التعاون الأمني الصيني الباكستاني يتجاوز التدريب

آفاق جديدة للتحالف الأمني بين بكين وإسلام آباد

الرائد// لم يعد التحالف بين بكين وإسلام آباد مجرد شراكة دبلوماسية تقليدية، بل تحول إلى ما يصفه البلدان بـ “الأخوة الحديدية”. واليوم، يمر هذا التحالف بـمنعطف تاريخي يتجاوز فيه التعاون الأمني بروتوكولات التدريب العسكري والمناورات الروتينية. ومع تصاعد التهديدات الإقليمية والمخاطر التي تحيط بالمشاريع الاقتصادية الكبرى، تندفع الصين وباكستان نحو صياغة عقيدة أمنية مشتركة تقوم على العمليات الميدانية المنسقة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية اللحظية، وتطوير منظومات الردع. هذا التحول النوعي يعيد رسم التوازنات الجيوسياسية في جنوب آسيا، ويؤسس لمرحلة جديدة من النفوذ المشترك في مواجهة التحديات الأمنية المعقدة.

فقد أعلنت باكستان والصين في 16 سبتمبر إنشاء مركز متخصص لإنفاذ القانون وتوسيع التعاون في تدريب الشرطة ومكافحة الإرهاب والمخدرات وتبادل المعدات والتقنيات. وجاء الإعلان بعد اجتماع وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي مع نائب وزير الأمن العام الصيني غاو تشي، في وقت تواجه فيه إسلام آباد تصاعدًا في التهديدات المسلحة على حدودها مع أفغانستان.

لكن أهمية الخبر لا تكمن في إنشاء مركز تدريبي جديد فقط، بل في انتقال التعاون الصيني الباكستاني إلى مجال أكثر حساسية: بناء قدرات أجهزة الأمن الداخلي وتبادل التكنولوجيا والمعلومات.

وتأتي الخطوة في توقيت تواجه فيه باكستان ضغوطًا أمنية متزايدة. فقد أبلغ المندوب الباكستاني لدى مجلس الأمن في 16 سبتمبر بأن بلاده ستحتفظ بحق الرد دفاعًا عن النفس على الهجمات التي تنطلق من الأراضي الأفغانية، بينما تستمر إسلام آباد في اتهام حركة طالبان باكستان باستخدام ملاذات داخل أفغانستان. وهذا يجعل تطوير الشرطة والأجهزة المختصة بمكافحة الإرهاب أولوية عملية للحكومة، وليس مجرد تعاون سياسي مع بكين.

غير أن الباحث الباكستاني إيماز خان، المتخصص في شؤون الأمن الإقليمي، يرى أن العلاقة الأمنية بين البلدين يجب فهمها ضمن الاعتماد المتبادل الذي نشأ حول الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني؛ فحماية العمال والمنشآت الصينية في باكستان أصبحت جزءًا من الأمن القومي للبلدين، بعدما تعرض مواطنون ومشروعات صينية لهجمات في السنوات الماضية. وهذه النقطة تفسر لماذا أصبح الأمن الداخلي جزءًا متزايدًا من الشراكة الصينية الباكستانية، وليس ملفًا منفصلًا عن الاقتصاد.

ويكشف تاريخ الهجمات على المصالح الصينية أن المشكلة ليست افتراضية. فقد استهدفت هجمات مسلحة خلال السنوات الأخيرة مشاريع مرتبطة بالممر الاقتصادي، ما دفع بكين إلى مطالبة إسلام آباد مرارًا بتحسين حماية مواطنيها ومشروعاتها. ولذلك فإن تدريب الشرطة وتطوير قدراتها في التحقيق ومكافحة الإرهاب يمكن أن يخدم مصلحة باكستان الداخلية، وفي الوقت نفسه يطمئن المستثمر الصيني.

لكن الجانب الآخر من الصورة يتعلق بطبيعة التكنولوجيا التي ستدخل إلى أجهزة إنفاذ القانون. فالمعلن يتحدث عن تقنيات حديثة ومعدات وتعاون تدريبي، بينما تثير المنظومات الرقمية الأمنية دائمًا أسئلة حول البيانات والخصوصية وآليات الرقابة القضائية.

وهنا تأتي أهمية موقف فرحان بوخاري، المحلل المتخصص في الشؤون الباكستانية، الذي ركز في تحليلاته خلال السنوات الأخيرة على أن توسيع أدوات الدولة الأمنية لا يحل وحده جذور مشكلة التطرف، لأن معالجة العنف تتطلب أيضًا إصلاحًا سياسيًا واقتصاديًا ومؤسسيًا، وليس الاعتماد على الإجراءات الأمنية وحدها. هذه الملاحظة مهمة في الحالة الباكستانية تحديدًا، لأن البلاد جربت خلال فترات مختلفة توسيع المقاربة الأمنية دون أن يؤدي ذلك إلى إنهاء التهديد المسلح بصورة نهائية.

ومن الجانب الصيني، يمكن قراءة المشروع باعتباره امتدادًا لسياسة أوسع تقوم على تصدير الخبرة الأمنية والتقنية إلى الدول الشريكة. وتتمتع الصين بخبرة كبيرة في تدريب أجهزة الشرطة واستخدام أنظمة المراقبة والتحليل الرقمي، ولذلك فإن التعاون مع باكستان قد يتحول مستقبلًا إلى نموذج أكثر اتساعًا إذا أثبت نجاحه.

لكن هناك حساسية سياسية لا يمكن تجاهلها. فباكستان لا تريد أن تظهر وكأنها أصبحت مرتبطة أمنيًا ببكين على حساب علاقاتها مع واشنطن. وهذا مهم خصوصًا أن إسلام آباد وقعت في 16 سبتمبر مذكرة تفاهم مع شركة أمريكية لتطوير التعاون في مجال الطائرات المسيّرة، ما يكشف أنها تتحرك في الوقت نفسه بين شراكات أمنية مع الصين والولايات المتحدة، بدل الانحياز الكامل إلى أحدهما.

وهذا التوازن يضع باكستان أمام معادلة معقدة: الصين تقدم خبرة واسعة في الأمن الداخلي والبنية التقنية، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى استعادة جزء من التعاون الدفاعي مع إسلام آباد. وبالتالي فإن تعدد الشركاء قد يمنح باكستان مجالًا أوسع للمناورة، لكنه يفرض عليها أيضًا إدارة حساسيات التنافس بين القوتين.

أما بالنسبة إلى المجتمع الباكستاني، فالسؤال الأكثر أهمية سيكون: هل تؤدي التكنولوجيا الجديدة إلى شرطة أكثر كفاءة في مواجهة الإرهاب والجريمة، أم إلى توسيع أدوات المراقبة دون رقابة كافية؟ الإجابة ستتوقف على القوانين التي تنظم استخدام البيانات، والجهة التي تشرف على الأنظمة، وإمكانية خضوعها للمساءلة القضائية.

لذلك فإن إنشاء المركز الصيني الباكستاني لا ينبغي اختزاله في عنوان «تعاون أمني». إنه اختبار لطريقة بناء الدولة الأمنية في باكستان، ولقدرة إسلام آباد على الاستفادة من التكنولوجيا والخبرة الأجنبية مع الحفاظ على استقلال مؤسساتها وحقوق مواطنيها. وإذا نجحت التجربة في تحسين مكافحة الإرهاب وحماية المنشآت من دون توسع غير منضبط في المراقبة، فقد تصبح نموذجًا للتعاون الأمني. أما إذا غابت الضمانات القانونية، فسيصبح الجدل حول الخصوصية والحريات جزءًا أساسيًا من نتائج المشروع.

المصادر: وزارة الداخلية الباكستانية، 16 سبتمبر 2026؛ مجلس الأمن الدولي، جلسة أفغانستان، 16 سبتمبر 2026؛ وكالة رويترز، 16 سبتمبر 2026؛ صحيفة «دون» الباكستانية، سبتمبر 2026؛ تحليلات إيماز خان وفرحان بوخاري حول الأمن الباكستاني والعلاقات مع الصين.

اترك تعليقا