إندونيسيا.. الأحزاب الإسلامية تعيد تموضعها بحثاً عن النفوذ
في وقت تتزايد فيه المنافسة بين الأحزاب الوطنية
- السيد التيجاني
- 2 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- إندونيسيا, الأحزاب الإسلامية, المشاركة بالحكم, الهوية السياسية, جاكرتا
تشهد الساحة السياسية الإندونيسية مرحلة مراجعة عميقة داخل الأحزاب الإسلامية، في ظل المتغيرات التي فرضتها خريطة السلطة بعد وصول الرئيس برابوو سوبيانتو إلى الحكم واستمرار الائتلاف الحكومي الواسع الداعم له. فبعد سنوات من المشاركة في الحكومات الائتلافية، بدأت قيادات تلك الأحزاب تطرح تساؤلات حول جدوى الاستمرار في النهج الحالي، خاصة مع شعور متزايد بأن حضورها داخل السلطة التنفيذية لا يتناسب مع حجمها البرلماني ولا مع وزن القاعدة الإسلامية التي تمثلها.
وتسعى هذه الأحزاب إلى إعادة تقييم استراتيجياتها السياسية، بحثاً عن دور أكثر تأثيراً في صناعة القرار، في وقت تتزايد فيه المنافسة بين الأحزاب الوطنية والقوى الإسلامية على استقطاب الناخبين قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
تجربة سياسية مختلفة في أكبر دولة إسلامية
تمثل إندونيسيا نموذجاً فريداً في العالم الإسلامي، إذ تضم أكثر من 230 مليون مسلم، لكنها في الوقت نفسه تعتمد نظاماً سياسياً تعددياً يقوم على فلسفة “بانشاسيلا” التي تؤكد التعددية الدينية والوحدة الوطنية، وهو ما جعل الأحزاب الإسلامية تعمل منذ عقود ضمن إطار سياسي مدني لا يسمح بقيام دولة دينية أو احتكار الخطاب الإسلامي.
ورغم الثقل الديموغرافي للمسلمين، فإن أياً من الأحزاب الإسلامية لم يتمكن منذ بداية التجربة الديمقراطية الحديثة من تحقيق أغلبية برلمانية تمكنه من تشكيل الحكومة منفرداً، وهو ما فرض عليها خيار التحالفات المستمرة مع الأحزاب القومية.
ويعد حزب العدالة والرفاه (PKS) وحزب الاتحاد والتنمية (PPP) وحزب صحوة الأمة (PKB) أبرز القوى الإسلامية المشاركة في الحياة السياسية، لكنها تختلف في مرجعياتها الفكرية وقواعدها الاجتماعية وأولوياتها السياسية.
مراجعة داخلية بعد سنوات من التحالفات
يرى مراقبون أن مشاركة الأحزاب الإسلامية في الحكومات المتعاقبة وفرت لها حضوراً سياسياً، لكنها لم تحقق المكاسب التي كانت تتطلع إليها، سواء من حيث التأثير في السياسات العامة أو الحصول على حقائب وزارية سيادية.
ويقول المحلل السياسي الإندونيسي سيد مفتاح إن الأحزاب الإسلامية تعيش اليوم “معضلة استراتيجية”، موضحاً أن عليها الاختيار بين الحفاظ على خطابها الإسلامي التقليدي، وهو ما يضمن ولاء قواعدها الشعبية لكنه يحد من قدرتها على التوسع انتخابياً، أو تبني خطاب أكثر اعتدالاً وانفتاحاً يسمح لها ببناء تحالفات أوسع، ولو على حساب جزء من هويتها السياسية.
ويضيف أن هذه المراجعة لا تعكس أزمة تنظيمية فقط، بل ترتبط أيضاً بتغير أولويات الناخب الإندونيسي، الذي أصبح يهتم بقضايا الاقتصاد وفرص العمل والخدمات العامة أكثر من الشعارات الأيديولوجية.
برابوو وتحالف الضرورة
منذ توليه الرئاسة في أكتوبر 2024، نجح الرئيس برابوو سوبيانتو في تشكيل ائتلاف سياسي واسع ضم أحزاباً قومية وإسلامية، ما وفر له أغلبية مريحة داخل البرلمان.
لكن باحثين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في جاكرتا يرون أن الرئيس اعتمد على دعم الأحزاب الإسلامية لضمان الاستقرار السياسي، دون أن يمنحها نفوذاً تنفيذياً يتناسب مع أهمية دورها في الائتلاف.
ويشير الباحث في المركز آريا فرناندي إلى أن برابوو يفضل توزيع مراكز القوة بطريقة تمنع هيمنة أي تيار سياسي، وهو ما جعل الأحزاب الإسلامية تشعر بأنها شريك في الأغلبية البرلمانية أكثر منها شريكاً في صناعة القرار.
ضغوط القواعد الشعبية
داخل حزب العدالة والرفاه (PKS)، تتصاعد أصوات تطالب القيادة باتخاذ مواقف أكثر وضوحاً تجاه القضايا المرتبطة بالشريعة والتعليم الإسلامي والأسرة والقيم الاجتماعية.
ويرى الباحث في شؤون الإسلام السياسي بورهان الدين مختدي أن الحزب يواجه معادلة دقيقة؛ فإذا بالغ في التشدد فقد يخسر الناخبين الوسطيين، وإذا اتجه نحو البراغماتية السياسية فقد يفقد جزءاً من قاعدته المحافظة.
أما حزب صحوة الأمة (PKB)، المرتبط تاريخياً بتيار نهضة العلماء، فيواصل تبني نهج أكثر مرونة يقوم على توسيع التحالفات مع الأحزاب الوطنية، انطلاقاً من قناعته بأن المشاركة في السلطة تتطلب خطاباً سياسياً جامعاً يتجاوز الانقسامات الأيديولوجية.
تحديات أمام الأحزاب الإسلامية
يرى خبراء أن الأحزاب الإسلامية تواجه عدداً من التحديات المتزامنة، أبرزها:
تراجع تأثير الخطاب الديني التقليدي في أولويات الناخبين الشباب.
المنافسة مع الأحزاب القومية التي باتت تتبنى سياسات تستهدف القاعدة الإسلامية نفسها.
صعوبة تحقيق توازن بين الالتزام بالهوية الإسلامية ومتطلبات التحالفات السياسية.
الحاجة إلى تطوير برامج اقتصادية وتنموية تتجاوز الشعارات الدينية.
ويؤكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة إندونيسيا فيليبس فيرمونتي أن الناخب الإندونيسي أصبح يقيم الأحزاب بناءً على قدرتها على إدارة الاقتصاد وتحسين الخدمات، وليس على أساس الشعارات الدينية وحدها.
ردود الفعل داخل الأوساط السياسية
أثارت المراجعات الجارية اهتماماً واسعاً داخل النخب السياسية.
فالأحزاب القومية ترى أن استمرار مشاركة الأحزاب الإسلامية في الائتلاف يعزز الاستقرار السياسي ويمنع الاستقطاب الديني.
في المقابل، تعتبر شخصيات داخل التيار الإسلامي أن الوقت حان لإعادة التفاوض مع الحكومة للحصول على دور أكبر في رسم السياسات، خصوصاً في ملفات التعليم الإسلامي، والاقتصاد الإسلامي، وتنمية المؤسسات الدينية.
ويرى بعض المراقبين أن المرحلة المقبلة قد تشهد ارتفاع سقف مطالب الأحزاب الإسلامية داخل البرلمان مقابل استمرار دعمها للحكومة.
هل تتجه الأحزاب الإسلامية إلى جبهة موحدة؟
من بين السيناريوهات المطروحة بقوة، إمكانية تشكيل تنسيق سياسي أوسع بين الأحزاب الإسلامية بما يمنحها ثقلاً تفاوضياً أكبر داخل البرلمان.
غير أن هذا الخيار يصطدم بخلافات فكرية وتنظيمية وتاريخية بين تلك الأحزاب، فضلاً عن اختلاف قواعدها الانتخابية ومواقفها من القضايا الوطنية.
ويشير الباحث ديـدي نوربالا إلى أن فكرة الوحدة الإسلامية طُرحت أكثر من مرة خلال العقدين الماضيين، لكنها لم تتحول إلى مشروع سياسي مستدام بسبب تباين الأولويات بين الأحزاب.
انعكاسات اقتصادية واجتماعية
يرى خبراء الاقتصاد أن تعزيز نفوذ الأحزاب الإسلامية قد يدفع الحكومة إلى توسيع برامج التمويل الإسلامي، ودعم الصناعات الحلال، وتعزيز دور المصارف المتوافقة مع الشريعة.
كما يتوقع مراقبون زيادة الاهتمام بقطاع التعليم الإسلامي وتطوير المدارس والمعاهد الدينية، إلى جانب توسيع برامج مكافحة الفقر التي تديرها المؤسسات الإسلامية.
لكنهم يحذرون في الوقت نفسه من أن أي تصعيد سياسي بين مكونات الائتلاف قد ينعكس على استقرار البيئة الاستثمارية إذا تحول إلى صراع مفتوح داخل الحكومة.
الانتخابات الإقليمية.. الاختبار الحقيقي
يتفق معظم المحللين على أن الانتخابات الإقليمية المقررة عام 2027 ستكون المحطة الأهم لقياس نتائج المراجعات الحالية.
ويقول الباحث بورهان الدين مختدي إن هذه الانتخابات ستكشف مدى نجاح الأحزاب الإسلامية في استعادة ثقة قواعدها الشعبية، وقدرتها على توسيع حضورها خارج معاقلها التقليدية.
كما ستحدد ما إذا كانت استراتيجياتها الجديدة ستمنحها قوة تفاوضية أكبر قبل الانتخابات التشريعية والرئاسية اللاحقة.
يتوقع خبراء السياسة الإندونيسية أن تتجه الأحزاب الإسلامية خلال العامين المقبلين إلى تبني خطاب أكثر براغماتية، يجمع بين الحفاظ على المرجعية الإسلامية والتركيز على الملفات الاقتصادية والتنموية التي تشغل الناخبين.
ويرجح المحللون أن يسعى الرئيس برابوو إلى الحفاظ على تماسك ائتلافه من خلال تقديم تنازلات مدروسة لبعض الأحزاب الإسلامية دون السماح لأي طرف بالهيمنة على القرار السياسي.
وفي المقابل، فإن استمرار الانقسامات بين الأحزاب الإسلامية سيحد من قدرتها على التأثير في السياسات العامة، بينما قد يمنحها التنسيق أو تشكيل جبهة مشتركة فرصة أكبر لانتزاع مكاسب سياسية وتشريعية، خاصة في ملفات الاقتصاد الإسلامي والتعليم والشؤون الاجتماعية.
وبذلك، تدخل الأحزاب الإسلامية في إندونيسيا مرحلة مفصلية، سيكون عنوانها الأساسي البحث عن معادلة جديدة تجمع بين الهوية الدينية والفاعلية السياسية، وبين الحفاظ على قواعدها التقليدية والتكيف مع التحولات المتسارعة في المشهد السياسي الإندونيسي.
