إعادة الاعتبار للقضايا المركزية للأمة تطور مهم لتجنب مخاطر الدولة القطرية
أفقدت دول المنطقة البوصلة الاستراتيجية
- abdelrahman
- 26 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- أخبار جريدة ارائد, الدولة الأممية, الدولة القطرية, القضايا المركزية, النظام الاستعماري التقليدي, قوي الهيمنة
أوضح تقرير “التحولات الجيوسياسية والاستراتيجية التي شهدتها المنطقة الإسلامية على مدار القرن الماضي ” أن المعطيات التاريخية تشيرإلى وجود استمرارية في مراكز الثقل التي تقود الترتيبات الجيوسياسية في العالم الإسلامي، حيث انتقلت القيادة من القوى الاستعمارية التقليدية إلى القوة المهيمنة حديثاً.
:حيث أعادت الحرب العالمية الأولى “1914-1918” وترتيبات ما بعدها “مؤتمر سان ريمو 1920” رسم خريطة المنطقة،إّذمثلت اتفاقيات “سايكس-بيكو” (1916) و”وعد بلفور” “1917” ونظام “الانتداب” الذي أقرته عصبة الأمم، الأدوات القانونية والسياسية التي أسست لمرحلة الهيمنة البريطانية والفرنسية المباشرة، وفصلت المنطقة عن إطارها الحضاري الواسع
. وبعد هذه الحقبة انتقلت المنطقة مرحلة الانتقال والتفرد “القطبية الأمريكية”، فمع تراجع الإمبراطورية البريطانية عقب الحرب العالمية الثانية، تولت الولايات المتحدة دور اللاعب المهيمن، مدعومة بترتيبات أمنية واقتصادية جديدة
مرحلة التأسيس “النظام الاستعماري التقليدي
وعكس اعتراف الرئيس هاري ترومان بدولة إسرائيل (1948) بداية التحول. وتبلورت العقيدة الأمريكية لاحقاً في “عقيدة كارتر” (1980) التي اعتبرت منطقة الخليج العربي من المصالح الحيوية للولايات المتحدة، و”مذكرة وولفويتز” (1992) التي هدفت إلى منع ظهور أي قوة منافسة في والشرق الأوسط.
أما المحور الثاني لهذه المتغييرات الجيواستراتيجية فتمثلت التراكم العسكري والأمني والمؤسسي، حيث لم تقتصر العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي على الجوانب السياسية، بل شهدت تراكمات مؤسسية وأمنية عميقة غيّرت من موازين القوى الإقليمية
وفيما يتعلق التراكم العسكري تمركزت البنى التحتية العسكرية عبر إنشاء قيادات مخصصة للمنطقة مثل القيادة المركزية الأمريكية، وانتشار القواعد العسكرية في دول المحيط الإقليمي، مما أرسى وجوداً عسكرياً طويل الأمد يضمن السيطرة على “ممرات الطاقة والتجارة” والقيادة الإفريقية
التراكم العسكري والأمني
أما التراكم الأمني فقد تحولت بعض الترتيبات الإقليمية إلى أدوات لإدارة الأمن الإقليمي لصالح قوى خارجية. على سبيل المثال، فرضت “اتفاقيات أوسلو” (1993) واقع “التنسيق الأمني”، مما أدمج الأجهزة الأمنية المحلية في شبكات أمنية إقليمية تخدم استقرار الترتيبات القائمة.
وفي هذه الأجواء جري تنشيط التراكم السياسي والدبلوماسي
عبر توظيف الآليات الدولية، لا سيما استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن بشكل متكرر من قبل الولايات المتحدة لحماية حلفائها الإقليميين، مما يعكس توظيف النظام الدولي القانوني والسياسي لخدمة مصالح محددة.
: أما ثالث المحاور في هذا السياق المضطرب فتمثل في تطور خطير وهو التحول البنيوي: من “الأمة” إلى “الدولة القومية، إذ يُعد التحول في الإطار المرجعي للصراع والتفاعل من أعمق التحولات التي شهدها العالم الإسلامي، حيث تم استبدال مفهوم “الأمة” بمفهوم “الدولة القومية”
إعادة صياغة القضايا المركزية
* ثم جاء التطور الأخطر الذي شهدته المنطقة والمتلق بإعادة صياغة القضايا المركزية إذ شهدت القضية الفلسطينية تحولاً في الإطار المرجعي؛ فمن قضية تحرر حضاري وديني شاملة قبل منتصف القرن العشرين، تم اختزالها تدريجياً عبر القرارات الدولية “مثل القرار 181 و242” إلى قضية حدودية وسياسية بحتة “حل الدولتين”. هذا التحول “الوطني” غيّر من طبيعة التعاطي الإقليمي معها.
ثم اخذت الأوضاع تطور تمثل في تكريس الدولة القطرية إذ أدت عملية ترسيم الحدود وتفكيك الكيانات الكبرى إلى ترسيخ الولاء للدول القطرية. وقد تجلى الانتصار النهائي لهذا النموذج في “اتفاقيات إبراهيم” (2020)، حيث تم تقديم المصالح الوطنية والاقتصادية والأمنية للدول على حساب التضامن الإقليمي أو الحضاري، مما أعاد تعريف “المصلحة الوطنية” بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع.
ثم دخلت الفجوة في التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى علي خط الأزمة لتمثل المحور الرابع حيث يُلاحظ التقرير وجود تفاوت كبير في القدرات التخطيطية بين المراكز الاستراتيجية الغربية والنخب السياسية والفكرية في العالم الإسلامي.
المقارنة المؤسسية
* وفي هذه الاوضاع المعقدة تعتمد القوى الغربية على شبكة كثيفة من مراكز الأبحاث ، التي تضع سيناريوهات واستراتيجيات تمتد لعقود قادمة (مثل مشاريع “الشرق الأوسط الجديد” أو “الفوضى الخلاقة”
* في المقابل، يميل التفاعل في العالم الإسلامي إلى كونه “ردود أفعال” على الأحداث اليومية (أزمات، حروب، متغيرات اقتصادية) بدلاً من صياغة “فقه استراتيجي” يربط بين الساحات المتفرقة (مثل ربط ملفات سوريا، اليمن، فلسطين، والقرن الإفريقي) ضمن رؤية شاملة وموحدة.
وخلص التقرير في النهاية : إلي أن الانكفاء داخل حدود “الدولة القومية” أدى إلى ما يمكن وصفه بـ “الانعكاس الاستراتيجي فعندما تركز النخب الحاكمة والمثقفة بشكل حصري على الداخل القطري (الهم الوطني الضيق)، فإنها تفقد البوصلة الاستراتيجية الأوسع. هذا الانكفاء يُشبه في تأثيره عزل الذات في “كهوف” المصالح الضيقة؛ حيث تُصبح الرؤية قاصرة على ما هو متاح ومباشر، وتغيب القدرة على استشراف المخاطر الوجودية التي تتجاوز الحدود المصطنعة.
وقدم التقرير عددا من التوصيات الاستراتيجية إذ شدد علي ضرورة تطوير “فقه المآلات” الإقليمي:* الانتقال من قراءة الأحداث كجزر منعزلة إلى قراءتها كسلسلة متصلة ضمن صراع جيوسياسي أوسع.
. ونبهت التوصيات كذلك إلي ضرورة إعادة تعريف “المصلحة الوطنية”: انطلاقا من إدراك أن الأمن القومي لأي دولة في المنطقة أصبح غير قابل للتحقيق بمعزل عن الأمن الإقليمي الشامل.
ولفت الي ضرورة بناء منصات تفكير استراتيجية:* إنشاء مؤسسات بحثية مستقلة تتجاوز الإطار الوطني الضيق، وتعمل على صياغة رؤى استراتيجية موحدة وطويلة المدى لمواجهة التحديات الهيكلية في المنطقة.
