بعد هدوء العاصفة تتشكل توازنات إقليمية جديدة مركبة

مع تنامي الدور الدبلوماسي لباكستان

تشهد المنطقة الممتدة من الخليج إلى جنوب آسيا تداخلات معقدة في المصالح الاستراتيجية، خصوصاً مع تنامي الدور الدبلوماسي لباكستان في الوساطات الإقليمية، وتطور العلاقات السعودية–الإيرانية، إلى جانب التنافس الصيني–الأمريكي في إعادة تشكيل موازين القوى. وفي هذا السياق، تبرز أسئلة حول دوافع السعودية في دعم التهدئة مع إيران، ودور باكستان، واحتمالات الصراع الإقليمي وتأثيره على الهند وباكستان.

أولاً: مصالح السعودية في دعم التهدئة مع إيران

ترى المملكة العربية السعودية أن الاستقرار مع إيران يمثل أولوية استراتيجية تتجاوز الخلافات الأيديولوجية التقليدية. فبعد سنوات من التوتر، خصوصاً في اليمن والخليج، بدأت الرياض تتجه نحو سياسة “خفض التصعيد” لعدة أسباب رئيسية:

الأمن الإقليمي واستقرار الخليج:

أي مواجهة مباشرة مع إيران تهدد أمن منشآت النفط في الخليج، وممرات الشحن الحيوية مثل مضيق هرمز، وهو ما يشكل خطراً مباشراً على الاقتصاد السعودي.

رؤية 2030 والتحول الاقتصادي:

السعودية تحتاج إلى بيئة مستقرة لجذب الاستثمارات الأجنبية والسياحة، ما يجعل التصعيد العسكري مع إيران عبئاً على خططها التنموية.

تنويع العلاقات الدولية:

الرياض تتجه نحو دبلوماسية متعددة المحاور تشمل الصين والهند وباكستان، وتخفيف التوتر مع إيران يفتح المجال لتوازنات أوسع في السياسة الخارجية.

إدارة الصراع بدلاً من خوضه:

بدلاً من المواجهة المباشرة، تفضل السعودية احتواء النفوذ الإيراني عبر أدوات دبلوماسية واقتصادية.

ثانياً: لماذا تقبل السعودية ببقاء إيران كقوة إقليمية؟

رغم المخاوف التقليدية من النفوذ الإيراني، تدرك السعودية أن تجاهل إيران أو محاولة إضعافها بالكامل غير واقعي. لذلك تتبنى مقاربة براغماتية:

التوازن الإقليمي: وجود إيران كقوة يخلق نوعاً من التوازن مع قوى إقليمية أخرى مثل إسرائيل وتركيا.

تجنب الفراغ الاستراتيجي: انهيار أو إضعاف إيران قد يؤدي إلى فوضى مشابهة لما حدث في العراق بعد 2003.

إدارة النفوذ بدلاً من إلغائه: الرياض تفضل ضبط سلوك طهران عبر الحوار بدلاً من الصدام المباشر.

أمن الطاقة العالمي: استقرار إيران ينعكس على استقرار أسواق النفط، وهو عنصر حاسم للسعودية.

ثالثاً: دور باكستان.. وساطة أم اصطفاف؟

تلعب باكستان دوراً دبلوماسياً متزايداً بين الأطراف الإقليمية، خصوصاً في العلاقات مع السعودية وإيران وتركيا.

علاقات تاريخية مع السعودية: تعتمد باكستان على الدعم الاقتصادي السعودي، خصوصاً في أوقات الأزمات المالية.

علاقات جغرافية مع إيران: تشترك باكستان مع إيران في حدود طويلة وتحديات أمنية مشتركة في بلوشستان.

سياسة التوازن: تحاول إسلام آباد الحفاظ على علاقات متوازنة مع الطرفين دون الانحياز الكامل لأي محور.

ويرى محللون أن تحرك باكستان في ملفات التهدئة الإقليمية يعكس رغبتها في لعب دور “الوسيط المسلم” بدلاً من مجرد متلقٍ للمساعدات.

رابعاً: هل التحرك الباكستاني بدفع من الصين؟

الصين تُعد لاعباً مهماً في المعادلة، خصوصاً من خلال مشروع الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني (CPEC)، لكن القول إن بكين “تدير” التحرك الباكستاني بشكل مباشر فيه مبالغة.

وفق تحليلات خبراء العلاقات الدولية:

الصين تدعم الاستقرار الإقليمي لحماية استثماراتها في باكستان وإيران والخليج.

بكين لعبت دوراً في تقريب وجهات النظر السعودية–الإيرانية سابقاً عبر وساطات غير مباشرة.

باكستان تتحرك وفق مصالحها الداخلية بالدرجة الأولى، خصوصاً الأزمة الاقتصادية والحاجة للاستقرار الإقليمي.

بالتالي، يمكن القول إن الصين عامل داعم للاستقرار وليس المحرك الوحيد للسياسة الباكستانية.

خامساً: سيناريو حرب إيران وأثره على باكستان والهند

في حال اندلاع مواجهة إقليمية تشمل إيران، ستكون التداعيات كبيرة على جنوب آسيا:

على باكستان:

مخاطر أمنية حدودية: اضطراب في إقليم بلوشستان وزيادة التهريب والتوترات.

ضغط اقتصادي: ارتفاع أسعار النفط سيؤثر مباشرة على الاقتصاد الباكستاني الهش.

فرص دبلوماسية: قد تستفيد باكستان كوسيط بين الأطراف المتصارعة لتعزيز مكانتها الدولية.

على الهند:

أزمة طاقة: الهند تعتمد بشكل كبير على واردات النفط، وأي حرب سترفع الأسعار عالمياً.

مخاطر على مشروع تشابهار الإيراني: الذي يعد محوراً تجارياً هندياً في إيران.

تعقيد العلاقات مع الخليج: أي تصعيد قد يؤثر على ملايين العمالة الهندية في دول الخليج.

سادساً: ما بعد “هدوء العاصفة” – المكاسب والخسائر

باكستان:

المكاسب: تعزيز الدور الدبلوماسي، وتحسين صورتها كقوة وساطة.

الخسائر: ضغط اقتصادي وأمني إذا توسع الصراع.

الهند:

المكاسب: احتمال ارتفاع الطلب على نفط بديل من روسيا وأفريقيا.

الخسائر: اضطراب في مشاريعها الإقليمية وارتفاع كلفة الطاقة.

إيران:

المكاسب: تعزيز الخطاب الوطني والتعبئة الداخلية.

الخسائر: عزلة اقتصادية وعقوبات محتملة أوسع.

السعودية:

المكاسب: استمرار التهدئة يحقق الاستقرار الاقتصادي.

الخسائر: أي فشل في التفاهم قد يعيد التوتر إلى المربع الأول.

آراء الخبراء

يرى محللون في مراكز أبحاث دولية أن المرحلة الحالية تمثل “إعادة تموضع استراتيجي” في الشرق الأوسط، حيث تتحول الدول من منطق المواجهة إلى منطق إدارة التوازنات.

بعض الخبراء يؤكدون أن التقارب السعودي–الإيراني هو “تكتيكي” أكثر منه “استراتيجي”.

آخرون يرون أن باكستان تحاول استغلال اللحظة لتعزيز دورها الدولي وسط أزمتها الاقتصادية.

بينما يشير محللون آسيويون إلى أن الصين تسعى لتثبيت بيئة مستقرة لمبادراتها الاقتصادية العالمية.

المشهد الإقليمي الحالي لا تحكمه معادلات ثابتة، بل شبكة معقدة من المصالح المتداخلة. السعودية تتحرك نحو الاستقرار لتأمين مستقبلها الاقتصادي، وإيران تحافظ على دورها كقوة إقليمية، وباكستان تسعى لتعظيم دورها الدبلوماسي، بينما تراقب الهند والصين التطورات من منظور مصالحهما الاستراتيجية.

وفي النهاية، فإن أي تصعيد كبير سيعيد رسم خرائط النفوذ، لكن الاتجاه العام حتى الآن يميل نحو إدارة الصراعات بدل تفجيرها.

كلمات مفتاحية: