حرب إيران والديون تهددان الاقتصاد العالمي

قبل اجتماعات بانكوك

تتجه أنظار المؤسسات المالية الدولية إلى العاصمة التايلاندية بانكوك، وسط تصاعد المخاوف من تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، وارتفاع أسعار الطاقة والفائدة، وتفاقم أعباء الديون السيادية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي ضغوطًا متزايدة تهدد فرص التعافي وتضع الدول النامية أمام خيارات مالية أكثر صعوبة.

وتنطلق الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي خلال الفترة من 12 إلى 18 أكتوبر 2026، بمشاركة وزراء مالية ومحافظي بنوك مركزية ومسؤولين اقتصاديين وممثلين عن القطاع الخاص. وتأتي الاجتماعات في ظل استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران للشهر الثامن، وما تسببه من اضطرابات في إمدادات الطاقة وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، إلى جانب تصاعد المخاوف من موجة تضخم جديدة قد تعرقل النمو الاقتصادي.

ولا تقتصر خطورة الأزمة على أسواق النفط، بل تمتد إلى الغذاء والأسمدة والقدرة على تمويل الإنفاق العام، خصوصًا في الاقتصادات التي استنزفتها سنوات الاقتراض وارتفاع تكاليف خدمة الدين.

آيجاي بانغا يحذر من ضغوط متزامنة

حذر آيجاي بانغا، رئيس مجموعة البنك الدولي، من تزايد الضغوط على الاقتصادات النامية نتيجة ارتفاع أسعار الديزل والأسمدة، بالتزامن مع المخاطر المناخية المرتبطة بظاهرة النينيو، التي قد تؤثر في المحاصيل الزراعية وتزيد تقلبات أسعار الغذاء.

وكشف بانغا أن البنك الدولي يجري محادثات مع ما بين 30 و40 دولة بشأن احتياجات محتملة للمساعدة في مواجهة تداعيات أزمة الطاقة وارتفاع الأسعار. وأوضح أن الإقبال الأولي على صندوق الأزمات البالغ 25 مليار دولار كان محدودًا، لكن الضغوط تتزايد مع ارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة.

وأشار إلى إمكانية توسيع نطاق المساعدات المتاحة إلى 100 مليار دولار إذا اقتضت الظروف ذلك، في إشارة إلى أن المؤسسة الدولية تستعد لاحتمال استمرار الأزمة واتساع آثارها الاقتصادية والاجتماعية.

وتكشف هذه التحركات أن الدول الأكثر تعرضًا للصدمات لا تحتاج إلى تمويل طارئ فحسب، بل إلى موارد تساعدها على حماية الفئات الفقيرة، واستمرار الخدمات الأساسية، وتجنب اللجوء إلى إجراءات تقشفية تزيد الأعباء على المواطنين.

كريستالينا جورجييفا أمام اختبار صعب

من جانبها، تواجه كريستالينا جورجييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، تحديًا يتمثل في الموازنة بين مكافحة التضخم والحفاظ على النمو، في وقت تتزايد فيه تكلفة الاقتراض وتضيق فيه الخيارات المالية أمام الحكومات.

وقالت جورجييفا إن نحو 18 ألف شخص سجلوا للمشاركة في الاجتماعات، بما يعكس حجم الاهتمام الدولي بالتطورات الاقتصادية الراهنة.

وتأتي الاجتماعات وسط تحذيرات أطلقتها جورجييفا من أن قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود أمام الصدمات ليست مضمونة، مع استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة وتصاعد الضغوط على أسواق السندات والمالية العامة.

وتؤكد هذه المخاوف أن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، أو تأجيل خفضها، وهو ما يزيد تكلفة تمويل الشركات والحكومات ويحد من الاستثمار والاستهلاك.

ومن المنتظر أن تتجه الأنظار إلى تحديثات صندوق النقد بشأن آفاق الاقتصاد العالمي والاستقرار المالي والمالية العامة، بحثًا عن مؤشرات توضح حجم الأضرار المحتملة ومسارات التعامل معها.

400 مليار دولار تضغط على الدول النامية

تمثل الديون أحد أخطر الملفات المطروحة على طاولة الاجتماعات، إذ تواجه الدول النامية مدفوعات ديون خارجية تقدر بنحو 400 مليار دولار خلال عام 2026، بينما تستحوذ الفوائد على نحو ثلث هذه المدفوعات.

وتزداد صعوبة الوضع مع ارتفاع أسعار الفائدة وتراجع قدرة الحكومات على توفير تمويل جديد بشروط ميسرة. فالأموال التي كان يمكن توجيهها إلى التعليم والصحة والبنية التحتية ومشروعات خلق الوظائف باتت تواجه منافسة مباشرة من التزامات خدمة الدين.

وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الدول النامية تواجه صدمة مركبة تجمع بين ارتفاع تكاليف الطاقة، ومخاطر المناخ، وزيادة أعباء الاقتراض.

وحذر ألكسندر دي كرو، مدير البرنامج، من أن ملايين الأشخاص قد يتعرضون لخطر العودة إلى الفقر إذا لم تتحرك المؤسسات الدولية والحكومات بصورة منسقة. ودعا إلى تعزيز التضامن الدولي وتوفير تمويل ميسر يتيح للدول حماية مواطنيها ومواصلة الإصلاحات الضرورية.

كما دعت منظمة «عدالة الديون» إلى معالجة أكثر شمولًا لأزمة المديونية، محذرة من أن ضغوط خدمة الدين تدفع بعض الدول منخفضة الدخل إلى تقليص الإنفاق على التعليم والخدمات العامة.

وتبرز هنا فجوة واضحة بين احتياجات الدول المتضررة وقدرتها على الاستجابة؛ فالحكومات التي تنفق نسبة كبيرة من إيراداتها على الديون تجد نفسها مضطرة إلى الاختيار بين الوفاء بالتزاماتها المالية وتوفير الحماية الاجتماعية للسكان.

توقعات قاتمة ومخاطر تتجاوز الطاقة

من المتوقع أن تشهد بعض الدول خفضًا في توقعات النمو الاقتصادي، إذا استمرت اضطرابات أسواق الطاقة وارتفعت تكاليف الاقتراض. كما قد يؤدي استمرار الحرب إلى زيادة الضغوط التضخمية، وإضعاف القوة الشرائية، وتأجيل قرارات الاستثمار.

ولا تتوقف المخاطر عند الصراع في الشرق الأوسط، إذ تضيف ظاهرة النينيو المحتملة تحديًا آخر إلى الأسواق الزراعية، مع احتمال تضرر الإنتاج وارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة. ويعني اجتماع هذه العوامل أن الدول المستوردة للطاقة والغذاء قد تواجه ضغوطًا متزامنة على ميزانياتها واحتياطياتها من العملات الأجنبية.

وفي المقابل، يظل توفير التمويل الإضافي وإعادة هيكلة الديون من أبرز الأدوات المطروحة لتخفيف الأزمة، لكن نجاحهما يتوقف على استعداد الدائنين والمؤسسات الدولية لتقديم حلول تتجاوز القروض التقليدية وشروطها المالية.

ومن المرجح أن تشهد الاجتماعات نقاشات مكثفة حول توسيع برامج المساعدات، وتحسين قدرة الدول على تعبئة الإيرادات المحلية، وجذب استثمارات القطاع الخاص، وإيجاد آليات تسمح بتوجيه الموارد إلى القطاعات الأكثر احتياجًا.

غير أن غياب التوافق الدولي بشأن تخفيف أعباء الديون قد يحد من قدرة هذه الإجراءات على إحداث تغيير سريع، خصوصًا في الدول التي تواجه استحقاقات مالية ضخمة خلال الفترة المقبلة.

في النهاية لا تكمن خطورة الأزمة الحالية في ارتفاع أسعار النفط أو الفائدة وحدهما، بل في تزامن الحرب مع أزمة الديون ومخاطر الغذاء والمناخ، بما يحول الصدمات الاقتصادية المنفصلة إلى أزمة مترابطة يصعب احتواؤها بإجراءات تقليدية.

وتكشف التحذيرات الصادرة عن آيجاي بانغا وكريستالينا جورجييفا وألكسندر دي كرو أن قدرة الدول على الصمود أصبحت متفاوتة بشدة؛ فالدول الغنية تستطيع تحمل تكاليف إضافية لفترة أطول، بينما تجد الاقتصادات النامية نفسها أمام خيارات محدودة واحتياجات اجتماعية متزايدة.

غير أن الاختبار الحقيقي لاجتماعات بانكوك لن يكون في حجم التعهدات المالية التي ستصدر عنها، بل في قدرتها على تحويل التحذيرات إلى إجراءات ملموسة، تشمل تمويلًا ميسرًا، وحلولًا عملية للديون، وحماية الإنفاق على الصحة والتعليم والغذاء.

فإذا استمرت الحرب وارتفعت تكاليف الاقتراض دون استجابة دولية كافية، فإن الأزمة قد تنتقل من أسواق الطاقة والسندات إلى سوق العمل ومستويات الفقر والاستقرار الاجتماعي.

أما إذا نجحت المؤسسات الدولية في تنسيق الدعم وتخفيف الضغوط المالية، فقد تتمكن الدول الأكثر هشاشة من تجنب السيناريو الأسوأ. وبين الاحتمالين، تبدو اجتماعات بانكوك اختبارًا لمدى قدرة النظام المالي العالمي على حماية النمو والاستقرار في عالم تتزايد فيه الصدمات وتتراجع فيه هوامش المناورة الاقتصادية.

اترك تعليقا