السيسي وقراءة متعجلة لأسباب اغتيال السادات

جمال سلطان

تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة أمس في عدة مواضيع، كلها مهمة، وذات دلالة على فكر القيادة المصرية الحالي والمستقبلي، وأنا هنا أتوقف عند ما قاله الرئيس عن تجربة الرئيس أنور السادات رحمه الله، حيث قال ما نصه: “أحد السياسيين كان قد أشار على الرئيس الراحل أنور السادات بالإفراج عن عناصر التيار الديني من السجون لمواجهة تيار سياسي آخر كان فاعلا على الساحة المصرية آنذاك، وهي الخطوة التي أفضت، في نهاية المطاف، إلى اغتيال الرئيس السادات”.
فهل هذه القراءة لما حدث في تجربة السادات قراءة سليمة، وصحيحة، أم أنها مشوبة بالعجلة وبعيدة عن الدقة؟.

أولا ، علينا أن نتذكر أن الذين قتلوا السادات لم يكونوا هم الذين أفرج عنهم السادات في العام 1971 وما بعده، الذين قتلوا السادات كانوا أطفالا عندما تولى السادات الحكم وأفرج عن المعتقلين والمساجين السياسيين، وجميعهم لم يدخلوا السجون أساسا قبل ذلك، وبالتالي فتصور أن من أفرج عنهم قبل ذلك هم الذين قتلوه في النهاية ليس صحيحا، وليس منطقيا، هذا جيل جديد ولد في أتون أحداث جديدة وجهت أفكاره واختياراته.

ثانيا، أن الرئيس حسني مبارك عندما بدأ حكمه بعد اغتيال السادات، قام بالفعل نفسه الذي قام به السادات عندما بدأ حكمه ، حيث أفرج عن جميع القيادات الإسلامية والدعاة والمشاهير من الإسلاميين، باستثناء التنظيم الذي تورط في عملية الاغتيال وما لحق بها، بل وأكثر من ذلك، فتح مبارك المجال واسعا أمام من أفرج عنهم من السجون لكي يشاركوا في الحياة السياسية، وأكبر حضور برلماني للإخوان ـ باستثناء فترة ثورة يناير ـ كان في عهد مبارك الأول، وعلى الرغم من أن الجماعة لم تكن قانونية، بل أكثر من ذلك أن مبارك قام بعد ذلك بالإفراج عن قيادات وأعضاء الجماعة الإسلامية التي تورطت في مواجهات مسلحة مع الشرطة طوال عشر سنوات تقريبا، وروعوا البلاد وقتلوا المئات من الضباط والجنود والسياح، ونجح بعض القادة الأمنيين في تفكيك تلك المجموعات بذكاء مهني كبير، وأجريت مراجعات فكرية انتهت باعتذارهم عما جرى، وإعلانهم تصحيح أفكارهم في كتب منشورة ومحاضرات مسجلة، على إثرها قام مبارك بفتح أبواب السجون وأطلق سراح عشرات الآلاف من عناصر هذه الجماعة، بمن فيهم حتى من حملوا السلاح، وثبت أن رهانه كان صحيحا، فلم تحمل هذه الجماعة السلاح من يومها أبدا، ولم تشارك في أي أعمال عنف ضد الدولة، لا في عهده ولا فيما تلاه.

ثالثا، أن الكراهية التي حدثت للسادات رحمه الله في آخر عهده، وأدت إلى مقتله، لم تكن مرتبطة أبدا بإفراجه عن الإسلاميين الذين اعتقلهم عبد الناصر في الستينات، ولا حتى مرتبطة بفكر ديني ولا غير ديني، وإنما كانت متصلة بمواقف سياسية صادمة وعنيفة مثل اتفاقيات التطبيع ورفع العلم الإسرائيلي في القاهرة، وقد أثارت غضب الشارع المصري كله، اليساري والليبرالي والقومي والإسلامي، كما كان الخطأ الكبير للسادات أنه في عامه الأخير قام بحملة اعتقالات عصبية شملت جميع التيارات، بمن فيهم وزراء وقادة أحزاب وشخصيات إعلامية كبيرة، مثل محمد حسنين هيكل، ومثل فؤاد سراج الدين، ومثل الوزير محمد حلمي مراد، وكثيرين، كما كان عنيفا للغاية في شتم بعضهم على منصة البرلمان في خطابه الشهير، وكل ذلك أشعل ثورة غاضبة شحنت قلوب كثيرين.

وإذا كان شباب محسوب على التيار الإسلامي هو الذي قام بعملية الاغتيال، فلا يمكن أن ننكر أن العملية قوبلت بترحيب كبير من تيارات يسارية وناصرية وغيرها، حتى أن بعضهم ـ مثل الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي ـ أنشأ قصيدة كاملة يتغزل فيها في الضابط خالد الإسلامبولي الذي قاد عملية اغتيال السادات، اعتذر عنها بعد ذلك، كما قاد العقيد القذافي بنفسه مظاهرات في شوارع طرابلس الغرب تمجيدا للإسلامبولي وما فعله.

فالذي أدى إلى مقتل السادات لم يكن إفراجه عن المسجونين قبل أحد عشر عاما من مقتله، بل كانت أخطاء سياسية فادحة، أثارت هياجا واسعا في مصر وخارجها، ولم يحسب لها حسابا، ولو لم يفعلها شاب متدين كان سيفكر فيها آخرون بالتأكيد، ولا يعني ذلك تبريرا لها، فهي عمل أحمق وخطير وجريمة غير مشروعة، لكننا نحلل الظروف التاريخية التي حدثت فيها واقعة الاغتيال، ويذكر أن مصر بعد الحادثة بسنوات قليلة شهدت مولد تنظيم يساري سري مسلح يقوده خالد عبد الناصر، نجل الرئيس جمال عبد الناصر، ومحمود نور الدين، وقام بعدة عمليات اغتيال وسط القاهرة، لشخصيات إسرائيلية وأمريكية، واثار فزعا كبيرا في مصر، قبل أن يتم ضبط عناصره وتقديمهم للمحاكمة في قضية “ثورة مصر” الشهيرة، أي أن فكرة استخدام العنف كأداة للتعبير السياسي لم تكن حكرا على التيار الإسلامي وحده، ولا أنها تتولد تلقائيا من الأفكار الدينية، وإنما الذي يصنعها هو المناخ السياسي وظروف الواقع، فهو أقوى من أي فكر واشد تأثيرا.

كما لا ننسى أن أخطر حادث تعرض له نظام حكم السادات، قبل حادث الاغتيال، لم يكن الإسلاميون طرفا فيه، وهو أحداث 17، 18 يناير 1977، والذي احترقت فيه القاهرة واهتزت أركان الحكم بعنف، وهرب السادات إلى أسوان تحسبا للأسوأ، فهذه الانتفاضة الخطيرة أشعلها أحزاب يسارية ومنظمات يسارية بسبب قرارات اقتصادية قاسية، ولم يشارك فيها أي جماعة إسلامية.

ليس هذا دفاعا عن الجماعات الإسلامية، فأنا قلت من قبل ـ وأؤكد ـ أنه من الضروري حل تلك الجماعات كلها، لأن وجودها لا يتفق مع الدولة الوطنية الحديثة، ولا يستقيم مع دولة القانون والمؤسسات، وأنها كانت صفحة تاريخية آن لها أن تطوى، وتخرج من الفضاء السياسي بكامله، ومن أراد من عناصرها الانخراط في العمل العام، السياسي أو غيره، يكون من خلال الأحزاب السياسية الشرعية أو الجمعيات المتخصصة التي تشرف عليها الدولة، لكن القصد هنا أن تصور أن اغتيال السادات عام 1981 كان نتيجة لإفراجه عن الإسلاميين في العام 1971 هو تصور غير سليم، ويشوبه التعجل في التقدير، ويجافي المنطق وتسلسل الأحداث، كما أنه يمنع صاحب القرار من قراءة الواقع قراءة دقيقة، وبالتالي اتخاذ القرارات وفق معطيات الواقع وتحدياته، وليس وفق قراءات تاريخية متعجلة.

اترك تعليقا