تركيا وليبيا بين توحيد الجيش والخلاف البحري
بالتزامن مع تصاعد الخلاف حول اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين البلدين
- dr-naga
- 28 أكتوبر، 2026
- تقارير وترجمات
- الجيش, الخلاف البحري, الشرق, الغرب, ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا, تركيا, ليبيا
تتسارع التحركات التركية بشأن ليبيا على مسارين متداخلين: مفاوضات لتقريب المؤسسات العسكرية في الشرق والغرب، وتقارب سياسي مع السلطات في بنغازي وطرابلس، بالتزامن مع تصاعد الخلاف حول اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا. لكن التطورات الأخيرة تكشف أن التقارب السياسي لا يعني انتهاء الخلافات، وأن الاتفاق على توحيد الجيش ما زال يصطدم بأسئلة تتعلق بالقيادة والسلطة القانونية والرقابة المدنية.
مفاوضات أنقرة تصطدم بصلاحيات القيادة
استضافت أنقرة في 23 أكتوبر 2026 محادثات جمعت عبد السلام الزوبي، وكيل وزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية بطرابلس، وصدام حفتر، نائب القائد العام للقوات المسلحة في شرق ليبيا، في محاولة للتوصل إلى ترتيبات لتوحيد المؤسسة العسكرية.
ووفق تقرير نشرته صحيفة «حرييت ديلي نيوز» التركية في 26 أكتوبر، تناولت المقترحات إنشاء قيادة عسكرية مشتركة في سرت، مع استمرار الخلاف بشأن الجهة السياسية التي ستشرف على القيادة الجديدة. وذكرت الصحيفة أن الزوبي يفضل إخضاع المؤسسة الموحدة لوزارة الدفاع، بينما يدعم صدام حفتر ارتباطها بالمجلس الرئاسي.
ولا يتعلق الخلاف بتحديد مقر القيادة فقط، بل بتوزيع سلطة إصدار الأوامر العسكرية، وتحديد علاقة القيادة الجديدة بالمؤسسات السياسية، ومصير الهياكل العسكرية القائمة في الشرق والغرب.
المجلس الرئاسي يضع قيوداً على توقيع الاتفاق
في تطور يكشف وجود خلاف داخل المعسكر الغربي نفسه، أفادت وكالة «أجينزيا نوفا» الإيطالية في 23 أكتوبر بأن رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي أصدر توجيهاً يمنع توقيع اتفاقات ملزمة بشأن توحيد القوات المسلحة قبل الحصول على الموافقات القانونية المطلوبة.
وبحسب الوكالة، طالب المنفي بالتنسيق مع وزارة الدفاع واللجنة العسكرية المشتركة المعروفة بلجنة «5+5»، وإحالة الاتفاقات المتعلقة بالقيادة والتنظيم العسكري إليه للحصول على الموافقة المسبقة.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تعني أن التوصل إلى تفاهم بين ممثلين عسكريين من الشرق والغرب لا يكفي وحده لإقرار اتفاق نافذ. فإذا لم تُحسم الصلاحيات القانونية، فقد تتعثر أي تسوية حتى لو وافق عليها المفاوضون.
ويجب التمييز هنا بين استمرار التنسيق الفني بشأن توحيد الجيش وبين توقيع اتفاق نهائي ملزم؛ فالتقرير الإيطالي أشار إلى أن التوجيه لا يمنع مواصلة الأعمال الفنية والتنسيقية.
لماذا تسعى أنقرة إلى التقارب مع الطرفين؟
أعلنت وكالة الأناضول التركية في 20 أكتوبر أن رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن التقى رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وبحث معه توحيد المؤسسات العسكرية والسياسية، والحفاظ على وحدة الأراضي الليبية، وتعزيز التعاون الأمني.
وفي اليوم نفسه، وافق مجلس النواب الليبي في الشرق بالإجماع على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة مع تركيا عام 2019، وألغى قرارين صادرين عام 2020 كانا يرفضان الاتفاقات المبرمة مع أنقرة ويدعوان إلى قطع العلاقات السياسية معها.
ورحبت وزارة الخارجية بحكومة الوحدة الوطنية بالقرار، وعدّته خطوة لتعزيز العلاقات الثنائية والتعاون الإقليمي.
وتشير هذه التطورات إلى أن تركيا لم تعد تكتفي بعلاقاتها التقليدية مع طرابلس، بل تعمل على توسيع علاقاتها مع القوى المؤثرة في شرق ليبيا أيضاً. ويمنحها ذلك فرصة للمشاركة في أي تسوية مستقبلية، لكنه لا يثبت أنها تملك القدرة على فرض اتفاق على الأطراف الليبية.
اتفاق بحري يفتح خلافاً مع مصر واليونان
أثار اعتماد مجلس النواب الليبي الاتفاق البحري مع تركيا اعتراضات إقليمية جديدة.
ففي 27 أكتوبر، أفادت وكالة رويترز بأن مصر والبحرين والإمارات انضمت إلى اليونان في الاعتراض على الاتفاق، معتبرة أن ترتيبات ترسيم الحدود البحرية تثير مخاوف بشأن الأمن الإقليمي والقانون الدولي.
في المقابل، دافع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن سياسة بلاده في شرق المتوسط، بينما وصف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الاتفاق بأنه مشروع من الناحيتين القانونية والسياسية، مؤكداً أن أنقرة ترى فيه حماية لحقوق البلدين ومصالحهما.
وهنا يظهر اختلاف جوهري في تفسير الاتفاق: تركيا والسلطات الليبية المؤيدة له تعتبرانه وسيلة لحماية الحقوق البحرية وتوسيع التعاون، في حين ترى اليونان ومصر وقبرص أن الاتفاق يمس بمصالحها البحرية أو يتجاهل مطالبها القانونية.
ولا يمكن حسم هذا الخلاف بمجرد نقل المواقف السياسية؛ إذ يتطلب تقييم قانونية الحدود البحرية دراسة الإحداثيات الجغرافية، وقواعد قانون البحار، والحقوق التي تتمتع بها الجزر، والاتفاقات البحرية المتعارضة في المنطقة.
كما أن موافقة مجلس النواب الليبي تمثل تطوراً سياسياً مهماً، لكنها لا تعني أن جميع الدول المعنية ستعترف بآثار الاتفاق أو أن الخلافات القانونية قد انتهت.
ما موقف الأمم المتحدة من الانقسام الليبي؟
في إحاطتها أمام مجلس الأمن في 14 أكتوبر 2026، قالت هانا تيته، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إن العملية السياسية شهدت تقدماً بعد توقيع اتفاق في طرابلس في 30 أغسطس، عقب أربعة أشهر من المشاورات.
لكنها شددت على هشاشة الوضع السياسي والاقتصادي والأمني، ودعت الأطراف الليبية إلى التحلي بالمرونة والإرادة السياسية، مطالبة مجلس الأمن والمجتمع الدولي بدعم خريطة الطريق ومحاسبة الأطراف التي تعرقل التقدم.
وتكتسب هذه الإحاطة أهمية لأنها تقدم إطاراً أوسع من المفاوضات التركية: فنجاح توحيد المؤسسة العسكرية يحتاج إلى عملية سياسية أوسع، وضمانات دولية، واتفاق على إدارة مؤسسات الدولة، وليس مجرد تفاهم بين قيادات عسكرية.
ومع ذلك، فإن إحاطة 14 أكتوبر تسبق المفاوضات الأخيرة في أنقرة، ولذلك لا ينبغي التعامل معها باعتبارها تقييماً أممياً مباشراً لنتائج تلك المفاوضات.
المصالح الاقتصادية وحدود النفوذ التركي
تمتلك تركيا مصالح اقتصادية في ليبيا تشمل مشروعات المقاولات والبنية التحتية والتجارة والطاقة، فضلاً عن مصالح استراتيجية مرتبطة بشرق البحر المتوسط. ويمكن لتوحيد المؤسسات الليبية أن يسهل تنفيذ مشروعات طويلة الأجل، ويقلل المخاطر المرتبطة بتعدد السلطات وتضارب القرارات.
لكن توسيع العلاقات التجارية لا يضمن تلقائياً أن تكون النتائج متوازنة بالنسبة إلى الاقتصاد الليبي. فالمعيار الأساسي هو مدى استفادة الشركات والعمالة المحلية، ونقل الخبرات، وشفافية العقود، وقدرة المؤسسات الليبية على مراقبة الإنفاق العام.
وبالمثل، فإن توسيع النفوذ التركي في الشرق والغرب قد يساعد على التواصل بين المعسكرين، لكنه قد يثير مخاوف لدى أطراف إقليمية ترى أن أنقرة تسعى إلى تعزيز موقعها في ملفات الطاقة والحدود البحرية.
ولا تتوافر في المصادر المشار إليها أدلة كافية للجزم بأن تركيا تسعى إلى السيطرة على القرار الليبي، كما لا يصح افتراض أن جميع تحركاتها تنطلق حصراً من رغبتها في تحقيق الاستقرار. الأدق هو تقييم كل اتفاق وفق شروطه وآليات تنفيذه والجهة المستفيدة منه.
ما السيناريوهات المحتملة؟
السيناريو الأول: اتفاق عسكري تدريجي. قد يتوصل الطرفان إلى ترتيبات محددة لتنسيق القوات وتوحيد بعض الهياكل، مع تأجيل القضايا السياسية الأكثر حساسية. وهذا المسار أقل صعوبة من الاتفاق الشامل، لكنه قد يبقي الانقسام قائماً عملياً.
السيناريو الثاني: تعثر المفاوضات بسبب الصلاحيات. إذا استمر الخلاف حول تبعية القيادة العسكرية، أو تعارضت التفاهمات مع اختصاصات المجلس الرئاسي ووزارة الدفاع، فقد تتأخر التسوية حتى مع استمرار التقارب التركي مع الطرفين.
السيناريو الثالث: توسيع التسوية إلى تفاهمات إقليمية. قد تتجه تركيا إلى حوار أوسع مع مصر واليونان وأطراف أخرى بشأن الاعتراضات البحرية، بالتوازي مع اتصالاتها الليبية. لكن ذلك يظل احتمالاً، ولا توجد ضمانات بأن الخلافات القانونية ستُحل سريعاً.
الخلاصة: حققت تركيا تقدماً في علاقاتها مع طرفي الانقسام الليبي، لكن الاتفاق البحري زاد من حساسية المشهد الإقليمي، فيما كشفت مفاوضات توحيد الجيش عن خلافات قانونية وسياسية لا يمكن تجاوزها بتفاهمات ثنائية وحدها. والتطور الأهم الذي يستحق المتابعة هو صدور اتفاق رسمي يوضح هيكل القيادة العسكرية وصلاحياتها والجهة التي تخضع لها، مع تحديد موقف المؤسسات الليبية المختصة منه.
المصادر :
1.وكالة الأناضول التركية .
2.وكالة الأنباء الليبية .
3.وكالة أجينزيا نوفا الإيطالية .
4.حرييت ديلي نيوز .
5.الأمم المتحدة .
6.رويترز .
7.وكالة الأناضول .