الاحتجاجات الفرنسية تكشف أزمة مجتمع الاستهلاك

بينوا هايلبرون /صحيفة لوموند

لا يمكن فهم أعمال النهب التي شهدتها متاجر فرنسية في 17 أكتوبر بمجرد اعتبارها اعتداءً على العلامات التجارية الفاخرة أو تعبيرًا عن العداء للأثرياء. فقد شملت المتاجر المستهدفة محال للسلع الفاخرة، ومتاجر للأجهزة الإلكترونية والملابس الرياضية، ومتاجر تبيع الأغذية ومنتجات النظافة.

هذا التنوع، في رأي بينوا هايلبرون، يكشف أن المسألة أوسع من الغضب تجاه مظاهر الثراء. إنها ترتبط بمجتمع جعل الاستهلاك إحدى الوسائل الرئيسية التي يشعر من خلالها الأفراد بأنهم جزء من الحياة الاجتماعية.

فالمجتمع المعاصر لا يكتفي بعرض السلع، بل يربطها بالنجاح والمكانة والحرية والقدرة على الاختيار. ويصبح امتلاك المنتجات وسيلة لإظهار المكانة الاجتماعية وتحسين صورة الفرد أمام الآخرين.

وقد ساعد هذا النظام، على مدى سنوات طويلة، في تخفيف الشعور بالتفاوت الاجتماعي. فحين يصعب تغيير الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية، يستطيع الفرد أن يحاول تحسين موقعه من خلال العمل أكثر، أو شراء منتجات أفضل، أو الاستفادة من الائتمان والعروض التجارية.

لكن هذه الآلية تفقد فاعليتها عندما يستمر المجتمع في تشجيع الرغبات الاستهلاكية، بينما تتقلص قدرة الناس على تحقيقها.

فالإعلانات وواجهات المتاجر والشاشات تواصل عرض أنماط الحياة المرغوبة، في الوقت الذي تستهلك فيه نفقات السكن والصحة والنقل والغذاء نسبة متزايدة من دخول الأسر. وهكذا تصبح السلع متاحة من الناحية النظرية، لكنها بعيدة عن متناول قطاعات من المجتمع.

ويرى الكاتب أن اختزال الأزمة في مفهوم «القدرة الشرائية» قد يحجب جانبًا مهمًا منها. فالمشكلة ليست فقط أن بعض الناس أصبحوا يشترون كميات أقل، وإنما أن شعورهم بالكرامة والانتماء الاجتماعي بات مرتبطًا بقدرتهم على شراء ما يشتريه الآخرون.

وعندما يعجز الاستهلاك عن أداء دوره في تخفيف الإحباط، قد تتحول الأماكن التي تعرض السلع إلى ساحات للمواجهة بدلًا من أن تكون وسيلة للاندماج الاجتماعي.

ولا يعني هذا التفسير تبرير النهب أو العنف، بل محاولة فهم الظروف التي تساعد على ظهورهما. ففهم الأسباب الاجتماعية لا يلغي المسؤولية القانونية عن ارتكاب الجرائم، لكنه يوضح حدود المعالجة الأمنية وحدها.

ويخلص هايلبرون إلى أن الحل لا ينبغي أن يقتصر على تشجيع الناس على الإنفاق. المطلوب أيضًا تقليل اعتماد الاندماج الاجتماعي على القدرة على الشراء، من خلال إتاحة السكن والثقافة والرعاية الصحية والتنقل والترفيه بصورة لا تجعل الحصول عليها مرهونًا بالكامل بالدخل.

فالمجتمع الأكثر تماسكًا هو الذي يمنح أفراده شعورًا بالانتماء والاعتراف الاجتماعي، حتى عندما لا يستطيعون مجاراة أنماط الاستهلاك السائدة.

الكاتب: بينوا هايلبرون، أستاذ التسويق في مدرسة «إي إس سي بي» للأعمال وباحث في علوم الإدارة.
المصدر: صحيفة Le Monde، 24 أكتوبر 2026.

اترك تعليقا