بنجلاديش.. اعتقالات مسجد دكا تثير سؤال الدليل والحريات

اعتقال 23 شخصاً من مسجد كلية تجاونغ بالعاصمة دكا وإحالتهم للمحاكمة

أثارت عملية أمنية في مسجد كلية تجاونغ بالعاصمة البنغلاديشية دكا جدلاً حول الحدود الفاصلة بين مكافحة التنظيمات المتطرفة وحماية الحق في التجمع والإجراءات القانونية، بعدما اعتقلت الشرطة 23 شخصاً عقب صلاة الجمعة في 18 سبتمبر، ثم أحالت 12 منهم إلى القضاء الذي أمر بحبسهم احتياطياً ثلاثة أيام على ذمة التحقيق.

وتقول أجهزة مكافحة الإرهاب إن لديها أدلة على وجود نشاط متطرف، بينما نفى أحد الموقوفين فور الاعتقال ارتباط المجموعة بأي تنظيم محظور.

وبحسب الشرطة، جاءت المداهمة بناء على معلومات استخبارية تفيد بأن أفراداً من جماعة محظورة سيجتمعون في المسجد.

وقالت الشرطة في البداية إنها لم تكن قد حسمت هوية التنظيم أو طبيعة الاجتماع، وإن التحقيق سيحدد الخطوة التالية. ثم تغيرت الصورة بعد عرض القضية على القضاء، إذ قالت شرطة مكافحة الإرهاب إن الفحص الأولي لهواتف الموقوفين أظهر وجود مجموعة على تطبيق واتساب باسم «Meetup»، وإن المحققين وجدوا محادثات اعتبروها مرتبطة بالتطرف الديني والتنظيمات المتطرفة.

وفي 20 سبتمبر قدم وزير الداخلية صلاح الدين أحمد رواية أكثر تحديداً، فقال إن 12 من المعتقلين كانوا يخططون لإنشاء تنظيم أطلق عليه اسم «اتحاد الأمة»، وإن الهدف ـ وفق نتائج الاستجواب والفحص الجنائي للهواتف التي أعلنتها السلطات ـ كان إقامة الخلافة.

وأضاف أن 11 شخصاً آخرين لم تجد السلطات في هواتفهم أدلة كافية، فأُعيدوا إلى ذويهم. وهذه التفاصيل تظل، في هذه المرحلة، اتهامات وتحقيقات حكومية وليست أحكاماً قضائية نهائية.

وتزداد أهمية هذه النقطة بسبب اختلاف الرواية الأولية عن الرواية التي قدمتها الحكومة لاحقاً.

ففي الساعات الأولى، قال أحد الموقوفين ويدعى شهاب الدين إن أفراد المجموعة تعرفوا إلى بعضهم من خلال واتساب، وإنهم كانوا مجتمعين لمناقشة أعمال تجارية، وإنه لا يعرف حتى الشخص الجالس بجواره.

كما نقلت «ديلي ستار» عن مسؤول أمني أن الشرطة لم تكن قد حسمت وقتها المنظمة التي ينتمي إليها المعتقلون.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن رواية المعتقل صحيحة أو أن رواية السلطات خاطئة؛ فالمسألة أصبحت الآن أمام التحقيق والقضاء. لكن التباين بين الروايات يوضح أهمية إعلان الأدلة التي يمكن اختبارها قضائياً، خصوصاً عندما تكون التهمة مرتبطة بالإرهاب أو محاولة تأسيس تنظيم مسلح أو متطرف، وهي اتهامات يمكن أن تترتب عليها عقوبات شديدة وآثار اجتماعية طويلة على المتهمين وأسرهم.

وتأتي القضية في بلد خرج خلال العامين الماضيين من مرحلة سياسية وأمنية مضطربة، شهدت خلالها اعتقالات واسعة وأعمال عنف وانتهاكات حقوقية.

وتقول «هيومن رايتس ووتش» إن الحكومة الحالية تواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في مكافحة العنف والجماعات المسلحة مع ضرورة احترام ضمانات المحاكمة العادلة والإجراءات القانونية للمحتجزين. كما تشير المنظمة إلى استمرار مشكلات الاعتقال السابق للمحاكمة والعنف الأهلي والاعتداءات على أقليات دينية وعرقية.

وتحذر منظمة العفو الدولية أيضاً من أن الاعتقالات التعسفية والقيود غير الضرورية على حرية التعبير والتجمع ظلت من القضايا الحقوقية في بنغلاديش خلال المرحلة الانتقالية، وهو سياق يجعل قضية مسجد تجاونغ محل اهتمام يتجاوز الأشخاص الـ23 أنفسهم.

لكن ذلك لا يلغي في المقابل حق الدولة في ملاحقة أي شخص تثبت الأدلة مشاركته في التخطيط للعنف أو إنشاء تنظيم مسلح؛ فالخلاف الحقيقي يدور حول معيار الإثبات والإجراءات التي تسبق العقوبة.

ومن الناحية الدينية والاجتماعية، تثير القضية سؤالاً آخر يتعلق بصورة المسجد في المجتمع البنغلاديشي.

فالمساجد أماكن عبادة واجتماع وتعليم، واستخدامها ـ إذا ثبت ـ للتخطيط لنشاط عنيف يمثل انتهاكاً لوظيفتها الدينية والاجتماعية. وفي الوقت نفسه، فإن تحويل مجرد اجتماع داخل مسجد إلى قرينة تلقائية على التطرف يمكن أن يضعف الثقة بين المصلين والمؤسسات الأمنية، ولذلك تظل الأدلة المحددة هي الفاصل بين الاجتماع الديني أو الاجتماعي المشروع وبين النشاط التنظيمي المحظور.

وتشير التجربة البنغلاديشية السابقة إلى أن التشدد الديني ليس ظاهرة جديدة، لكن مواجهته ظلت مرتبطة دائماً بسؤال كيفية الفصل بين التدين المحافظ والنشاط المتطرف. وهذا الفصل ضروري للمجتمع المسلم نفسه، لأن التنظيمات العنيفة يمكن أن تستغل الخطاب الديني، بينما يؤدي الاشتباه الواسع في المتدينين أو رواد المساجد إلى نتائج اجتماعية عكسية، ويضعف تعاون المجتمع مع المؤسسات المعنية بمكافحة العنف.

ومن المنتظر أن تكون الأيام المقبلة أكثر وضوحاً، لأن قرار المحكمة بشأن الموقوفين، ونتائج فحص الأجهزة والمواد التي تقول السلطات إنها ضبطتها، ثم أي اتهامات رسمية أو إسقاط لها، ستحدد ما إذا كانت القضية تتعلق بالفعل بمحاولة إنشاء تنظيم متطرف أم أن التحقيق لم يتمكن من إثبات الاتهامات التي أعلنتها الأجهزة الأمنية.

وتكشف الواقعة في النهاية معادلة صعبة أمام بنغلاديش: الدولة تحتاج إلى أجهزة أمنية قادرة على منع التنظيمات العنيفة قبل تحولها إلى تهديد، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى إجراءات تحقيق وقضاء تجعل الاتهام قابلاً للإثبات والمراجعة. وفي مجتمع مسلم كبير مثل بنغلاديش، فإن الحفاظ على أمن المساجد وحرمتها لا ينفصل عن حماية المساجد أيضاً من أن تتحول إلى ساحات للاشتباه الجماعي أو الاستقطاب السياسي.

*المصادر:
-«ديلي ستار» البنغلاديشية، «23 شخصاً أوقفوا من مسجد كلية تجاونغ بعد اجتماع سري مزعوم»، 18 سبتمبر 2026.
-«ديلي ستار» البنغلاديشية، «المحكمة تأمر بحبس 12 شخصاً ثلاثة أيام على ذمة التحقيق»، 19 سبتمبر 2026.
-«بي دي نيوز 24»، «موقوف من المسجد يقول إن المجموعة تواصلت عبر واتساب»، 18 سبتمبر 2026.
-«بي دي نيوز 24»، «وزير الداخلية: اجتماع المسجد كان يهدف إلى تشكيل جماعة متطرفة»، 20 سبتمبر 2026.
-هيومن رايتس ووتش، ملف بنغلاديش وملخص أوضاع حقوق الإنسان، محدث 2026.
-منظمة العفو الدولية، ملف حقوق الإنسان في بنغلاديش،

اترك تعليقا