«ادرس في مصر» تستهدف قفزة بالطلاب الوافدين
خطة لجذب مزيد من الطلاب والعملات الأجنبية
- محمود الشاذلي
- 25 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات
- ادرس في مصر, الجامعات المصرية, الطلاب الوافدين
«ادرس في مصر» تستهدف قفزة بالطلاب الوافدين
القاهرة تسعى لتسريع التأشيرات والقبول وتسويق جامعاتها دولياً لجذب مزيد من الطلاب والعملات الأجنبية
تسعى مصر إلى إعادة تنظيم سوق التعليم الدولي لديها، مستفيدة من قاعدة كبيرة من الطلاب الوافدين الذين يدرسون بالفعل في جامعاتها، ومن التوسع الذي شهدته منظومة التعليم العالي خلال السنوات الماضية.
وفي أحدث تحرك حكومي بهذا الاتجاه، عقد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي اجتماعاً لمتابعة تطوير منظومة الطلاب الوافدين، ووجّه بتقديم مزيد من التيسيرات، خصوصاً في إجراءات الحصول على تأشيرات الدراسة والقبول بالجامعات، مع العمل على تقليل زمن الموافقات وتوحيد المسارات بين الجهات الحكومية والمؤسسات الجامعية.
وتأتي هذه الإجراءات ضمن إعادة تنشيط مبادرة «ادرس في مصر»، التي تحولت من برنامج للتعريف بالجامعات المصرية واستقبال الطلاب الأجانب إلى جزء من استراتيجية أوسع تستهدف زيادة العائد الاقتصادي من التعليم الدولي.
150% خلال خمس سنوات
وتضع وزارة التعليم العالي هدفاً لافتاً يتمثل في زيادة أعداد الطلاب الوافدين الجدد بنسبة تصل إلى 150 في المائة خلال السنوات الخمس المقبلة.
ولتحقيق هذا الهدف، تتجه الوزارة إلى استهداف أسواق جديدة، والتوسع في المعارض والفعاليات الدولية، وتعزيز دور المكاتب الثقافية والمراكز الإقليمية والأفرع الخارجية للجامعات المصرية، إضافة إلى إعداد برامج أكاديمية وحزم تعليمية وخطط تسويقية مخصصة للأسواق المستهدفة.
ولا تنظر الحكومة إلى هذه الخطوة باعتبارها منافسة تعليمية فحسب، إذ يرتبط استقطاب الطلاب الوافدين بعائد اقتصادي مباشر يتمثل في الرسوم الدراسية والإنفاق على السكن والنقل والخدمات والمعيشة، إلى جانب عائد غير مباشر يتمثل في توسيع العلاقات العلمية والثقافية المصرية مع الدول التي يأتي منها هؤلاء الطلاب.
قوة ناعمة وعائد اقتصادي
وأكد رئيس الوزراء أن منظومة الطلاب الوافدين تمثل أداة من أدوات القوة الناعمة المصرية، نظراً إلى ما توفره من روابط ثقافية وعلمية مع دول مختلفة، فضلاً عن مساهمتها في جذب العملة الصعبة.
وهذه الرؤية ليست جديدة في السياسة التعليمية المصرية؛ فمنذ إطلاق «ادرس في مصر» عام 2019، أعلنت وزارة التعليم العالي أن الهدف يتجاوز تسهيل إجراءات التقديم إلى بناء منظومة أكثر قدرة على جذب الطلاب الأجانب والترويج للتعليم المصري في الخارج.
وشهدت المبادرة منذ بدايتها اعتماد خدمات إلكترونية للتقديم والتعريف بالمؤسسات التعليمية، إلى جانب إجراءات لتسهيل استقبال ملفات الطلاب والتواصل معهم، وتنظيم معارض دولية للترويج للجامعات المصرية.
قاعدة طلابية واسعة
وتملك مصر بالفعل قاعدة مهمة يمكن البناء عليها.
وبحسب أحمد عبد الغني، رئيس الإدارة المركزية لشؤون الطلاب الوافدين، يبلغ عدد الطلاب الوافدين في الجامعات التابعة لوزارة التعليم العالي نحو 138 ألف طالب، إضافة إلى نحو 60 ألفاً في جامعة الأزهر، فيما ينتمي الطلاب إلى أكثر من 120 دولة.
وتمنح هذه الأرقام القاهرة نقطة انطلاق قوية لتنفيذ خطتها الجديدة، خصوصاً أن الطلب على بعض التخصصات المصرية يأتي من أسواق محددة بصورة واضحة.
ويبرز الطب والهندسة ضمن أكثر التخصصات جذباً للطلاب من الهند ونيبال وباكستان، فيما تظهر تخصصات الطاقة والمجالات التقنية ضمن اهتمامات طلاب من ماليزيا وآسيا الوسطى، بينما تمثل نيجيريا سوقاً رئيسية للطلاب الراغبين في دراسة الطب.
وهذا التوزيع يتيح للجامعات المصرية تطوير استراتيجيات تسويق أكثر تحديداً، بدلاً من الاعتماد على حملة عامة تستهدف جميع الأسواق بالأسلوب نفسه.
معركة البيروقراطية
ويبدو أن الحكومة ترى أن سرعة الإجراءات أصبحت عاملاً حاسماً في المنافسة على الطالب الدولي.
فخلال الاجتماع الأخير، جرى التركيز على توحيد مسارات القبول والموافقة بين الوزارة والجامعات، وتقليل الوقت اللازم لإنهاء الإجراءات، بالتوازي مع تسهيل الحصول على التأشيرات.
وتشارك وزارة الخارجية في هذه العملية من خلال قطاع العلاقات الثقافية، الذي أكد دعمه للمبادرة والعمل على تنفيذ الإجراءات اللازمة لتيسير حصول الطلاب على التأشيرات.
ويمثل هذا الجانب أهمية خاصة، لأن الطالب الدولي لا يقارن فقط بين الرسوم وجودة التعليم، وإنما ينظر أيضاً إلى سهولة التقديم والحصول على التأشيرة وسرعة إصدار الموافقات والخدمات التي يحصل عليها بعد الوصول.
الجامعات المصرية في الخارج
ولا تتوقف الاستراتيجية عند استقبال الطلاب داخل مصر.
فوزارة التعليم العالي تستهدف أيضاً التوسع في إتاحة فروع للجامعات المصرية بالخارج، مع مستهدف يصل إلى 30 ألف طالب خلال السنوات الخمس المقبلة، بما يوسع حضور التعليم المصري في الأسواق الخارجية ويخلق قنوات جديدة للتواصل الأكاديمي.
ويعني ذلك أن السياسة الجديدة تتحرك في مسارين متوازيين: جذب الطلاب إلى مصر، وتوسيع حضور المؤسسات التعليمية المصرية خارج البلاد.
التحدي: الجودة والطاقة الاستيعابية
لكن رفع أعداد الوافدين لا يخلو من تحديات.
فزيادة أعداد الطلاب الأجانب يجب أن تترافق مع الحفاظ على قدرة الجامعات على توفير تعليم وخدمات بمستوى مناسب، كما يتعين تحقيق توازن بين احتياجات الطلاب الوافدين واحتياجات الطلاب المصريين.
ويكتسب الأمر حساسية خاصة في التخصصات الطبية والهندسية، التي ترتبط مباشرة باحتياجات سوق العمل المصرية. ولذلك فإن التوسع الكمي وحده لن يكون كافياً؛ فالمنافسة على الطالب الدولي تتطلب أيضاً برامج أكاديمية قوية، وخدمات جامعية أكثر كفاءة، وتسويقاً دولياً مستمراً.
وفي النهاية، تعكس التحركات الحكومية تحول التعليم الدولي إلى ملف اقتصادي ودبلوماسي في الوقت نفسه. فمصر لا تستهدف فقط زيادة أعداد الطلاب الوافدين، وإنما تسعى إلى بناء منظومة قادرة على جذب مزيد من الإنفاق الأجنبي، وتعزيز حضور الجامعات المصرية دولياً، وتحويل خريجيها الأجانب إلى جسور مستمرة للعلاقات العلمية والثقافية مع بلدانهم.
وتبقى نسبة الـ150 في المائة المستهدفة خلال خمس سنوات اختباراً حقيقياً لقدرة هذه المنظومة على الانتقال من مرحلة جذب الطلاب إلى مرحلة المنافسة الفعلية في سوق التعليم الدولي.