العراق يتحرك لاحتواء أزمة الوقود المتفاقمة

العلاقة بين بغداد وأربيل تمثل جانباً أساسياً من الأزمة

الرائد| تواجه الحكومة العراقية ضغوطاً متزايدة بسبب أزمة الوقود ومشتقاته التي امتدت إلى إقليم كردستان وعدد من المحافظات، في وقت بدأت فيه الأزمة تفرض نفسها على النقاش السياسي باعتبارها مشكلة تمس حياة المواطنين والخدمات والنشاط الاقتصادي.

وقال النائب الثاني لرئيس مجلس النواب العراقي فَرهاد أمين الأتروشي، في اجتماع عقده في بغداد مع وزير النفط باسم محمد خضير في 26 أغسطس، إن الاجتماع ركز بصورة أساسية على الإجراءات المطلوبة لمعالجة أزمة الوقود والمنتجات النفطية في إقليم كردستان وعدد من المحافظات العراقية، مؤكداً أن الأزمة أصبحت عبئاً متزايداً على المواطنين. 

وتكشف طبيعة الاجتماع أن المشكلة لم تعد محصورة في نقص مؤقت في محطات الوقود، وإنما أصبحت مرتبطة بآليات توزيع المنتجات النفطية وإدارة العلاقة بين الحكومة الاتحادية والإقليم، فضلاً عن قدرة مؤسسات الدولة على ضمان وصول المشتقات إلى المواطنين بصورة منتظمة.

وتأتي المفارقة في بلد يعد من كبار منتجي النفط عالمياً. فالعراق يمتلك موارد نفطية ضخمة، لكنه لا يزال يواجه مشكلات في توفير بعض المنتجات النفطية وفي كفاءة المصافي وشبكات التوزيع، ما يجعل المواطنين عرضة لأزمات لا تتناسب مع حجم الموارد التي تمتلكها الدولة.

وهذه المفارقة تطرح سؤالاً أوسع حول طبيعة إدارة الثروة النفطية. فالإيرادات النفطية الكبيرة لا تتحول تلقائياً إلى خدمات مستقرة إذا كانت البنية التحتية ضعيفة أو إذا ظلت الدولة تعتمد على استيراد بعض المشتقات أو تواجه اختناقات في التكرير والنقل والتوزيع.

وتظهر بيانات اقتصادية حديثة أن الاقتصاد العراقي لا يزال شديد الاعتماد على النفط، بينما تبلغ البطالة نحو 15.5 في المائة وفق أحدث التقديرات المتاحة، مع توقع ارتفاع الدين الحكومي إلى نحو 57 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأخير من العام. 

وتجعل هذه الأرقام معالجة أزمة الوقود أكثر حساسية. فزيادة الإنفاق الحكومي لتوفير المشتقات قد تخفف الضغط عن المواطنين، لكنها إذا تمت من دون إصلاح جذري لمنظومة الطاقة فقد تزيد العبء المالي على الدولة بدلاً من إنهاء المشكلة.

كما أن أزمة الوقود تؤثر بصورة مباشرة في قطاعات أخرى. فارتفاع كلفة النقل ينعكس على أسعار السلع، ونقص الوقود يمكن أن يرفع تكلفة تشغيل المصانع والمولدات والمحال التجارية، بينما تتحمل الأسر محدودة الدخل الجزء الأكبر من أي ارتفاع في تكاليف المعيشة.

وتبرز هنا أهمية تحسين المصافي العراقية وتقليل الفاقد والتهريب، إلى جانب تطوير شبكات التخزين والتوزيع. فالمشكلة لا تعالج فقط بضخ كميات إضافية من الوقود في السوق، بل تحتاج إلى معرفة أين تحدث الاختناقات ولماذا لا تصل المنتجات إلى المناطق التي تحتاج إليها.

كما أن العلاقة بين بغداد وأربيل تمثل جانباً أساسياً من الأزمة. فالتعامل مع إقليم كردستان في ملفات النفط والوقود يحتاج إلى ترتيبات واضحة ومستقرة تمنع تحول كل أزمة تشغيلية إلى خلاف سياسي جديد.

ويأتي ذلك في وقت تؤكد فيه القيادة السياسية العراقية أهمية بقاء السلاح تحت سيطرة الدولة وعدم جر البلاد إلى صراعات خارجية، بحسب بيان حديث لمجلس النواب العراقي حول اجتماع ائتلاف إدارة الدولة. 

ويرتبط الاستقرار الاقتصادي في العراق بصورة وثيقة بالاستقرار السياسي والأمني. فكلما اتسعت الخلافات الداخلية أو زادت المخاطر الإقليمية، أصبحت الحكومة أكثر صعوبة في تنفيذ إصلاحات طويلة الأجل في قطاع الطاقة.

لكن تحميل المواطنين وحدهم تكلفة إصلاح منظومة الوقود سيكون خياراً غير متوازن. فرفع الأسعار أو تقليص الدعم يمكن أن يكون جزءاً من إصلاح مالي إذا ترافق مع حماية واضحة للفئات الفقيرة وتحسين حقيقي في الخدمة، أما رفع التكلفة مع بقاء الاختناقات والفساد وسوء التوزيع فسوف يزيد الاحتقان من دون حل المشكلة.

وتحتاج بغداد إلى تحويل أزمة الوقود الحالية إلى فرصة لإعادة تنظيم قطاع الطاقة، عبر زيادة طاقة التكرير، وتحسين التوزيع، وتشديد الرقابة على منافذ البيع، وتطوير آليات شفافة للتعامل مع إقليم كردستان والمحافظات.

المشكلة العراقية في النهاية ليست نقص الموارد، وإنما كيفية تحويل الموارد إلى خدمة عامة مستقرة. وإذا نجحت الحكومة في معالجة أزمة الوقود من جذورها، فإنها ستعالج في الوقت نفسه جزءاً من مشكلة أوسع تتعلق بكفاءة الدولة وإدارة الثروة النفطية.

اترك تعليقا