“المغرب” أمام حكومة جديدة ومعارضة أقوى

تحالفات جديدة تعيد رسم خريطة السياسة المغربية

دخل “المغرب” مرحلة سياسية جديدة بعد الانتخابات التشريعية التي أجريت في 23 سبتمبر، مع انتقال حزب الأصالة والمعاصرة إلى صدارة المشهد وتكليف “فاطمة الزهراء المنصوري”، منسقة القيادة الجماعية للحزب، بتشكيل الحكومة المقبلة.

لكن الطريق إلى إعلان الأغلبية لم ينته بعد، إذ تتواصل المشاورات حول تركيبة الائتلاف وتوزيع المسؤوليات، في وقت يستعد فيه حزب العدالة والتنمية للعودة بقوة إلى المعارضة بعد مضاعفة تمثيله البرلماني أربع مرات تقريبًا.

وتكشف الخريطة الجديدة عن برلمان أكثر تعددًا، وحكومة مطالبة بتحقيق توازن بين استكمال السياسات القائمة والاستجابة لضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة.

خريطة جديدة للأغلبية..

تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات بحصوله على 97 مقعدًا من أصل 395، متقدمًا على التجمع الوطني للأحرار الذي حصد 66 مقعدًا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدًا، فالعدالة والتنمية بـ54 مقعدًا.

وأكدت وزارة الداخلية لاحقًا تطابق النتائج النهائية مع النتائج المؤقتة، ما ثبّت الخريطة البرلمانية التي ستبنى عليها مشاورات تشكيل الحكومة. وبموجب الدستور، عيّن الملك “محمد السادس” “فاطمة الزهراء المنصوري” رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيلها، لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في “المغرب”.

وبحلول 4 أكتوبر، اتضحت مواقف عدد من الأحزاب الرئيسية. فقد صادق المجلس الوطني للتجمع الوطني للأحرار على المشاركة في الحكومة، كما حسم حزب الاستقلال قراره بالمشاركة وفوّض قيادته استئناف المشاورات مع الأصالة والمعاصرة.

في المقابل، أبقت الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية والاتحاد الدستوري مساحات للتفاوض بشأن موقعها النهائي وشروط المشاركة، بينما تواصل “المنصوري” مشاوراتها مع مختلف القوى الممثلة في البرلمان.

وتمنح هذه الخريطة حزب الأصالة والمعاصرة هامشًا واسعًا لاختيار الصيغة التي تؤمن أغلبية مستقرة، مع بقاء شكل الائتلاف وتوزيع الحقائب موضع تفاوض.

عودة العدالة والتنمية..

في الجانب المقابل، اختار حزب العدالة والتنمية الاصطفاف في المعارضة، بعد أن رفع رصيده من 13 مقعدًا في انتخابات 2021 إلى 54 مقعدًا في الاستحقاق الأخير، وتمثل هذه العودة تحولًا لافتًا في موقع الحزب داخل البرلمان، بعدما كان قد تعرض لتراجع حاد في الانتخابات السابقة.

ومع وجوده خارج الحكومة، يمكن أن يتحول إلى أحد أبرز أطراف الرقابة البرلمانية والنقاش السياسي حول الأسعار والخدمات العامة والإدارة والإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية.

ولا يعني تصدر الأصالة والمعاصرة أن الحكومة المقبلة حصلت على تفويض شعبي واسع؛ فالحزب نال أقل من ربع مقاعد مجلس النواب، فيما بلغت المشاركة الانتخابية 38.02% فقط، مقارنة مع 50.86% في انتخابات 2021 و42.27% في 2016.

وتعكس هذه الأرقام اتساع الفجوة بين حجم التمثيل البرلماني ونسبة المواطنين الذين شاركوا فعليًا في اختيار ممثليهم، وإن كان من غير الدقيق اختزال انخفاض المشاركة في تفسير سياسي واحد، إذ تتداخل فيه عوامل مرتبطة بالبنية الديموغرافية والتوزيع الجغرافي وسلوك الناخبين.

وتكتسب عودة العدالة والتنمية أهمية إضافية لأنها تمنح المعارضة كتلة برلمانية أكبر من السابق، لكنها لا تعني وحدها تشكيل معارضة موحدة؛ إذ أعلن تحالف اليسار أيضًا تموضعه في المعارضة، بينما لا تزال مواقع بعض الأحزاب الأخرى مرتبطة بنتائج المشاورات.

لذلك ستتحدد قوة المعارضة الفعلية وفق شكل الأغلبية الحكومية وتماسكها، وقدرتها على تقديم بديل سياسي وبرنامجي يتجاوز مجرد انتقاد الحكومة.

اختبار الحكومة الجديدة..

يتمثل التحدي الأول أمام “المنصوري” في بناء أغلبية تتجاوز الحساب العددي للمقاعد إلى قدر من الانسجام السياسي والبرنامج، فالتحالف بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال، مثلًا، يوفر 228 مقعدًا، أي أغلبية مريحة داخل مجلس النواب.

لكنه يعيد إلى الواجهة أسئلة تتعلق بمدى استمرار التوجهات والسياسات التي طبعت المرحلة السابقة، وبكيفية توزيع النفوذ والمسؤوليات بين مكونات الائتلاف، وفي المقابل، قد تفتح مشاركة أحزاب إضافية الباب أمام أغلبية أوسع، لكنها قد تجعل عملية التفاوض وصنع القرار أكثر تعقيدًا.

ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه الحكومة المقبلة ملفات اقتصادية واجتماعية ثقيلة، من التضخم والقدرة الشرائية إلى التشغيل والخدمات العامة، إلى جانب تنفيذ استثمارات ومشروعات كبرى استعدادًا لاستضافة كأس العالم 2030.

كما سيكون عليها التعامل مع انخفاض المشاركة السياسية وإعادة جذب قطاعات من الناخبين، خصوصًا الشباب، إلى المجال العام،

ولذلك لن يكون نجاح الحكومة مرتبطًا فقط بقدرتها على تمرير القوانين داخل البرلمان، بل بقدرتها على تحويل الوعود الانتخابية إلى سياسات قابلة للتنفيذ ونتائج ملموسة.

أما على الصعيد الخارجي، فلا تظهر في التطورات السياسية المنشورة حتى 4 أكتوبر مؤشرات موثوقة على موقف إماراتي مباشر من تركيبة الحكومة المغربية المقبلة أو تحالفاتها الحزبية.

كما لا يبرز موقف إسرائيلي رسمي جديد يحدد طبيعة العلاقة مع الحكومة التي يجري تشكيلها، ومن ثم فإن ربط التحالفات الحزبية الحالية بمواقف خارجية محددة يظل بحاجة إلى أدلة مباشرة، ولا ينبغي أن يحل محل قراءة موازين القوى الداخلية.

وبذلك، لا تنحصر المعركة السياسية المغربية المقبلة في تشكيل حكومة برئاسة “فاطمة الزهراء المنصوري”، بل تمتد إلى تحديد طبيعة الائتلاف الحاكم، ومدى تماسكه، وحجم المعارضة الفعلية، وقدرة السلطة التنفيذية على استعادة الثقة السياسية وتحقيق تقدم في الملفات الاقتصادية والاجتماعية.

ومع عودة العدالة والتنمية بقوة إلى البرلمان، سيكون الاختبار الحقيقي للحكومة الجديدة هو قدرتها على تحويل التفوق العددي للأغلبية إلى استقرار سياسي ونتائج ملموسة قبل استحقاقات 2030.

اترك تعليقا