الهند: هروب رؤوس الأموال يهدد وعود مودي الاقتصادية
بعد تحول المستثمرين الأجانب إلى بيع السندات الحكومية
- السيد التيجاني
- 11 سبتمبر، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- الاقتصاد الهندي, الهند, راس المال, ناريندرا مودي, هروب المستثمرين
يشهد الاقتصاد الهندي مؤشرات متباينة تثير تساؤلات متزايدة حول مستقبل السياسات الاقتصادية التي تنتهجها حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، بعد تحول المستثمرين الأجانب إلى بيع السندات الحكومية الهندية عقب فترة من التدفقات القوية.
وتشير البيانات الحديثة إلى أن المستثمرين الأجانب باعوا سندات حكومية هندية منذ أغسطس بقيمة تقارب 9.87 مليار روبية، في تحول لافت بعد فترة شهدت تدفقات استثمارية كبيرة إلى السوق. ويرتبط هذا التحول بارتفاع العوائد العالمية وتراجع جاذبية الأسواق الناشئة، فضلاً عن قرار بلومبيرغ عدم إدراج الدين المحلي الهندي ضمن أحد مؤشرات الدين العالمية المهمة.
ضربة لثقة المستثمرين
يرى منتقدو حكومة مودي أن انسحاب رؤوس الأموال الأجنبية يعكس مشكلة أعمق من مجرد تقلبات مالية مؤقتة. فالهند، التي قدمتها الحكومة خلال السنوات الماضية باعتبارها واحدة من أسرع الاقتصادات الكبرى نمواً في العالم، تواجه ضغوطاً متزايدة بسبب ضعف الروبية وارتفاع أسعار النفط والعوائد في الأسواق المتقدمة.
وبحسب وكالة رويترز، سجلت الروبية الهندية في سبتمبر أكبر تراجع أسبوعي لها منذ أربعة أشهر، وسط مخاوف من ارتفاع أسعار النفط والعوائد العالمية، الأمر الذي دفع البنك الاحتياطي الهندي إلى التدخل لدعم العملة.
ويؤكد الصحفي الاقتصادي الهندي أبهيناف تريفيدي أن تراجع العوائد، وارتفاع تقييمات الأصول، وضعف العملة، وارتفاع الضرائب، أصبحت جميعها عوامل تقلل من شهية المستثمرين العالميين تجاه السوق الهندية.
ولا تبدو المشكلة مقتصرة على سوق السندات وحدها، إذ إن ارتفاع العوائد على السندات في الولايات المتحدة والاقتصادات المتقدمة جعل المستثمرين أكثر ميلاً إلى نقل أموالهم نحو أسواق يرون أنها أقل مخاطرة وتوفر عوائد أكثر استقراراً.
مودي بين النمو والواقع
في المقابل، ترفض الحكومة الهندية الرواية التي تصف الاقتصاد بأنه في أزمة، مشيرة إلى استمرار معدلات النمو وتحسن الاستثمار والإنفاق على البنية التحتية.
وبحسب ما ذكرته وكالة رويترز، حقق الاقتصاد الهندي نمواً بلغ 7.8 بالمئة خلال الفترة من أبريل إلى يونيو 2026، فيما ارتفع الاستثمار في قطاعات التكنولوجيا والتصنيع والبنية التحتية.
لكن الاقتصادي الهندي والمحافظ السابق للبنك الاحتياطي الهندي، دوفوري سوباراو، يقدم قراءة أكثر حذراً للمشهد الاقتصادي.
ووفق تحليل نشره صندوق النقد الدولي، حذر سوباراو من أن قصة النمو الهندية تواجه قيوداً هيكلية تتعلق بالوظائف والإنتاجية والاستثمار الخاص.
ويرى سوباراو أن ارتفاع أسعار النفط كشف هشاشة الهند أمام صدمات الطاقة الخارجية، كما أن الضغوط على الروبية وخروج رؤوس الأموال أثارت تساؤلات حول مدى قدرة الاقتصاد على الحفاظ على معدلات النمو الحالية.
ويقول إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الهند قادرة على تسجيل نمو بنسبة 6 أو 7 بالمئة، بل ما إذا كانت تستطيع تحويل هذا النمو إلى استثمار خاص مستدام وفرص عمل واسعة وتحسن حقيقي في دخول المواطنين.
الاستثمار الخاص نقطة الضعف
تتمثل إحدى أبرز المشكلات أمام حكومة مودي في استمرار الجدل حول قوة الاستثمار الخاص. فرغم الإنفاق الحكومي الضخم على الطرق والسكك الحديدية والبنية التحتية، يرى عدد من الاقتصاديين أن الدولة لا تستطيع وحدها قيادة النمو إلى الأبد.
ويشير دوفوري سوباراو، وفق ما نشره صندوق النقد الدولي، إلى أن الشركات الهندية تمتلك سيولة وأن البنوك أصبحت أكثر قدرة على الإقراض، لكن عدداً كبيراً من الشركات لا يزال متردداً في تنفيذ استثمارات طويلة الأجل بسبب عدم اليقين بشأن الطلب والسياسات والتنظيمات.
ويرى أن المستثمر لا يضخ أمواله لسنوات طويلة إلا عندما يثق باستقرار البيئة الاقتصادية والقانونية والتنظيمية.
وهنا يواجه مودي تحدياً سياسياً واقتصادياً في الوقت نفسه، فالحكومة بحاجة إلى الحفاظ على صورتها كحكومة للنمو والاستثمار، لكنها مطالبة أيضاً بإقناع المستثمرين بأن الهند توفر استقراراً طويل المدى وليس مجرد معدلات نمو مدفوعة بالإنفاق الحكومي.
الخبراء يحذرون من رأس المال المتقلب
من جانبه، قال سانديب ياداف، رئيس قطاع الدخل الثابت في شركة دي إس بي لإدارة الأصول، إن الأسواق المالية أصبحت أقل اهتماماً بأرقام الناتج المحلي الإجمالي وحدها، وأكثر اهتماماً بالتضخم والمالية العامة والتطورات الجيوسياسية.
وبحسب ما نقلته صحيفة إنديان إكسبريس الهندية، حذر ياداف من أن جاذبية الدين الحكومي الهندي للمستثمرين الأجانب تراجعت مقارنة بالفترة السابقة، مشيراً إلى أن عودة التدفقات الأجنبية إلى مستوياتها القياسية ليست أمراً مضموناً.
كما ترى مؤسسة كريسيل الاقتصادية الهندية أن الاقتصاد الهندي لا يزال يواجه مخاطر مرتبطة بالحرب في منطقة الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط والتضخم، رغم استمرار بعض مؤشرات النمو الإيجابية.
وتزداد حساسية الهند تجاه أسعار النفط باعتبارها من كبار مستوردي الطاقة في العالم، وهو ما يجعل أي ارتفاع طويل في الأسعار عبئاً مباشراً على الميزانية والتضخم وسعر العملة المحلية.
رد فعل الحكومة والبنك المركزي
تحاول حكومة مودي والبنك الاحتياطي الهندي احتواء المخاوف عبر سلسلة من الإجراءات لجذب المستثمرين الأجانب وتسهيل دخولهم إلى سوق السندات.
ووفقاً لما أعلنته الحكومة الهندية، تضمنت الإصلاحات الأخيرة تخفيف بعض القيود وتقديم مزايا للمستثمرين الأجانب في السندات الحكومية، بهدف توسيع قاعدة المستثمرين وتعزيز تدفق رؤوس الأموال طويلة الأجل.
كما تدخل البنك الاحتياطي الهندي لدعم الروبية وإدارة السيولة في الأسواق، إلا أن هذه الإجراءات تواجه اختباراً صعباً في ظل ارتفاع أسعار النفط والعوائد الأمريكية.
ويرى بعض الخبراء أن تدخل البنك المركزي قد يخفف الضغوط على العملة، لكنه لا يعالج بمفرده أسباب تراجع الثقة إذا استمرت المخاوف المتعلقة بالسياسات الاقتصادية والضرائب والاستقرار المالي.
مستقبل مودي الاقتصادي
لا يعني انسحاب المستثمرين الأجانب بالضرورة انهيار الاقتصاد الهندي، لكنه يمثل إنذاراً مهماً لحكومة مودي قبل المرحلة المقبلة.
فالسيناريو الإيجابي يعتمد على عودة الاستقرار إلى أسعار الطاقة، وتحسن الروبية، واستمرار نمو الاستثمار الخاص والصادرات. أما السيناريو الأكثر خطورة فيتمثل في استمرار ارتفاع أسعار النفط والعوائد العالمية، بما يؤدي إلى مزيد من خروج رؤوس الأموال وارتفاع تكلفة الاقتراض.
ويبدو أن مستقبل مودي الاقتصادي سيتحدد بقدرته على الانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الإنفاق الحكومي والترويج لمعدلات النمو، إلى اقتصاد أكثر قدرة على جذب الاستثمار الخاص والأجنبي بصورة مستقرة ومستدامة.
وبينما تؤكد حكومة مودي أن الهند ما زالت قوة اقتصادية صاعدة، يرسل سوق السندات رسالة مختلفة، مفادها أن المستثمرين يريدون أكثر من وعود بالنمو، ويريدون عملة مستقرة وسياسات قابلة للتوقع وعوائد قادرة على منافسة الأسواق العالمية.
وقد يكون الانسحاب الحالي للمستثمرين مجرد موجة مؤقتة مرتبطة بالظروف العالمية، لكنه في الوقت نفسه يكشف حجم التحدي الذي يواجه حكومة مودي. فالحفاظ على النمو شيء، والحفاظ على ثقة المستثمرين المحليين والأجانب شيء آخر، والنجاح في الجمع بينهما سيكون الاختبار الحقيقي لمستقبل الاقتصاد الهندي وحكومة مودي خلال المرحلة المقبلة.