«إندونيسيا» تختبر «بصمة الوجه» لصرف الدعم
هل تنقذ الرقمنة أموال المستحقين من أخطاء البيانات؟
- معاذ علي
- 19 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات, تكنولوجيا
- إندونيسيا, التطور التكنولوجي, تكنولوجيا
تدخل “إندونيسيا” مرحلة جديدة في رقمنة منظومة الحماية الاجتماعية، مع توسع تجربة استخدام التعرف على الوجه والتحقق البيومتري لتسجيل المتقدمين للحصول على المساعدات الاجتماعية والتحقق من هوياتهم، وتقول الحكومة إن الخطوة تستهدف تبسيط إجراءات التسجيل، وتحسين دقة بيانات المستفيدين، والحد من الأخطاء والتسجيلات المكررة، ضمن مشروع «الحماية الاجتماعية الرقمية» Perlinsos Digital، لكن التكنولوجيا تدخل الاختبار في وقت تواجه فيه منظومة الدعم نفسها مشكلة أكثر جوهرية تتعلق بدقة البيانات التي تستند إليها قرارات الاستحقاق.
اختبار الوجه.. والبيانات في مرمى التدقيق..
وبحسب أحدث المعلومات الصادرة في 18 سبتمبر، لا يزال النظام في مرحلة التجربة ولم يتحول إلى آلية إلزامية لجميع المستفيدين في أنحاء البلاد، ويتيح النظام استخدام رقم الهوية الوطنية NIK والهوية السكانية الرقمية IKD إلى جانب التحقق البيومتري بالوجه، فيما يمكن للمواطنين الذين لا يملكون هوية رقمية نشطة أو يحتاجون إلى مساعدة الاستعانة بوكلاء أو مرافقين خلال إجراءات التسجيل.
وتستخدم المنظومة أيضًا تقنية «كشف حيوية الوجه» أو Liveness Detection، التي تهدف إلى التأكد من أن عملية التحقق يجريها الشخص الموجود فعليًا أمام الكاميرا، وليس باستخدام صورة أو تسجيل فيديو أو تلاعب رقمي، وكانت وزارة الإصلاح الإداري والحكومة الإندونيسية قد أشارت في وقت سابق إلى إضافة هذه الخاصية لتعزيز دقة التعرف على الوجه، فيما أظهرت التجارب أن التحقق البيومتري أصبح جزءًا أساسيًا من تطوير النظام.
وبدأت تجربة الرقمنة في بانيوانغي في سبتمبر 2025، قبل توسيعها تدريجيًا إلى عشرات المناطق. وبحلول يوليو كانت التجربة قد وصلت إلى 43 محافظة ومدينة، فيما أعلنت الحكومة في 18 سبتمبر خطتها لتوسيع نطاق التجربة إلى 258 محافظة ومدينة خلال أكتوبر 2026 تمهيدًا للتطبيق الوطني، وقال “كاهيونو تري بيورو” نائب وزير التحول الرقمي بوزارة الإصلاح الإداري: إن الهدف هو تبسيط إجراءات التسجيل والتحقق، مع تقليص العملية التي كانت تمر بما يصل إلى سبع مراحل إلى ثلاث مراحل.
ولا تقتصر الفكرة على تصوير وجه المستفيد؛ فالمنظومة مصممة لربط الهوية الرقمية ببيانات حكومية أخرى بهدف تحسين عملية تقييم الاستحقاق، وتقول الحكومة إن الرقمنة يمكن أن تختصر الإجراءات التي كانت تستغرق فترات طويلة إلى دقائق، مع إتاحة التقديم وتحديث البيانات والاطلاع على حالة الطلب بصورة أكثر مباشرة.
المشكلة الأعمق.. عندما تخطئ قاعدة البيانات..
تبدو المعادلة بسيطة من الناحية التقنية: التأكد من هوية الشخص أولًا، ثم مقارنة بياناته مع قواعد البيانات الحكومية، وصولًا إلى تحديد مدى استحقاقه، لكن دقة التعرف على الوجه لا تعني تلقائيًا دقة القرار الاجتماعي، فالوجه يمكنه إثبات أن الشخص هو صاحب الهوية المسجلة، لكنه لا يستطيع بمفرده تحديد ما إذا كانت الأسرة فقيرة، أو ما إذا كانت ظروفها الاقتصادية الحالية تتطابق مع التصنيف المسجل في قواعد البيانات،
وهذه النقطة اكتسبت أهمية خاصة في سبتمبر، بعدما استقبل وزير الشؤون الاجتماعية “سيف الله يوسف” شكاوى مواطنين بشأن تصنيفهم في شرائح الاستحقاق ضمن بيانات النظام الاجتماعي والاقتصادي الموحد DTSEN، وفي 17 سبتمبر، قدم مواطنون نحو 2500 حالة قالوا إنها تتضمن مشكلات في تصنيف بياناتهم الاجتماعية والاقتصادية، وتعهد الوزير بفحصها والتحقق منها خلال أسبوع، وشملت الشكاوى حالات رأى أصحابها أن التصنيف المسجل لا يعكس ظروفهم المعيشية الفعلية، إضافة إلى حالات قال أصحابها إنهم فقدوا الدعم أو لم يحصلوا عليه رغم تقدمهم بطلبات لتحديث بياناتهم.
وتقر الحكومة أصلًا بأن جودة البيانات تمثل عنصرًا حاسمًا في نجاح الرقمنة، وكانت وزارة الاتصالات والرقمنة قد أوضحت أن مشكلات الدعم الاجتماعي خلال السنوات الماضية شملت وجود أشخاص مستحقين لم يحصلوا على المساعدة، إلى جانب استمرار تسجيل آخرين تغيرت ظروفهم ولم يعودوا ضمن الفئات المستهدفة، ولهذا تسعى المنظومة الجديدة إلى ربط قواعد البيانات الحكومية وتحديث المعلومات بصورة أكثر انتظامًا.
وتكمن أهمية ذلك في أن نظام «Perlinsos Digital» لا يعتمد على التعرف على الوجه وحده عند تقييم الاستحقاق؛ بل يستهدف دمج بيانات من جهات حكومية متعددة، بما يسمح بفحص مؤشرات مرتبطة بالعمل والأصول واستهلاك الكهرباء وغيرها، وهذا يعني أن التقنية قد تجعل عملية التحقق من هوية المتقدم أسرع وأكثر دقة، لكنها تظل مرتبطة بصحة البيانات الأخرى التي تستخدمها الدولة لتقييم وضع الأسرة.
ولهذا أبقت الحكومة على آليات الاعتراض وتحديث البيانات بدل تحويل النتيجة الرقمية إلى قرار نهائي غير قابل للمراجعة، ويتيح النظام للمواطنين تقديم طلبات تصحيح أو اعتراض عندما يرون أن المعلومات المستخدمة لا تعكس وضعهم، فيما يستمر «Cek Bansos» كقناة منفصلة للتحقق من حالة الدعم وتقديم الاعتراضات والاقتراحات المتعلقة بالبيانات.
ويظهر هذا التحدي بوضوح في قضية أخرى كشفت حدود الاعتماد على المطابقة الرقمية، فقد قالت وزارة الشؤون الاجتماعية في سبتمبر: إن أكثر من 1.4 مليون بيانات لمستفيدين ظهرت عليها مؤشرات مرتبطة بالمقامرة الإلكترونية، لكنها حذرت من اعتبار ذلك دليلًا تلقائيًا على أن أصحاب الأسماء أنفسهم مارسوا المقامة، وأوضحت الوزارة أن بعض الحالات قد ترتبط باستخدام بيانات كبار السن أو الأسر محدودة الدخل من جانب أشخاص آخرين، أو بإجراء معاملات من جانب أفراد من الأسرة دون علم صاحب الهوية.
وفي أغسطس كانت الحكومة قد علقت مؤقتًا صرف المساعدات لنحو 1.49 مليون أسرة مستفيدة ظهرت بياناتها في عملية مطابقة مع معاملات مقامرة إلكترونية، في انتظار التحقق، وهذا يوضح عمليًا أن مطابقة البيانات يمكن أن تكشف إشارات مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير سبب ظهور تلك الإشارة أو تحديد المسؤول عنها قبل إجراء تحقق إضافي.
بين السرعة والخصوصية.. اختبار الثقة..
الجانب الإيجابي في التجربة أن الرقمنة يمكن أن تعالج جزءًا من المشكلات التي تعاني منها البيروقراطية التقليدية، فبدل الاعتماد على سلسلة طويلة من الإجراءات الورقية، يستطيع المواطن استخدام رقم هويته والهوية الرقمية والتحقق البيومتري للوصول إلى الخدمة، بينما تعمل المنظومة على مطابقة المعلومات مع قواعد بيانات حكومية مختلفة، كما أن وجود آلية إلكترونية للاعتراض يمكن أن يقلل الوقت المطلوب لتصحيح بعض الأخطاء،
ويجعل مسار الطلب أكثر قابلية للتتبع، وتظهر نتائج أولية على مستوى التشغيل أن النظام استطاع توسيع نطاق التحقق الرقمي بسرعة، ففي تجربة “سليمان” قالت وزارة الاتصالات والرقمنة في أغسطس: إن عدد الأسر التي جرى التحقق منها ارتفع من نحو 3 آلاف في بداية يوليو إلى 61 ألفًا بحلول 7 أغسطس، وإن نحو 90% من المتقدمين الأوائل سجلوا بياناتهم بصورة مستقلة.
وهذه الأرقام تعكس قدرة النظام على التعامل مع حجم كبير من الطلبات، لكنها لا تحسم بمفردها مدى دقة قرارات الاستحقاق على المدى الطويل، في المقابل، يفرض استخدام البيانات البيومترية تحديًا إضافيًا يتعلق بالخصوصية وأمن المعلومات، فالنظام يتعامل مع بيانات الهوية والبيانات السكانية والبيومترية، ما يجعل حماية هذه المعلومات جزءًا أساسيًا من نجاح التجربة، خصوصًا أن أي خطأ في البيانات أو إساءة استخدام للهوية قد تكون له آثار مباشرة على قدرة المواطن في الوصول إلى الدعم.
وقد أشارت الحكومة نفسها إلى أهمية تعزيز أمن البيانات ضمن مراحل تطوير المشروع، ولا تعني هذه المخاطر أن استخدام التعرف على الوجه سيؤدي حتمًا إلى أخطاء أكبر؛ بل إن التقنية يمكن أن تساعد في الحد من انتحال الهوية والتسجيل المتكرر والتأكد من أن الشخص الذي يقدم الطلب هو صاحب الهوية نفسها، لكن نجاحها يعتمد على أن تكون البيانات التي تقارن بها محدثة ودقيقة، وعلى وجود آلية فعالة وسريعة لتصحيح الأخطاء البشرية والبيانات القديمة.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية في التجربة الإندونيسية: كلما أصبحت عملية التحقق أكثر دقة تقنيًا، أصبحت جودة البيانات التي تقف خلف القرار أكثر أهمية، فإذا كانت قاعدة البيانات تعكس الواقع، يمكن للهوية الرقمية والتعرف على الوجه أن يجعلا وصول الدعم أسرع وأكثر تنظيمًا، أما إذا كانت البيانات الاقتصادية أو الاجتماعية غير محدثة، فقد يصبح النظام الرقمي أسرع في تنفيذ قرار مبني على معلومات غير صحيحة.
لذلك تبدو المرحلة المقبلة اختبارًا مزدوجًا للحكومة الإندونيسية: اختبار لقدرة التكنولوجيا على تسريع الوصول إلى الدعم، واختبار لقدرة الدولة في الوقت نفسه على تحديث قواعد بياناتها، وإتاحة الاعتراض، وحماية المعلومات البيومترية، وتصحيح الأخطاء قبل أن تتحول الرقمنة من وسيلة لتقليل أخطاء منظومة الدعم إلى وسيلة لتوسيع نطاقها بصورة أسرع.