؟
جذور التوتر وخيبة الأمل التركية من حلف الناتو
د. سعيد الحاج:
شكراً لاستضافتي مرة أخرى. لا شك أن العلاقات التركية الأمريكية لافتة وتستحق الدراسة دائماً، وأعتقد أنها منذ انتهاء الحرب الباردة لم تستقر على حال. تحديداً أن انتهاء الحرب الباردة أتى في فترة أزمات في تركيا، ثم تأسس حزب العدالة والتنمية ووصل للحكم وبدأت مسيرة طويلة مستمرة برئاسة أردوغان. أعتقد أن التوصيف الأدق للعلاقات حتى اللحظة هو هذا التذبذب فعلاً، لأنه في علاقات راسخة مؤسسية، وفي نهاية المطاف هناك نوع من الشراكة الاستراتيجية منذ تسعينات القرن الماضي، وهما عضوان في حلف الناتو. الولايات المتحدة الأمريكية هي الجيش الأول، وتوصف دائماً تركيا بأنها صاحبة الجيش الثاني في الناتو، وبالتالي هناك مساحات من التعاون كبيرة جداً، ومصالح استراتيجية مشتركة في المنطقة أو في العالم. ولكن في المقابل أيضاً ثمّة معضلة حكمت العلاقات التركية الأمريكية حتى قريباً جداً، ونعتقد ما زالت بعض فصولها موجودة، وهي أن تركيا تحديداً في السنوات القليلة الأخيرة بدأت تنحو نحو نوع من الاستقلالية النسبية في السياسة الخارجية. نعم، أنا عضو في حلف الناتو، لكنني لا ألتزم تماماً بكل توجهات وأولويات وسياسات الناتو، لدي بعض الحسابات المتعلقة بالداخل التركي، ومتعلقة بالإقليم، ومتعلقة بدول الجوار وغير ذلك. بينما الولايات المتحدة الأمريكية، وتحديداً في ظل إدارات ديمقراطية، كانت دائماً ما تريد أن تستمر العلاقة مع تركيا كما كانت أيام الحرب الباردة: أنت مجرد ترس في آلة الناتو الكبيرة، أي قاعدة متقدمة في مواجهة الخطر الشيوعي السابق أو الخطر الروسي حالياً، وبالتالي لا تملكين رفاهية أن يكون لديك استقلالية في هذا المجال. الملفات الخلافية التي ذكرها التقرير يمكن أن يضاف عليها أيضاً ملفات أخرى، لكن في نهاية المطاف هو الأساس. مثلاً تركيا بالنسبة لها ملف قوات سوريا الديمقراطية كان أساسياً، ودعم حركة غولن التي اتُهمت بأنها كانت وراء المحاولة الانقلابية في 2016 هو ملف أساسي. ولكن بالنظر للولايات المتحدة الأمريكية سنجد منظومة إس 400 الدفاعية الروسية وشرائها، وسنجد العلاقات مع إسرائيل، والعلاقات مع اليونان. لكن الأساس قد يكون هو التوجه لعلاقات أكثر عمقاً مع روسيا، وهذا هو السبب الأساسي. تنكر الولايات المتحدة الأمريكية لبعض الحقوق التركية، أقصد أن أقول إن تركيا ذهبت لتقترب أكثر من روسيا على هامش التوتر مع الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، ومع الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، وهذا يعني نقاشاً طويلاً حول مسار تركيا الأوروبي وانضمامها والتفاوض الذي جُمّد، والعقوبات الأوروبية والعقوبات الأمريكية، وخصوصاً أن ذلك تزامن مع أزمة إسقاط السوخوي في 2015 في سوريا. هذه كانت أزمة كبيرة، ووجدت تركيا أن الناتو لم يقف إلى جانبها، أولاً خذلها، ثانياً، وبالتالي هي تُركت على مشارف حرب مع دولة عظمى مثل روسيا.
أحمد مولانا:
ما الذي حدث آنذاك فيعتبر خذلاناً من الحلف لتركيا؟
د. سعيد الحاج:
أولاً، تركيا أسقطت طائرة سوخوي دخلت أو اقتربت من الأجواء التركية، فكان رد الفعل الروسي صعباً جداً وقاسياً، وكانت هناك تقارير تتحدث عن إمكانية أن يحصل احتكاك عسكري في هذا الإطار. تركيا طبعاً هي عضو في حلف الناتو، فكانت تفترض بأن هناك إمكانية لدعم الناتو، على الأقل تفعيل المادة رقم خمسة من النظام الداخلي. خرج في ذلك الوقت ينس ستولتنبرغ الأمين العام للحلف وقال إن هذا لا ينطبق على المادة الخامسة التي تنص على أنه إذا تعرضت دولة من الدول لعدوان من دولة أخرى فهذا أمر آخر. ثانياً، وهو الأهم، كان على الأراضي التركية في ذلك الوقت بسبب الظروف في الثورة السورية والأحداث في سوريا، كان هناك عدة منظومات باتريوت دفاعية على الأراضي التركية. الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وبعض الدول الأوروبية سحبت هذه المنظومات من الأراضي التركية على غير رغبة أنقرة. حتى إسبانيا أجلت أو أخرت قليلاً، لكن أيضاً في أواخر 2015 سحبت منظومات الباتريوت من الأراضي التركية. بمعنى أن تركيا التي كانت في احتمال مواجهة عسكرية مع دولة مثل روسيا، وهي تفتقد للمنظومات الدفاعية في مواجهة المقاتلات والطائرات الروسية، وجدت أن الناتو ليس فقط لم يدعمها، لم يتدخل للضغط السياسي أو العسكري أو التلويح حتى به، وإنما سحب من يديها أو من على أراضيها ما يمكن أن تدافع به عن نفسها في مواجهة روسيا، وذلك تعتبره كان خذلاناً. فإذا ما أضفنا إلى ذلك الدور الأمريكي المفترض أو المشار له فيما يتعلق بالمحاولة الانقلابية الفاشلة، ودعم قوات سوريا الديمقراطية والتي هي ترتبط بحزب العمال الكردستاني، وبالتالي هي أمن قومي تركي، وقس على ذلك عدداً من الملفات، والاقتراب أكثر من اليونان في الخلاف بين تركيا واليونان، فوجدت تركيا، وطبعاً العقوبات الأوروبية وتجميد مسار الانضمام للاتحاد الأوروبي ومنع تصدير السلاح لتركيا وكثير من العقوبات الأوروبية والأمريكية، وجدت تركيا نفسها أنها بدل أن تدخل في مواجهة مع روسيا دون ظهير أو مساعد لها، أن تذهب لتطوير العلاقات مع روسيا، وذهبت إلى مساحات استراتيجية في المجال الاقتصادي والتجاري، مساحة طويلة جداً في موضوع الطاقة، مشاريع الغاز الطبيعي، وكانت روسيا وما تزال هي المصدر الأول لتركيا في هذا الإطار، ومشاريع كبرى مثل مشاريع الطاقة النووية أكويو وغيره. وبالتالي وجدت الولايات المتحدة الأمريكية أن تركيا ذهبت إلى الحضن الروسي، فأتت بعض العقوبات على هامش الإس 400 وغيرها كما تفضلت حضرتك قبل قليل. ملف قوات سوريا الديمقراطية إلى حد كبير انتهى، وارتباطاً به أيضاً ملف حزب العمال الكردستاني في الداخل التركي إلى حد كبير أيضاً طُوي به، تركيا خطوات متقدمة وأعلن الحزب عن حله وانتهاج العمل السياسي، وأصبح هناك بعض التشريعات في البرلمان، وكانت تركيا حلت عقدة الإرهاب التي شغلتها على مدى عقود طويلة. الإس 400 هناك نقاش أمريكي تركي الآن أيضاً في كيفية البحث عن حل له، لأن الإس 400 التي اشترتها تركيا من روسيا هي السبب في إخراج تركيا من مشروع الإف 35 كما تفضلت قبل قليل، وعقوبات أخرى كثيرة على الصناعات الدفاعية التركية، على أشخاص معينين، حتى على الإف 16 وغيرها من الأسلحة الأمريكية. فإذا ما نُزع هذا الفتيل مرة أخرى، أعتقد أن هذا جزء مما أدخل العلاقات التركية الأمريكية، هي الآن في حالة من الدفء، لكن هناك ما هو أهم. هذه ملفات ثانوية أو إن جاز التعبير هي ذرائع للعقوبات والضغط كان على تركيا، لكن بالأساس أعتقد أن ما حصل في الحرب الروسية الأوكرانية أولاً، ثم التغير الذي حصل في المنطقة، وتحديداً سقوط النظام السوري وتغير النظام في سوريا، أعطى لتركيا دوراً أو أدواراً أكثر حضوراً في المنطقة. بمعنى أن الولايات المتحدة الأمريكية تنظر بشكل مختلف، كانت ما زالت على مشروع دعمها لقوات سوريا الديمقراطية في سوريا، لكن التغير كان أكبر بكثير مما يمكن أن يواجه، لأن الذريعة الأساسية الأمريكية أن قوات سوريا الديمقراطية تواجه داعش، لم يعد هناك داعش، لم تعد هناك دولة مقسمة، العقوبات التي كانت فُرضت على النظام السوري السابق أيضاً لم يعد لها مجال، وبالتالي دخلت الولايات المتحدة الأمريكية بفكرة دعم الجهود التركية في الحالة السورية الجديدة. الحرب على إيران أيضاً ربما قد تكون أزالت من أهمية تركيا في المنطقة، والحرب التي بعدها في غزة أيضاً تركيا جزء مهم من عملية الوساطة والتفاوض. فإذا ما نظرنا لعدد من الملفات، فضلاً عن حرب ناغورنو كاراباخ بين أذربيجان وأرمينيا، سنجد أن تركيا حققت حضوراً ونفوذاً حاضراً في المنطقة في كثير من الملفات. فمن النظرة الأمريكية، الاعتماد أكثر على تركيا والتعاون معها أفضل بكثير من المواجهة والعقوبات وخسران هذا الدور. ثم لا نغفل أنه دائماً مع الإدارات الجمهورية في الولايات المتحدة الأمريكية، فكرة الاهتمام بالشأن الداخلي التركي والحريات والديمقراطية والمعارضة ليست حاضرة كما في الإدارات الديمقراطية مثل بايدن وأوباما، فما بالك ونحن أمام رئيس مثل ترامب هو أساساً في الولايات المتحدة الأمريكية لا يهتم بهذه الأمور ويعتبرها أموراً شكلية جداً، فأصبحت الأمور الإيجابية أكثر ترجح كثيراً على الاحتكاكات السلبية والملفات التي كان هناك خلافات بين أنقرة وواشنطن عليها.
التحول الاستراتيجي التركي وتعزيز الحضور الإقليمي
أحمد مولانا:
لو طرحنا سؤالاً حول النظرة الأمريكية لتركيا من منظور استراتيجي، ماذا تمثل تركيا في الرؤية الأمريكية؟ هم يشيرون مثلاً في التقرير عن أهمية تركيا لموقعها بالقرب من البحر الأسود، شرق البحر المتوسط، جنوب القوقاز، البلقان، أهميتها لتمركز القوات الأمريكية، أن هناك قوات أمريكية في قاعدة إنجرليك، ومنظومة إنذار مبكر ودفاع صاروخي في شرق تركيا، هذه تساهم في حماية الأراضي الأوروبية، وفي قيادة قوات برية موجودة في إزمير تابعة لحلف الناتو. هذه هي المعايير أو النقاط التي أشاروا إليها، هل حضرتك ترى أن هناك أهمية أخرى؟ كيف يقرأ صانع القرار الأمريكي تركيا وأهميتها بالنسبة له؟
د. سعيد الحاج:
أعتقد أن تركيا تغيرت أهميتها وتبدلت الأدوار التي لعبتها من وجهة النظر الأمريكية عبر العقود. في الحرب الباردة كان معروف أن تركيا قاعدة متقدمة في مواجهة الاتحاد السوفيتي، وأيضاً بلداً على أرضها قواعد عسكرية للناتو تهتم أيضاً بالمنطقة في عمومها. بعد نهاية الحرب الباردة، وتحديداً بعد العدالة والتنمية والنجاحات التي حققها، مثلاً إدارة أوباما كانت تتحدث عن النموذج التركي، كانت ترى بأن هناك نموذجاً يمكن تعميمه في المنطقة: إسلاميون يؤمنون بالديمقراطية ويهتمون بالإصلاحات الداخلية بعيداً عن الأيديولوجيا وغير ذلك. لكن بالمنظور الجيوستراتيجي والأمني العام، تركيا تلعب أدواراً كبيرة، الجزء الأساسي منها مرتبط طبعاً بموقعها الجيوسياسي المتميز، الممرات البحرية، والالتقاء بين الشرق والغرب، والاطلاع على عدد من القارات، المساحة الجغرافية الواسعة، قوة الدولة اقتصادياً وعسكرياً، كل ذلك يعطيها أدواراً دائماً كانت تلعبها في المنطقة. بمعنى أنه تحديداً مؤخراً، عندما جنحت الولايات المتحدة الأمريكية لتخفيف حضورها، ولا أقول الانسحاب، لكن تخفيف حضورها في المنطقة، أي تسليم أو تكليف بعض الملفات لشركائها وحلفائها في المنطقة، تبرز تركيا كدولة أساسية من ضمن الدول التي يعتمد عليها في هذا الإطار. وكما ذكرت قبل قليل، تركيا فرضت نفسها أو فرضت دورها بنفسها، إن كان ما يتعلق مثلاً بليبيا وما فعلته هناك، ناغورنو كاراباخ، في العراق، في سوريا، في المنطقة عموماً، ثم تطور صناعاتها الدفاعية. لكن أعتقد أن المنعطف قد يكون كان هو الحرب الروسية الأوكرانية. صحيح أن الناتو كحلف والولايات المتحدة الأمريكية أيضاً لم يكونا راضيين تماماً عن المسار التركي أو الموقف التركي، لأنها مع الناتو عموماً مع أوكرانيا ضد احتلال أراضيها والحرب التي شنتها روسيا عليها، لكنها لم تلتزم تماماً بالموقف السياسي للناتو ولا حتى العقوبات، بمعنى الإجراءات الإدارية ضد روسيا مثلاً وغير ذلك. حافظت لنفسها على مساحة من القبول من أوكرانيا ومن روسيا، وبالتالي لعبت دور الوسيط، وحققت بعض الاتفاقات متعلقة بتصدير الحبوب، تبادل أسرى، وغير ذلك. لكن بالأساس هي كانت وما زالت ممسكة بالمضائق، مضيق البوسفور والدردنيل، بمفتاح البحر الأسود، وبالتالي هي لعبت دوراً أيضاً مهماً في هذا الإطار. مع التغيرات الأخيرة في المنطقة، وازدياد الرغبة الأمريكية بالخروج من المنطقة وتخفيف وجودها، وهذا سبق حتى الحرب، أعتقد أن مسألة التقارب بين تركيا والإمارات ومصر والسعودية وغيرها من دول المنطقة، كما هو مدفوع بأسباب داخلية وإقليمية متعلقة بهذه الأنظمة وهذه الدول، هو أيضاً كان مدعوماً برغبة أمريكية بهذا الاتجاه، بأنه أخفف وجودي وحضوري وانخراطي في قضايا المنطقة لصالح أن تأتي الدول الحليفة لي لهذه المنظومة، مضافاً لها للأسف دولة الاحتلال، بأن تتعاون فيما بينها وتنسق بحيثية تتولى إدارة هذه الملفات. هنا برزت تركيا كدولة مستقرة وقوية، وصناعاتها الدفاعية تقدمت، حققت حضوراً عسكرياً وجيواستراتيجياً في عدد من قضايا المنطقة، ثم لعبت أدواراً مهمة على سبيل المثال الوساطات، ثم أيضاً الثقة الأمريكية بها بأنها قادرة على الحديث مع الأطراف المختلفة. في روسيا وأوكرانيا أعتقد أنه كان مثالاً جيداً جداً في هذا الإطار، دولتين متحاربتين لكن هناك منسوب من الثقة يعطيها مساحة لأن تلعب هذا الدور، دور الوساطة. ثم في قضايا المنطقة هي أيضاً قادرة على الحديث مع إيران، وقادرة على الحديث مع الولايات المتحدة بنفس الوقت، قادرة على الحديث مع إيران ومع دول الخليج العربي بنفس الوقت، لعبت دوراً ما في الوساطة، والآن هي دولة ضامنة في الاتفاق الذي لم يهدأ ولم يستقر ولم يطبق حتى الآن كاملاً في غزة مثلاً. لديها علاقات مع سوريا، علاقات مع لبنان، علاقات مع العراق، مع إيران، في ليبيا، طبعاً وجودها العسكري أيضاً في القرن الأفريقي. نتحدث عن دولة لديها كل هذه القدرات والإمكانات والأدوار. تنظر الولايات المتحدة الأمريكية أنه يمكن أن نستفيد من هذه المساحة المشتركة أو المصالح المشتركة هنا. لكن أعتقد أن هناك ما هو غير معلن في النظرة الأمريكية لتركيا، وهو أنه غير مسموح وغير مرغوب أمريكياً بأن تشب تركيا عن مستوى معين في القوة. هذا في الاستراتيجية الأمريكية موجود في أوراسيا وما يتبعها حتى الشرق الأوسط، غير مسموح لدولة ما أن تصبح دولة إقليمية رائدة أو دولة عظمى، ينبغي عليها دائماً أن تكون دولة قوية مستقرة قادرة على أن تلعب الأدوار التي تريدها منها الولايات المتحدة الأمريكية، لكن غير قادرة على معارضة الولايات المتحدة الأمريكية. وهنا البعض قد يضلله قليلاً تصريحات ترامب الذي يتغزل دائماً بالرئيس أردوغان، وأعتقد أن ذلك بعيداً عن فكرة نظرية المؤامرة هو دافع شخصي، أن ترامب معجب دائماً بالشخصيات والسياسيين الأقوياء تحديداً الذين يحكمون طويلاً، لذلك أردوغان واحد منهم، وبوتين واحد منهم وهو خصم الولايات المتحدة الأمريكية، نتنياهو واحد منهم، مودي في الهند واحد منهم، وكأنه يعبر عن رغبة داخلية بأنه يريد أن يحكم طويلاً وأن يكون قوياً في الحكم فيعبر عن هذا الأمر. لكن ذلك لم يمنع الولايات المتحدة الأمريكية في عهد ترامب في الرئاسة الأولى أن يوقع عقوبات اقتصادية وعقوبات حتى على الصناعات الدفاعية التركية في قانون كايسا وغيرها المرتبط أيضاً بمنظومة إس 400 الروسية.
معضلة طائرات إف 35 وإف 16 والضغوط الإقليمية
أحمد مولانا:
هذا يقودنا للملف، ملف إف 35 كان حاضراً في تقرير مركز أبحاث الكونجرس بشكل كثيف، وكان يرتبط بطبيعة العلاقات أيضاً الأمريكية الإسرائيلية والأمريكية اليونانية. التقرير أشار أن تركيا كانت تريد شراء 40 طائرة إف 35، وكانت جزءاً من التكتل للصناعات، فكان يفترض أن الشركات التركية تساهم في صناعة 900 قطعة تدخل في عملية تصنيع الطائرة بعائدات تقدر بـ 9 مليار دولار، فضلاً عن أن 6 طائرات تم تصنيعها وتركيا دفعت ثمنها 1.4 مليار دولار، والولايات المتحدة لم تسلمها الطائرات ولم تعد لها الفلوس. فيشيرون في التقرير أن في المقابل، إعطاء هذه الطائرات إلى تركيا يخل بالتفوق النوعي الإسرائيلي للولايات المتحدة وفق القانون الموقع في 2010 الذي يضمن التفوق النوعي لإسرائيل. إسرائيل لديها 50 طائرة إف 35 و25 طائرة على سلم التسليم، اليونان في اتفاق معها بيعها 20 طائرة مفترض تبدأ أولى هذه الطائرات في التسليم 2028، وهناك 20 طائرة أخرى أيضاً احتمال في عملية بيع إضافي. فيفترض أن اليونان وإسرائيل تكون لديهم هذه الطائرات، أما تركيا فهناك قلق أمريكي أو توجس أمريكي في الإقدام على هذه الخطوة، بالأخص أن هناك ضغوطاً إسرائيلية، ضغوطاً يونانية، اللوبي اليوناني أيضاً قوي في الولايات المتحدة، فضلاً عن تصريحات واضحة لنتنياهو برفض هذا الأمر، بل حتى رفض بيع محركات جنرال إلكتريك إف 110 المطلوبة في تصنيع طائرات كاان أو تشغيل طائرات كاان التي تراهن عليها تركيا كطائرة الجيل الخامس لتحسن من وضع القوات الجوية فيها، هي تحتاج هذه المحركات الأمريكية. وفق العقوبات، هذا يعني في عملية ضغوط وفي تعنت أمريكي حتى الآن. هل ترى حضرتك أن الولايات المتحدة قد تقدم على هذه الخطوة رغم الضغوط الإسرائيلية واليونانية ورفض أطراف كثيرة في الكونجرس، أم ستظل هذه الورقة ورقة ابتزاز وورقة تفاوض ومساومة؟
د. سعيد الحاج:
أميز الحقيقة بين الإف 16 والإف 35 كمشروعين. في الإف 16 الموضوع أبسط من ذلك بكثير، ليست هي النسخة الأكثر تحديثاً، ليست هي الأقوى، وبالتالي الحساسية المرتبطة بها أقل بكثير. الشاهد أنه حتى في عهد بايدن في نهايات عهد بايدن كان هناك اتفاق أولي تركي أمريكي على تسليم تركيا، كانت تركيا تقدمت بطلب لشراء إف 16 وصيانة أو تطوير أيضاً الطائرات التي لديها، وحصل اتفاق أو لم يطبق حتى اللحظة، لكن أقول إنه 20 مليار دولار تقريباً. الشاهد أن هذا الأمر يمكن أن يطبق، أتوقع أنه بتطور العلاقات التركية الأمريكية ورغبة الولايات المتحدة الأمريكية بتعاون تركي أكثر قد تذهب لفكرة إمضاء هذه الصفقة المتعلقة بالإف 16. الإف 35 أعتقد له بعد قانوني متعلق بالولايات المتحدة الأمريكية، وله بعد سياسي وجيوسياسي متعلق بالكيان الصهيوني، ولذلك أستبعد جداً، أكاد أقول إنه من المستحيل أن توافق الولايات المتحدة الأمريكية على أن تعطي تركيا إف 35. دعنا نعود بالأمر خطوات إلى الوراء، كما تفضلت حضرتك، تركيا لم تكن زبوناً دولة تريد أن تشتري الطائرة إف 35، هي كانت جزءاً من المشروع، هي كانت مجموعة دول تسعة إن لم تخني الذاكرة تشارك بزوايا معينة في التصنيع ولديها رأس مال دفعته، وستحصل في نهاية المطاف على عدد من الطائرات. تركيا كانت جزءاً أساسياً، وكان قد دفع العربون، وكانت قد حصلت حتى على جزء من الطائرات، أعتقد الست طائرات اللي حضرتك ذكرتها هي جاهزة لكنها لم تسلم رغم أنه أيضاً دفع ثمنها. الآن الأمر الأول متعلق بالإس 400، وهي ذريعة وسبب معاً للأمانة حتى نكون موضوعيين. هناك نظرة في المؤسسات الأمريكية تحديداً في البنتاغون بأنه دولة من في الناتو مثل تركيا إذا فعلت على أراضيها وشغلت منظومة دفاعية روسية مثل الإس 400 متقدمة جداً، هي ستكون قادرة على كشف بعض الأسرار المتعلقة بالإف 35، وبالتالي تضعف قدرات هذا السلاح لدى الولايات المتحدة الأمريكية ولحلفائها، هذا خطر. بالتالي كان هناك محاولات لإثناء تركيا عن ذلك، وتركيا طبعاً كانت حجتها واضحة: طلبت منكم ولم تبيعوني، إن كان من الولايات المتحدة الأمريكية أو إن كان منظومات باتريوت من دول أوروبية، الكل رفض في ذلك الوقت إعطاء تركيا أو بيعها منظومات دفاعية، فذهبت إلى إس 400. فالشاهد أن الولايات المتحدة الأمريكية اعتبرت أن هذا الأمر سوف يضر بأمنها القومي، ولذلك فعلت مسارين أو خطين من العقوبات على تركيا. عقوبات كايسا مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات، اعتبروا ذلك تعاوناً مع روسيا ودعماً للصناعات الروسية وغير ذلك، فوقعت العقوبات التي حدثت في عهد ترامب في رئاسته الأولى كانت ضد الصناعات الدفاعية التركية وغير ذلك، إضافة لإخراج تركيا من المشروع. وكان هناك أيضاً عقوبات أخرى في 2019 أو 2020 أعتقد، وهو قانون الدفاع أو المادة 1245 التي هي أيضاً بمعنى أو بآخر أن هذا الأمر يدور بالأمن القومي، الأمن الأمريكي، وبالتالي لا ينبغي للولايات المتحدة الأمريكية أو الرئيس الأمريكي أن يبيع تركيا الإف 35 إلا أن يضمن أنها لا تفعل الإس 400، تركيا تعيدها، لن تشتري قطعاً أخرى بعد الإس 400، وغير ذلك من الشروط. الآن هذا المسار قد يحل، هذا المسار الذي أعتبره مساراً قانونياً دستورياً متعلقاً بالكونغرس والولايات المتحدة الأمريكية. ترامب كما تعرف في زيارته الأخيرة لأنقرة ومشاركته في قمة حلف الناتو تحدث بإيجابية حول الأمر، قال نحن سنفكر بالتأكيد وسوف نرفع العقوبات وغير ذلك، لكن عندما عاد للولايات المتحدة الأمريكية وبعض السيناتورات في الكونغرس أرسلوا رسالة له إلى الخارجية، كان الرد بأن تركيا لم تستوفِ الشروط بعد، يعني نحن وعدناها إيجاباً لكن تركيا لم تستوفِ الشروط، وبالتالي الولايات المتحدة الأمريكية لن تذهب لفكرة إعطائها إف 35. الآن في سيناريوهات مطروحة منذ البداية، بالمناسبة تركيا كانت حريصة على عدم تفعيل هذه العقوبات أكثر أو تعميقها، وعدم إغضاب الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو، فلم تفعل الإس 400، كانت على أراضيها لكنها لم تفعلها، وكانت عرضت حتى سيناريوهات بديلة، تأجيلها وغير ذلك، وتخزينها في دولة أخرى. الآن هناك حديث أن الإعادة قد لا تكون واردة لروسيا في نهاية المطاف، هذه صفقة وأوبرمت، لكن قد تنقل أو تباع لطرف ثالث، بالحديث مع روسيا وطرح اسم بعض الدول الخليجية في هذا الإطار. وبالتالي إذا ما حصل هذا الأمر بهذه الطريقة أو بطرق أخرى بحيث أن الإدارة الأمريكية تقول للكونغرس بأن نحن كإدارة وعبر مؤسساتنا الأمنية والعسكرية نضمن أن تركيا لن تضر بالأمن القومي الأمريكي من خلال الإس 400، يعني حيدت بطريقة أو بأخرى، هذا سوف يحل الإجراء أو المسار القانوني. لكن المسار السياسي المتعلق بالكيان الصهيوني لن يحل، بمعنى أن الإدارة الأمريكية ومن خلفها الكونغرس وبفعل اللوبيات وغيرها ما زالت تنظر لضرورة التفوق الجوي للكيان الصهيوني في المنطقة، غير مسموح لأحد قد يحتمل مستقبلاً أن يحصل على أو أن يكون ضد الكيان الصهيوني أن يحصل على هذه المقاتلات. وأنا دائماً ما أعيد وأكرر السيناريو أو المثال الإماراتي، الإمارات ذهبت لما هو أكثر من تطبيع والاتفاقات الإبراهيمية، ذهبت لتنسيق أمني وعسكري وشبه تحالف استراتيجي مع الكيان الصهيوني، ورغم ذلك لم تحصل على إف 35، لأن المنطق الإسرائيلي ينظر أنه قد يتغير النظام، قد تتغير القناعات، قد تتغير التوجهات في المستقبل، فغير مسموح للسعودية والإمارات وغيرها، وأيضاً تركيا، أن تحصل على هذه المقاتلات. وأيضاً هناك توجه في الكونغرس بأنه غير مسموح أيضاً بإخلال التوازن بين تركيا واليونان، لأن الولايات المتحدة الأمريكية، صحيح أن تركيا عضو في الناتو واليونان عضو في الناتو منذ نفس الوقت، 1952 دخلوا مع بعض، ويفترض بأن هناك علاقات متوازنة، لكن السنوات القليلة الأخيرة على أقل تقدير، من الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية انحازت تماماً إلى جانب اليونان، وكان هناك اعتراضات تركية عبر وزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو بأن كريت واليونان عموماً تحولت لقاعدة عسكرية أمريكية، وذهبت الولايات المتحدة الأمريكية في عهد بايدن لمناورات عسكرية مشتركة مع اليونان على الحدود التركية. وقرر الكونغرس مؤخراً، وإن لم يفعل حتى اللحظة، قانون بوابة شرق المتوسط، يتحدث عن تعاون مع دول في شرق المتوسط، يتحدث عن اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر، ويستثني تركيا. وبالتالي هناك أيضاً نظرة بتركيا أن الولايات المتحدة الأمريكية منحازة للجانب اليوناني، فغير مسموح أمريكياً في الكونغرس بفعل اللوبيات وحتى بالقناعة لدى السيناتورات في الكونغرس بأنه غير مسموح بأن توازن تركيا قوتها الجوية مع إسرائيل ومع اليونان. وبالتالي أعتقد أنه حتى لو حُلّ مرة أخرى المسار القانوني بطريقة أو بأخرى، سيبقى الفيتو على بيع الإف 35 لتركيا حاضراً.
الرهان التركي على التصنيع المحلي وسد الفجوة الجوية
د. سعيد الحاج:
هنا تركيا قد تكون تراهن ربما على العلاقة مع إدارة ترامب، لكن نحن نرى بأن هذه مسارات طويلة الأمد وطيئة جداً، وعقباتها القانونية والسياسية كبيرة جداً. لذلك الحديث التركي المتفائل دائماً والإيجابي حول هذا الأمر، أعتقد أنه جزء منه استهلاك محلي، وجزء منه تطوير للعلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، لكن الرهان الأساسي التركي في المرحلة الحالية أولاً على إف 16، ولا على إف 35 ثانياً، على التنويع، يورو فايتر وغيرها من دول أوروبية محاولة شرائها، وأعتقد أنه في صفقات في هذا الإطار، وثالثاً أو هو الأساس على المدى البعيد، الاعتماد على التصنيع المحلي التركي، كاان وغيرها من مقاتلات الجيل الخامس، بحيث تكون قادرة من خلال التصنيع المحلي على سد هذه الثغرة. لأن الثغرة الأساسية التي كل مراكز الأبحاث التركية المعنية تتحدث عنها في المنافسة والخصومة مع الكيان الصهيوني ومع اليونان هو في القوة الجوية. القوة البحرية التركية متقدمة، والقوة البرية التركية متقدمة، والخبرة موجودة وتصنيعات السلاح موجودة، الفكرة الأساسية أو الثغرة الأساسية هي أن القوات الجوية والأسطول الجوي اليوناني والإسرائيلي تحديداً متفوق بكثير على تركيا، وذلك ترى تركيا أن هناك فجوة زمنية حتى 2030-2032 حتى تسد هذه الثغرة بالتصنيع المحلي، وحتى ذلك الوقت هي تتجنب الصراع من جهة، وتحاول قدر الإمكان أن تحصل على ثقة الإدارة الأمريكية وتحصل على هذه المقاتلات، إن كان إف 16 كما ذكرت، أو اليورو فايتر الأوروبية.
اتفاقيات الطاقة وتوجه أنقرة نحو الكتلة الغربية
أحمد مولانا:
ننتقل للمحور الأخير وهو يرتبط بالجانب التجاري والاقتصادي، وهذا له علاقة بتموضع تركيا دولياً. كان هناك إشارة في التقرير أن تركيا هي الشريك رقم 29 تجارياً للولايات المتحدة عالمياً بحجم تجارة يبلغ 49 مليار دولار، وفي إشارة أن تركيا عقدت مؤخراً اتفاقاً مع الولايات المتحدة لشراء 1500 شحنة غاز طبيعي على مدى 15 سنة. تركيا كانت تعتمد في الطاقة، في النفط والغاز، على الاستيراد من روسيا، حتى في التقرير يشير لنسب، إلى الآن في 2025 تصل لـ 50%، و40% من استهلاكها تستورده من روسيا. هذه الأرقام تشير إلى أن هناك نوعاً من الانزياح باتجاه، بالذات في ملف الغاز، الاعتماد على الولايات المتحدة وتقليل الاعتماد على روسيا. هل هذا سيعزز طبيعة العلاقات التجارية، أم هو نوع من تحسين العلاقة مع ترامب من أجل حل الملفات الأخرى العالقة التي أشرتَ إليها مثل الإف 35؟
د. سعيد الحاج:
في 2015 عندما أسقطت تركيا المقاتل السوخوي، كان ذلك محط أنظار البحث بشكل بارز، حيث كانت تركيا تستورد 55% من حاجتها من الغاز الطبيعي من روسيا، وإن لم تخن الذاكرة 30% من إيران، وشيء أقل من ذلك أيضاً من العراق. بمعنى أنها على خلاف كانت مع خصومها مع روسيا وإيران في سوريا، وكان الجزء الطاغي من حاجتها من الغاز الطبيعي بيد هاتين الدولتين. فذهبت تركيا من حيث أمنها القومي ومصلحتها لفكرة تخفيض هذه الاعتمادية على الغاز الروسي والغاز الإيراني. لكن في السنوات القليلة الأخيرة، واضح بأنه أيضاً إدارة ترامب تضغط بهذا الاتجاه، بمعنى أن ترامب ضمن سياسته في مواجهة روسيا أو العقوبات أولاً، ثم تعزيز الصادرات الأمريكية، طلب بشكل مباشر من الرئيس أردوغان بأن تقللوا استيرادكم للغاز الطبيعي من روسيا. فأتت هذه الصفقة التي تفضلت بذكرها على المدى البعيد، الاتفاق مع أمريكا مقابل تخفيض الاعتمادية أو الحصة التي تستوردها تركيا من روسيا. وأنا أعتقد أن ذلك، وإن كان له بعد اقتصادي غير بسيط في نهاية المطاف، هذا يعني الاقتصاد المتعلق بالطاقة ثقيل ووازن في صادرات وواردات هذه الدول، لكن أعتقد أن البعد الأمني والعسكري والاستراتيجي هو الأهم. فكرة إرضاء الإدارة الأمريكية أولاً، وأعتقد أن فكرة إرضاء الإدارة الأمريكية، إدارة ترامب تحديداً، حاضرة دائماً في الذهن التركي. إن كان ما يتعلق بالخطاب المتعلق بالحرب على إيران أو المتعلق بالحرب على غزة، نجد أنه دائماً الخطاب حريص في عدم توجيه النقد اللاذع ربما للإدارة الأمريكية، وتركيز أكثر مثلاً على إسرائيل وغيرها. وبالمثل أيضاً ما يتعلق بالحساسية الأمريكية من العلاقات مع روسيا وإيران وغيرها، نجد هذا الحذر التركي. الأهم أيضاً أن هذا العتب أو الضغط الأمريكي والأطلسي على تركيا بخصوص موقفها من الحرب الروسية الأوكرانية وحربها على إيران وغيرها، تخفف ربما تركيا من التحريض الإسرائيلي والتحريض الأمريكي عليها بهذا النوع من الصفقات، أنه لا، لست في حضن روسيا، لست مهتمة بتطوير العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية وأمن الطاقة مع روسيا، بالعكس نحن جزء من حلف الناتو وجزء من الكتلة الغربية، وبالتالي اذهب لهذه الصفقات مع الإدارة الأمريكية. أعتقد أن هذا التوجه الأخير ضمن ما ذكرناه حتى اللحظة في الحلقة هو تأكيد لما كنا ذكرناه سابقاً. في الفترة التي حكينا عنها، توجه تركيا لروسيا وعلاقتها معها والمشاريع الكبيرة في الطاقة وغيرها، صار في حديث في الغرب أن تركيا تنزاح من الغرب إلى الشرق، وأن محورها أصبح اهتمامها الشرق، خصوصاً أنه كان في حديث عن علاقات مع الصين والهند. وأنا كنت أقول في ذلك الوقت بأن علاقات تركيا، بغض النظر عن رغبتها وتوجهها، الإمكانيات والظروف والموقع وغير ذلك وتاريخ العلاقات والملفات المشتركة، تقول بأن علاقات تركيا مع الغرب استراتيجية، وعلاقاتها مع روسيا تكتيكية. وأن الاندفاع أكثر نحو روسيا كان مدفوعاً بالغضب أو العتب أو النقصان أو فقدان المصداقية، دعني أقول، أو الموثوقية بالدول الغربية، وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية، أكثر من ثقة ربما بالموضوع الروسي. الآن بعد الحرب الروسية الأوكرانية، وبعد تحسن العلاقات التركية الأوروبية نسبياً، والتركية الأمريكية كثيراً، اتضح بأنه لا يوجد تراجع، بل هناك حرص أكثر على علاقات متقدمة. روسيا ما زال هناك علاقات متنوعة مع الجميع، تركيا كدولة وسيطة كقوة وسطى في المنطقة تحرص على العلاقة مع جميع الأطراف، لكن المحور الأساسي والالتزام بالكتلة الغربية والعلاقات مع الأمريكية وعضوية الناتو وغير ذلك، أعتقد أنها أساسية تغلب كثيراً أو ترجح الآن على العلاقات مع روسيا، رغم مشاركة أردوغان مؤخراً في قمة شنغهاي للتعاون.
ختام الحوار وآفاق المستقبل
أحمد مولانا:
شاكر لك جزيل الشكر على هذه الإطلالة المعمقة دكتور سعيد على ملف العلاقات الأمريكية التركية والذي يؤثر على طبيعة التطورات الموجودة في المنطقة. شاكر لحضرتك مجدداً على الحضور، وإن شاء الله نلتقي حضرتك في حلقة أخرى قريباً تتناول العلاقات التركية الأوروبية.
د. سعيد الحاج:
إن شاء الله.
نشر في منصة الملتقى الاستراتيجي ويوتيوب