الصين تجمع مفاتيح الشرق الأوسط.. من نفط السعودية إلى قناة السويس

ماجدة القاضي

ربما لا تكون زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة هي الخبر الأهم في قصة الصين في الشرق الأوسط هذه الأيام.

الخبر الأكثر إثارة قد يكون في السعودية.

قبل يومين، نشر موقع «Tactical Report» أن الرياض تُعد آلية تجريبية محدودة تسمح بتسوية مبيعات مختارة من النفط الخام ومعاملات غير نفطية مع الصين باليوان، مع بقاء الدولار عملة التسعير الرسمية للخام.

لا يمكن فهم الأمر أن السعودية تتخلى عن الدولار، أو ان الصين تنتزع النفط السعودي من النظام المالي الأمريكي. لكن للمرة الأولى يصبح هناك طريق آخر يجري بناؤه إلى جوار الطريق القديم الملقب بالبترودولار .

وهذا الطريق لا يمر بالسعودية وحدها.

في الإمارات، تجمع بكين بين التجارة والمال والموانئ واللوجستيات. وفي إيران، بين الطاقة والجغرافيا التي تصل الخليج بآسيا الوسطى. وفي مصر، بين الصناعة والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس ومراكز البيانات وأشباه الموصلات والمعادن الحرجة، بالتوازي مع تعاون عسكري وصل إلى تدريبات جوية مشتركة.

كل علاقة منفردة يمكن تفسيرها اقتصاديًا. لكن عندما توضع على خريطة واحدة، يظهر نمط آخر:

ماذا لو كانت الصين لا تجمع حلفاء في الشرق الأوسط، وإنما تجمع مفاتيحه؟

السعودية مفتاح للطاقة، والإمارات للتجارة والمال، ومصر لقناة السويس وإفريقيا والبحر المتوسط، وإيران للطاقة والجغرافيا.

الصين اختبرت هذا الأسلوب قبل ذلك في إفريقيا.

بين عامي 2000 و2024، وقّع مقرضون صينيون التزامات قروض بنحو 181 مليار دولار مع حكومات ومؤسسات إفريقية، تركز جانب مهم منها في النقل والطاقة والبنية الأساسية.

وإثيوبيا تقدم مثالًا كاشفًا. يتكرر أحيانًا أن الصين «موّلت سد النهضة»، وهذه مبالغة. فالتمويل الصيني الموثق المرتبط مباشرة بالمشروع بلغ 1.002 مليار دولار، لكنه لم يكن لبناء جسم السد، بل لخطوط نقل الكهرباء والمحطات اللازمة لنقل الطاقة التي ينتجها إلى الشبكة الإثيوبية.

أي أن الصين لم تمول السد نفسه، لكنها ساهمت في تمويل البنية التي تجعل الطاقة الناتجة عنه قابلة للاستخدام.

وهنا تكمن الفكرة: الصين لا تحتاج دائمًا إلى امتلاك المشروع؛ أحيانًا يكفي أن تموّل الشبكة التي تجعله يعمل.

لكن النموذج الإفريقي نفسه يتغير. فقد تراجع عصر القروض الصينية العملاقة؛ ففي 2024 لم تتجاوز الالتزامات الجديدة لإفريقيا نحو 2.1 مليار دولار، واتجهت بكين إلى تمويل أكثر انتقائية، ومشروعات أصغر، واستثمار مباشر، وأدوات مقومة باليوان.

الصين لا تنسحب من إفريقيا.

إنها تعدل طريقتها.

وهذا يعيدنا إلى مصر، حيث لا تكمن أهمية الاستثمار الصيني حول قناة السويس في حجمه فقط، بل في موقعه. فالمصنع الصيني هناك يقف بجوار أحد أهم طرق التجارة في العالم، قريبًا من أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط، ويستطيع الاستفادة من شبكة الاتفاقيات التجارية المصرية.

أي أن مصر يمكن أن تتحول تدريجيًا من سوق تبيع لها الصين منتجاتها إلى منصة تنتج الصين من خلالها للأسواق المحيطة.

لكن شي جين بينغ لم يأت إلى القاهرة من أجل المصانع وحدها. خلال الزيارة دعا إلى التفكير في إطار أمني إقليمي جديد للشرق الأوسط، في وقت تتعرض فيه البنية الأمنية القديمة لضغط شديد بفعل الحرب واضطراب طرق الملاحة.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا:

هل الاقتصاد مقدمة لنفوذ سياسي وأمني صيني؟

ربما. ..لكن المفارقة أن الصين قد لا تحتاج الآن إلى منافسة أمريكا في الوظيفة الأمنية نفسها.

فمهما اتسع النفوذ الصيني، لا تزال الولايات المتحدة صاحبة القواعد والأساطيل وشبكات الدفاع والإنذار، والقوة الخارجية الأكثر قدرة على التدخل العسكري وحماية حلفائها وطرق الملاحة.

تتحمل واشنطن جانبًا كبيرًا من تكلفة أمن الخليج والممرات البحرية، بينما تمر في هذه الممرات ناقلات النفط المتجهة إلى الصين والسفن المحملة بالبضائع الصينية.

وبينما تحمي الولايات المتحدة الطريق، تستطيع بكين أن تعرض ما فوقه:مصنع ، ميناء ، طاقة .تمويل ، تكنولوجيا

وهذا لا يعني أن بكين ستظل بعيدة عن ملعب الأمن. بل إن حديث شي عن إطار أمني جديد يجعل هذا السؤال مفتوحًا. لكن حتى الآن تبدو المفارقة واضحة:

أمريكا تتحمل جانبًا كبيرًا من تكلفة النظام الأمني، والصين تستفيد من جزء متزايد من عوائد النظام الاقتصادي.

لذلك يصبح القلق الأمريكي أكثر دقة. الخطر ليس أن تستيقظ واشنطن فتجد مصر أو السعودية أو الإمارات قد انتقلت إلى «المعسكر الصيني».

الخطر الحقيقي هو انتهاء فكرة المعسكر الحصري.

أن تحتفظ السعودية بمظلتها الأمنية الأمريكية، بينما تكون الصين سوقًا رئيسية لنفطها، وتستطيع تسوية جزء من تجارتها معها باليوان.

وأن تظل مصر شريكًا عسكريًا مهمًا لواشنطن، بينما تتوسع الشركات الصينية حول قناة السويس، وتجري القاهرة تدريبات عسكرية مشتركة مع بكين، وتنوّع مصادر التكنولوجيا والسلاح.

وأن تحتفظ الإمارات بعلاقاتها الأمنية الغربية، بينما تصبح عقدة مهمة في التجارة والمال واللوجستيات الصينية.

هذا الشرق الأوسط لن يكون «صينيًا». لكنه لن يكون أيضًا شرق أوسط تستطيع فيه واشنطن أن تقول:

ليس أمامكم خيار آخر.

إذا تعثر التمويل الغربي، توجد الصين. وإذا قُيدت التكنولوجيا، توجد بدائل. وإذا أصبحت صفقة السلاح مشروطة أكثر مما ترغب دولة ما، يمكنها تنويع الموردين. وإذا ظل الدولار العملة الرئيسية — وهو كذلك بفارق كبير — فإن وجود مسارات أخرى للتسوية يمنح الدول هامشًا إضافيًا للمناورة.

لا يعني ذلك نهاية النفوذ الأمريكي.

بل شيئًا آخر :

ارتفاع تكلفة استخدام هذا النفوذ للضغط.

وهنا نفهم لماذا يستحق خبر صغير عن تسوية بعض النفط السعودي باليوان أن يوضع بجوار زيارة شي إلى مصر.

الصين لا تحتاج إلى امتلاك قناة السويس، ولا إلى تحويل السعودية إلى حليف، ولا إلى السيطرة على موانئ الخليج، ولا حتى إلى أن يحل اليوان محل الدولار.

يكفي أن تبني طريقًا ثانيًا بجوار كل طريق تهيمن عليه قوة أخرى.

فالنفوذ لا يعني دائمًا أن تحل محل القوة التي سبقتك.

أحيانًا يكفي أن تنهي احتكارها.

الصين لا تحتاج إلى بناء شرق أوسط صيني؛ يكفيها أن تساعد في بناء شرق أوسط لا تستطيع الولايات المتحدة أن تكون فيه الخيار الوحيد.

ويبقى السؤال الأصعب لنا نحن:

هل تستخدم دول المنطقة هذا التنافس لتوسيع استقلال قرارها، أم تستبدل اعتمادًا على قوة واحدة بشبكة أكثر تعقيدًا من الاعتماد على الجميع؟

اترك تعليقا