ترامب وإيران.. مسعى جاد للتسوية أم هدنة قبل جولة تصعيد جديدة؟
أسعار النفط ومضيق باب المندب دفعته للتراجع
- abdelrahman
- 14 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- اخبار جريدة الرائد, اسعار النفط, البحر الأحمر, العودة للمفاوضات, ايران, باب المندب, ترامب, مضيق هرمز
يمثل حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إمكانية العودة إلى مسار المفاوضات مع إيران تحولًا لافتًا في إدارة الحرب، خصوصًا بعد تصعيد الضغوط الاقتصادية والعسكرية على طهران، والرهان على العقوبات والحصار البحري لإجبارها على تقديم تنازلات.
فبينما سعى ترامب إلى إظهار أن القوة الأمريكية قادرة على إخضاع إيران، تكشف التطورات الإقليمية أن الحرب لا تسير بالضرورة وفق الحسابات التي وضعتها واشنطن في بدايتها.
وتأتي العودة إلى الخيار الدبلوماسي في توقيت شديد الحساسية، مع ارتفاع أسعار النفط، وتزايد المخاوف من اضطراب حركة الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، وتصاعد هجمات الحوثيين على السعودية، فضلًا عن اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.
وتطرح هذه التطورات سؤالًا جوهريًا مفاده : هل يمثل حديث ترامب عن المفاوضات تراجعًا عن استراتيجية الضغوط االقصوي ، أم محاولة للحصول على تنازلات أكبر من إيران عبر التفاوض من موقع القوة؟
وتشير تقارير حديثة إلى أن الحرب باتتتفرض تكلفة اقتصادية وسياسية متزايدة علي واشنطن في وقت لا تبدوطهران مستعدة لتقديم التنازلات التي يريدها بسهولة .
حسابات ترامب
يأتي النفط في مقدمة العوامل التي قد تدفع ترامب إلى إعادة النظر في استمرار الحرب، فالرئيس الأمريكي الذي رفع شعار حماية المستهلك الأمريكي وخفض تكاليف المعيشة، يواجه الآن أزمة طاقة يمكن أن تتحول إلى عبء مباشر على الناخبين.
وقد تجاوز سعر خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل في سبتمبر، بينما أشارت تقارير إلى ارتفاع أسعار البنزين والديزل في الولايات المتحدة، مع استمرار اضطراب الإمدادات المرتبطة بالحرب.
ولا تقتصر المشكلة على سعر النفط الخام، إذ إن استمرار إغلاق أو تقييد الملاحة في هرمز يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويؤثر على أسعار الوقود والطيران والصناعات التي تعتمد على الطاقة. ومع انتقال آثار الحرب إلى الحياة اليومية للأمريكيين، يصبح استمرار التصعيد أكثر كلفة سياسيًا على ترامب، الذي لا يريد أن تتحول الحرب إلى عنوان انتخابي يهدد حزبه في انتخابات التجديد النصفي.
ومن هنا، فإن العودة إلى المفاوضات قد تكون محاولة لخفض المخاطر الاقتصادية دون الظهور بمظهر المتراجع. فترامب يستطيع تقديم أي اتفاق باعتباره نتيجة مباشرة لسياسة الضغط العسكري والعقوبات، وليس تنازلًا أمام إيران. وهذه نقطة مهمة في أسلوبه السياسي؛ إذ يفضل الإعلان عن “صفقة” تحقق مكاسب واضحة، بدلًا من الاعتراف بأن الحرب لم تحقق أهدافها.
انتخابات التجديد النصفي..
وفي نفس السياق تكتسب الانتخابات الأمريكية أهمية متزايدة في حسابات ترامب. فالتقارير تشير إلى أنه ربط نهاية الحرب بتوقيت الانتخابات المقررة في نوفمبر، كما أقر بأن ارتفاع أسعار النفط قد يستمر حتى ما بعد الانتخابات.
وهذا الربط يكشف أن الملف الإيراني لم يعد قضية أمن قومي فقط، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بالاستقرار الاقتصادي والسياسي الداخلي. فالحروب الطويلة تستهلك الموارد، وتزيد الضغط على الإدارة، وتمنح المعارضة فرصة لتوجيه انتقادات بشأن إدارة الأزمات الخارجية وارتفاع الأسعار.
لكن لا يعني ذلك أن ترامب يريد إنهاء الحرب بأي ثمن فالأرجح أنه يسعى إلى اتفاق يمنحه مخرجًا سياسيًا قويًا: وقف التصعيد، واستعادة قدر من الاستقرار في أسواق الطاقة، مع الاحتفاظ بصورة الرئيس الذي أجبر إيران على التفاوض.
وتكمن الصعوبة في أن إيران تدرك بدورها أن الوقت قد يعمل لصالحها. فإذا استطاعت الصمود أمام العقوبات والحصار، والحفاظ على قدرتها على تهديد الملاحة، فإنها قد تدخل المفاوضات وهي تملك أوراق ضغط لا يمكن تجاهلها. ولذلك، فإن الانتخابات قد تدفع ترامب إلى تسريع الدبلوماسية، لكنها قد تدفعه أيضًا إلى رفع سقف مطالبه للحصول على اتفاق يمكن تسويقه داخليًا.
اتساع الجبهة البحرية
لا يمكن فهم التحول المحتمل في موقف ترامب بعيدًا عن التطورات البحرية. فمضيق هرمز يمثل شريانًا أساسيًا لتجارة الطاقة، وأي اضطراب طويل الأمد فيه يهدد الأسواق العالمية. وفي المقابل، يضيف باب المندب بُعدًا آخر للأزمة، خصوصًا مع تقدم الحوثيين في اليمن وسيطرتهم على مواقع استراتيجية في البحر الأحمر، وفق تقارير حديثة.
وهنا تواجه واشنطن معضلة معقدة: إذا ركزت على إيران، فقد تتسع الضغوط عبر حلفائها الإقليميين، وإذا انخرطت مباشرة في مواجهة الحوثيين، فقد تجد نفسها أمام حرب إضافية في اليمن، بما يترتب على ذلك من تكاليف عسكرية وسياسية.
وتشير تقارير إلى أن الحوثيين حققوا مكاسب ميدانية، وأن هجماتهم طالت منشآت ومسارات نفطية سعودية، بينما اكتفت واشنطن حتى الآن بدعم استخباراتي ولوجستي دون الانخراط المباشر في ضربات واسعة ضدهم.
ومن منظور ترامب، قد يكون التفاوض مع إيران وسيلة لفتح مسار أوسع لخفض التصعيد الإقليمي، لا مجرد اتفاق حول البرنامج النووي. فإذا أمكن التوصل إلى تفاهم يحد من تهديدات الملاحة، ويضمن حماية خطوط الطاقة، فقد يصبح ذلك مكسبًا استراتيجيًا يفوق مجرد تخفيف العقوبات.
إيران بين العقوبات والحصار
كان الرهان الأمريكي قائمًا على أن الضغط الاقتصادي والعسكري سيضع إيران أمام خيارين: تقديم التنازلات أو مواجهة مزيد من الخنق. لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن الضغط لم يؤدِّ بالضرورة إلى استسلام سياسي سريع.
فإيران، حتى مع تراجع صادراتها النفطية والضغوط الاقتصادية، لا تزال تملك أدوات تأثير إقليمية وبحرية. كما أن قدرتها على إبقاء مضيق هرمز في حالة اضطراب تمنحها ورقة ضغط على واشنطن وحلفائها. وتؤكد التقارير أن الحرب أضرت بالاقتصاد الإيراني، لكنها لم تنتج حتى الآن تسوية سياسية واضحة.
وهنا يصبح التفاوض بالنسبة إلى ترامب وسيلة لاختبار مدى استعداد طهران لتقديم تنازلات فعلية. فالعقوبات قد تضعف الاقتصاد، لكنها لا تضمن وحدها تغيير حسابات القيادة الإيرانية، خصوصًا إذا اعتبرت أن تقديم التنازلات تحت الضغط سيهدد أمنها أو نفوذها الإقليمي.
كما أن استمرار الحرب يمنح إيران فرصة للقول إن الولايات المتحدة غير قادرة على تحقيق أهدافها دون دفع ثمن مرتفع. ولذلك، قد يكون ترامب قد أدرك أن الضغط العسكري يحتاج إلى مسار تفاوضي حتى يتحول إلى نتيجة سياسية.
وبحسب العديد من المراقبين لا توجد، وفق المعطيات المتاحة، صيغة نهائية معلنة يمكن الجزم بأنها تمثل الاتفاق الذي ستوقعه واشنطن وطهران. لكن طبيعة الأزمة تشير إلى أن أي تسوية محتملة ستدور حول مجموعة من الملفات المترابطة.
ومن المهم الإشارة هنا إلي ان البرنامج النووي يأتي في قلب المطالب الأمريكية، إذ تريد واشنطن ضمانات بشأن عدم تطوير إيران قدرات نووية عسكرية، مع آليات رقابة وتحقق دولية. لكن طهران قد ترفض أي صيغة تفرض عليها التخلي الكامل عن قدراتها النووية السلمية أو تقدم تنازلات تعتبرها مساسًا بسيادتها.
مضيق هرمز والملاحة
وكذلك سيكون ضمان حرية الملاحة من أهم الملفات. وقد يتطلب ذلك تفاهمًا بشأن وقف التهديدات المتبادلة، وضمان مرور السفن، وتحديد دور القوات البحرية في المنطقة. غير أن إيران قد تربط أي عودة كاملة للملاحة برفع العقوبات أو وقف العمليات العسكرية ضدها.
في المقابل من الصعب تصور اتفاق مستقر دون معالجة العقوبات. فطهران تريد تخفيفًا اقتصاديًا ملموسًا، بينما ستسعى واشنطن إلى ربط رفع العقوبات بتنفيذ التزامات إيرانية محددة. وهنا ستكون آلية رفع العقوبات وتوقيتها من أصعب نقاط التفاوض.
وستسعي واشنطن بشكل جاد لإدخال أنشطة إيران الإقليمية، بما فيها دعم الحوثيين، ضمن أي تفاهم أوسع. لكن طهران قد تعتبر أن ربط الملف النووي باليمن ولبنان والعراق يجعل الاتفاق محاولة لانتزاع نفوذها الإقليمي، وليس تسوية نووية فقط.
فرص نجاح الدبلوماسية
ومن المهم القول هنا العودة إلى المفاوضات لا تعني بالضرورة قرب توقيع اتفاق. فالعقبات كبيرة، والثقة بين الطرفين ضعيفة، والمطالب الأمريكية والإيرانية تبدو متباعدة. كما أن تطورات الحرب في اليمن وهرمز قد تجعل أي تفاهم عرضة للانهيار إذا استمرت الهجمات أو تغيرت الحسابات الميدانية.
لكن الدبلوماسية تظل الخيار الأقل تكلفة مقارنة باستمرار حرب مفتوحة تهدد الطاقة والملاحة وتستنزف الموارد. وقد تكون فرصة لوقف التصعيد إذا أدرك الطرفان أن تحقيق الأهداف القصوى بالقوة أصبح أكثر صعوبة.
ومن ثم فحديث ترامب عن العودة إلى المفاوضات مع إيران لا يمكن فصله عن الضغوط المتزايدة التي تفرضها الحرب على الاقتصاد الأمريكي وأسواق النفط والأمن البحري. فارتفاع أسعار الطاقة، واقتراب انتخابات التجديد النصفي، وتصاعد تهديدات الحوثيين، وعدم وضوح مستقبل الملاحة في هرمز، كلها عوامل قد تدفع واشنطن إلى إعادة ترتيب أولوياتها.
ومع ذلك، فإن التحول إلى الدبلوماسية لا يعني التخلي عن سياسة الضغط، بل قد يمثل مرحلة جديدة منها. فترامب يريد اتفاقًا يضمن مكاسب أمنية واقتصادية وسياسية، بينما تسعى إيران إلى إنهاء الحرب ورفع العقوبات دون تقديم تنازلات تمس جوهر نفوذها أو قدراتها الاستراتيجية.
وبينما تبدو المفاوضات مخرجًا ضروريًا من الأزمة، فإن نجاحها يتوقف على قدرة الطرفين على الانتقال من منطق الإخضاع إلى منطق التسوية. أما إذا ظل كل طرف يراهن على انهيار الآخر، فقد تتحول العودة إلى الدبلوماسية إلى مجرد هدنة مؤقتة قبل جولة جديدة من التصعيد.