بين ترامب وحكام الخليج : اجتماع خلع الملابس الدبلوماسية
ماجدة القاضي
- dr-naga
- 25 سبتمبر، 2026
- مقالات وتحليلات
- الجمعية العامة للأمم المتحدة, الدبلوماسية, السعودية, السفن البحرية الأمريكية, الطاقة الخليجية, ترامب, تفط الخليج, حكام الخليج, قطر, ماجدة القاضي
في السياسة، تأتي لحظة يخلع فيها الجميع ملابسهم الدبلوماسية، فتظهر الحقيقة عارية، بقبح شديد
ربما كانت تلك إحدى اللحظات التي شهدها اجتماع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع قادة الخليج على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، حين تفاخر بأن السفن البحرية الأمريكية رافقت أكثر من مليار برميل من نفط الخليج، قبل أن يلتفت إلى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني مازحًا: “هذا ليس كثيرًا بالنسبة لتميم، ولكنه كثير بالنسبة لمعظم الناس”.
المزحة ليست جديدة على العلاقة بين الرجلين؛ فرويترز تذكر أن ترامب اعتاد الإشادة بثراء قطر وقدرتها على شراء «الكثير من المعدات العسكرية الجميلة» هكذا قالها ترامب ، بينما يقابل الأمير تميم المزحة الثقيلة بابتسامة مهذبة وصفها مراسل الوكالة بأنها مشوبة بشيء من التوتر وبعض الضيق .
لكن المزحة هذه المرة تحمل مفارقة أكبر من مجرد حديث ترامب المعتاد عن ثراء حلفائه.
فبينما يتباهى الرئيس الأمريكي بحماية صادرات الطاقة الخليجية، كانت قطر، إحدى أكبر الدول المصدرة للغاز المسال في العالم، مضطرة إلى شراء الغاز الأمريكي لتعويض إنتاجها المتضرر من الحرب والوفاء بالتزاماتها تجاه عملائها.
ففي 11 سبتمبر، كشفت رويترز أن قطر للطاقة تتفاوض مع منتجين أمريكيين للحصول على عقود غاز تمتد حتى عام 2031، بعد أن أدت الهجمات على منشآت رأس لفان إلى تعطيل طاقة إنتاجية تبلغ نحو 12.8 مليون طن سنويًا، قد يستغرق إصلاحها سنوات.
وهكذا، بينما يمزح ترامب بشأن ثراء حليفه القطري، أصبحت الولايات المتحدة نفسها أحد الأسواق التي تلجأ إليها الدوحة لتعويض خسائر الحرب، ومصدرًا للسلاح والطاقة في الوقت نفسه.
لكن المليار برميل الذي تفاخر ترامب بحمايته لم يكن الرقم الوحيد الذي يستحق التوقف عنده في اجتماع نيويورك؛ فخلف الابتسامات المتبادلة كان هناك رقم آخر لا يقل دلالة: عشرة مليارات دولار، قيمة صندوق تقترح واشنطن إنشاءه مع شركائها العرب لإصلاح منشآت الطاقة المتضررة، وبناء طرق جديدة لتصدير النفط والغاز بعيدًا عن مضيق هرمز.
وبين الرقمين تتكشف مفارقة العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها: من يحمي حركة الطاقة، ومن يدفع تكلفة تعطلها، ومن سيمول الطرق التي ستسلكها بعد الحرب؟
دعونا نقترب اكثر :
قبل اجتماع نيويورك، كشفت تقارير صحفية عن مقترح أمريكي لإنشاء صندوق استثماري بقيمة عشرة مليارات دولار، تساهم فيه واشنطن بخمسة مليارات، مقابل مساهمات مماثلة من ثماني دول إقليمية، لإعادة بناء منشآت الطاقة المتضررة وتطوير مسارات بديلة لهرمز.
أما إدارة الصندوق، فمن المقترح أن تتولاها مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية، مع تصور لتوسيع الاستثمارات إلى أكثر من خمسين مليار دولار بمشاركة صناديق الثروة السيادية ورؤوس الأموال الخاصة.
والمشروع لا يزال قيد التفاوض، لكن دلالته تتجاوز قيمته المالية.
فالولايات المتحدة التي شاركت في الحرب مع إيران، تعرض الآن على الدول المتضررة المشاركة في تمويل إصلاح منشآتها، والاستثمار في طرق جديدة لتصدير الطاقة، مع إسناد إدارة الصندوق المقترح إلى مؤسسة أمريكية بالطبع.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بمن يساهم بخمسة مليارات دولار، وإنما بمن يحدد أولويات الإنفاق، ويختار المشروعات، ويضع شروط الاستثمار، ومن سيحصل على عقود التنفيذ والعوائد المستقبلية بل ومن سيمر من الطريق البديل !!.
فهل تدفع دول الخليج ثمن الحرب مرتين: مرة من منشآتها واقتصاداتها، ومرة أخرى من أموالها لإصلاح الأضرار وبناء بدائل للممرات التي عطلتها الحرب؟
إذا جمعنا واقعة الغاز القطري مع صندوق المليارات العشرة، تظهر أمامنا صورة أوسع للعلاقة الاقتصادية التي أنتجتها الحرب.
تتضرر منشآت الغاز القطرية، فتتجه الدوحة إلى السوق الأمريكية لتعويض إنتاجها. تتعطل حركة الطاقة عبر هرمز، فتظهر البحرية الأمريكية في موقع الحماية. تتضرر البنية التحتية الخليجية، فتطرح واشنطن صندوقًا لإعادة إعمارها. ثم تتحول الحاجة إلى تجنب تكرار الأزمة إلى مشروعات استثمارية جديدة لتطوير طرق بديلة للمضيق.
في كل مرحلة، نجد الولايات المتحدة حاضرة في أحد جوانب الحل، وأحيانًا في أكثر من جانب أمريكا دوما حاضرة .
ولا يعني ذلك أن واشنطن لم تتكبد خسائر من الحرب، أو أن المكاسب الاقتصادية لبعض شركاتها تعوض بالضرورة تكاليفها العسكرية والسياسية. لكنه يكشف اختلافًا مهمًا في قدرة الأطراف على التعامل مع نتائج الصراع؛ فبينما تنشغل دول المنطقة باستعادة ما فقدته، تمتلك الولايات المتحدة قطاعات اقتصادية ومؤسسات مالية قادرة على المشاركة في معالجة الخسائر، وربما تحقيق عوائد من تلك المعالجة.
وهنا تتراجع لغة الحماية والشراكة قليلًا، لتظهر الأسئلة التي لا تجيب عنها الابتسامات الدبلوماسية حول طاولة نيويورك: من يدفع؟ ومن ينفذ؟ ومن يدير؟ ومن يحصل في النهاية على العائد؟
ثمة مفارقة أخرى في المشروع الأمريكي؛ فبينما تتواصل المحاولات الدبلوماسية للتوصل إلى تسوية مع إيران، تطرح واشنطن مشروعًا اقتصاديًا يستهدف تقليل الاعتماد على المضيق الذي أصبح إحدى أهم أوراق الضغط في الحرب.
ولا يتعارض تنويع مسارات الطاقة مع البحث عن تسوية سياسية، لكن تجاوز المضيق جغرافيًا لا يعني بالضرورة تجاوز الأزمة أمنيًا.
فخطوط الأنابيب تحتاج إلى الحماية، وموانئ التصدير البديلة قد تصبح أهدافًا هى الأخرى للهجمات، كما أن نقل النفط والغاز عبر مسارات أطول يفرض تكاليف إضافية ووقتا طويلا لبناء تلك المسارات مما يعنى نزيف اقتصادى طويل المدى لدول الخليج .
فهل المطلوب تقليل اعتماد دول الخليج على هرمز، أم معالجة الظروف السياسية والأمنية التي جعلت المرور عبره خطرًا؟
وإذا كانت الطرق البديلة تحتاج إلى سنوات، فهل يقدم الصندوق الأمريكي علاجًا للأزمة الراهنة، أم استثمارًا في عالم ما بعد الحرب؟
لم يكن الجالسون إلى طاولة ترامب يحملون الأزمة نفسها، حتى وإن جمعتهم تداعيات الحرب مع إيران.
فقطر تبحث عن استعادة قدرتها الإنتاجية ومكانتها في أسواق الغاز، والسعودية تواجه تحديات حماية أراضيها ومنشآتها ومصالحها النفطية، وبالطبع ازمتها مع الحوثييين ، بينما ترتبط حسابات مصر والإمارات باستقرار الملاحة والتجارة والاقتصاد الإقليمي.
أما واشنطن، فتتفاوض بشأن إنهاء الحرب، وتشارك في الوقت نفسه في طرح المشروعات الاقتصادية التي ستنشأ لمعالجة تداعياتها.
قد تنتهي الحرب سياسيًا قبل أن تنتهي اقتصاديًا وأمنيًا بالنسبة إلى الدول التي تحملت خسائرها المباشرة، وقد تقبل واشنطن تسوية لا تعالج بالضرورة جميع المخاطر التي تواجه حلفاءها.
وربما لهذا السبب، لم تكن الابتسامات حول طاولة نيويورك كافية لإخفاء اختلاف الحسابات.
وحين يخلع الجميع الملابس الدبلوماسية أمام سطوة أزمة تعطل الاقتصاد لا يعود السؤال فقط عن من سينهى الحرب، بل من سيدفع ثمنها، ومن سيدير الخروج منها، ومن سيحصل على عوائد السلام الذي يتفاوض الجميع بشأنه ولانراه