أوروبا ترفع مستوى المواجهة مع روسيا وتعيد بناء أمنها

وسط مخاوف أوروبية بشأن الحرب الهجينة الروسية

الرائد// دخل الاتحاد الأوروبي مرحلة أكثر حساسية في علاقته مع روسيا بعد اتهام ألمانيا موسكو بالوقوف وراء محاولة هجوم بطائرات مسيرة محملة بالمتفجرات استهدفت مطار لايبزيغ/هاله في 4 أغسطس الماضي. وأعلن وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، اليوم 2 سبتمبر 2026، أن الاتحاد الأوروبي سيعمل على فرض عقوبات إضافية على أفراد روس خلال الأسابيع المقبلة، مؤكدا استمرار الدعم الأوروبي لأوكرانيا.

وتقول برلين إن التحقيقات أظهرت مؤشرات تربط العملية بجهات روسية، فيما تنفي موسكو الاتهام وتصفه بأنه تصعيد سياسي. وتعتزم ألمانيا إغلاق القنصلية الروسية في بون وإنهاء ترتيبات مرتبطة بالمركز الثقافي الروسي في برلين، إلى جانب تشديد بعض إجراءات الدخول على المواطنين الروس.

ولم تتعامل المؤسسات الأوروبية مع القضية باعتبارها حادثا ألمانيا منفردا. فقد وصفت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس العملية المزعومة بأنها عمل من أعمال الإرهاب الذي ترعاه دولة، بينما أعلن الاتحاد تضامنه مع برلين، وتبحث الدول الأعضاء إجراءات إضافية ضد موسكو.

وتكتسب هذه التطورات أهمية أكبر لأنها تأتي ضمن سلسلة متزايدة من المخاوف الأوروبية بشأن ما تسميه الحكومات الغربية الحرب الهجينة الروسية، التي تشمل التخريب، والهجمات السيبرانية، والتضليل، والتجسس، والتدخل في البنية التحتية، واستخدام الطائرات المسيرة.

وفي تحليل نشره المجلس الأطلسي اليوم، أشار الباحثون إلى أن الحرب الهجينة الروسية في أوروبا تشمل منذ سنوات أعمال تخريب وتضليل وهجمات إلكترونية، وأن استمرار الحرب في أوكرانيا أدى إلى انتقال بعض مظاهر الصراع إلى دول أوروبية أخرى.

ومن أبرز الخبراء الذين تناولوا حادثة لايبزيغ حديثا كارلو ماسالا، أستاذ الدراسات الأمنية في جامعة القوات المسلحة الألمانية في ميونيخ. وفي مقابلة نشرتها صحيفة «لوموند» في 12 أغسطس، اعتبر ماسالا أن محاولة الهجوم على مطار لايبزيغ/هاله تمثل نقطة تحول في الحرب الهجينة الروسية ضد أوروبا، وربط استهداف ألمانيا بمكانتها باعتبارها أحد أهم الداعمين الأوروبيين لأوكرانيا.

كما قدمت ميرا ميلوشيفيتش، الباحثة في المعهد الملكي إلكانو، تحليلا حديثا في 2 سبتمبر، ربطت فيه التحركات الروسية الأخيرة بما وصفته بمنطق التصعيد بهدف دفع الخصم إلى تغيير حساباته، وحذرت من اتساع نطاق العمليات الهجينة الروسية في أوروبا.

وتشير بيانات حديثة نقلتها صحيفة «إل باييس» عن مركز ساهايداشني للأمن إلى زيادة العمليات الهجينة المنسوبة إلى روسيا في أوروبا منذ أبريل 2026، بينما أشار تحليل آخر إلى تسجيل عشرات حوادث اختراق المجال الجوي الأوروبي بطائرات مسيرة خلال العام. ويجب التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها تقديرات صادرة عن جهات بحثية وليست حصرا رسميا موحدا من الاتحاد الأوروبي.

لكن التحدي الأوروبي لا يتعلق بروسيا وحدها، بل بالسؤال الأوسع حول قدرة أوروبا على حماية نفسها دون الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.

وتشير دراسة حديثة نشرها المعهد الإيطالي للشؤون الدولية في يونيو 2026 إلى أن تعزيز الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي في مجال الدفاع يرتبط بصورة وثيقة بتوسيع التعاون الصناعي والتكنولوجي بين الدول الأعضاء. وتلفت الدراسة إلى أن الدول الأوروبية، رغم ارتفاع مستوى التهديد، لا تزال تميل أحيانا إلى صيغ تعاون ثنائية أو محدودة بدلا من بناء منظومة دفاع أوروبية متكاملة.

وهنا تظهر مشكلة أوروبية قديمة: الاتحاد يمتلك قوة اقتصادية ضخمة، لكنه لا يزال يعاني من تشتت في القرار الدفاعي والسياسي. وتدفع الحرب الروسية الحكومات الأوروبية إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، وتطوير الصناعات العسكرية، وتعزيز إنتاج الذخائر والطائرات المسيرة والدفاعات الجوية، لكن هذه العملية تحتاج إلى سنوات قبل أن تتحول إلى قدرة استراتيجية متكاملة.

وتؤكد الدراسة الألمانية الحديثة الصادرة عن الجمعية الألمانية للسياسة الخارجية أن الأمن الأوروبي في المرحلة الجديدة لا يمكن بناؤه عسكريا فقط، وإنما يحتاج أيضا إلى معالجة الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية للقدرة الأوروبية على الصمود.

وفي الجانب الاقتصادي، تواجه أوروبا مشكلة مختلفة. فقد خفضت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية توقعاتها لنمو اقتصاد الاتحاد الأوروبي إلى 0.8 بالمئة في 2026، مقابل 1.4 بالمئة في 2025، قبل توقع ارتفاع النمو إلى 1.2 بالمئة في 2027. وترى المنظمة أن حالة عدم اليقين تحد من الاستثمار الخاص، بينما يساعد الإنفاق العام وتمويل خطط التعافي الأوروبية في دعم النشاط الاقتصادي.

ويعني ذلك أن الحكومات الأوروبية مطالبة بتمويل الدفاع في الوقت نفسه الذي تحتاج فيه إلى الاستثمار في الصناعة والطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية. وهذه معادلة صعبة، خصوصا بالنسبة لألمانيا التي تعاني صناعتها من ضعف نسبي في النمو مقارنة بالاقتصادات الأوروبية الأكثر ديناميكية.

وتزداد الضغوط بسبب ملف الطاقة. فقد دفعت الحرب الأوروبية الحكومات إلى تقليل الاعتماد على الطاقة الروسية، لكن الانتقال إلى مصادر بديلة يتطلب استثمارات ضخمة، بينما يمثل ارتفاع تكاليف الطاقة أحد العوامل التي تؤثر في القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية.

أما اجتماعيا، فتواجه أوروبا تحديات مرتبطة بالهجرة والاندماج والهوية السياسية. وقد دخل ميثاق الاتحاد الأوروبي للهجرة واللجوء مرحلة التطبيق في يونيو 2026، وسط تحذيرات من فجوات في التنفيذ بين الدول الأعضاء. وقالت باشاك يافجان، رئيسة الأبحاث في مجموعة سياسات الهجرة، في يونيو، إن هناك اختلافات كبيرة في الإرادة السياسية والقدرات التنفيذية بين الدول، مع بقاء بعض دول المتوسط تحت ضغط أكبر من غيرها.

وهذا الملف مهم لأن قدرة أوروبا على بناء سياسة أمنية طويلة المدى لا تعتمد على الأسلحة وحدها. فالأمن الأوروبي يرتبط أيضا بمدى قدرة الحكومات على الحفاظ على التماسك الاجتماعي، ومواجهة التضليل، وحماية الأقليات، وإدارة الهجرة، ومنع تحول الخلافات الداخلية إلى نقاط ضعف تستغلها القوى الخارجية.

ومن الناحية التاريخية، فإن أوروبا التي بنت مشروع الاتحاد بعد الحرب العالمية الثانية على أساس إزالة أسباب الصراع بين دولها، وجدت نفسها بعد عقود أمام عودة القوة العسكرية والجغرافيا السياسية إلى قلب القارة. غير أن الوضع الحالي مختلف عن الحرب الباردة؛ فالتهديد لا يأتي بالضرورة في صورة جيوش تعبر الحدود، بل يمكن أن يظهر في هجوم سيبراني أو تخريب منشأة أو تعطيل شبكة كهرباء أو حملة تضليل أو طائرة مسيرة.

ولهذا تركز مؤسسات مثل المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية على مفهوم الأمن الأوروبي الشامل، بما في ذلك حماية البنية التحتية الحيوية، وتعزيز التعاون الدفاعي بين الاتحاد وحلف شمال الأطلسي، وبناء قدرة أكبر على مواجهة التهديدات غير العسكرية.

والتطور الأهم في أوروبا حاليا هو أن مفهوم «الاستقلال الاستراتيجي» لم يعد نقاشا نظريا بين خبراء السياسة الخارجية، بل أصبح مرتبطا مباشرة بالإنفاق العسكري والصناعة والطاقة والتكنولوجيا والسياسة الخارجية.

ويخلص الاتجاه العام للتحليلات الأوروبية الحديثة إلى أن القارة دخلت مرحلة إعادة بناء طويلة لأمنها. ولا يعني ذلك بالضرورة الانفصال عن الولايات المتحدة أو التحول إلى قوة عسكرية مستقلة بالكامل، وإنما يعني أن الحكومات الأوروبية تريد امتلاك قدرة أكبر على التحرك عندما تتعرض مصالحها المباشرة للخطر.

لكن نجاح هذه العملية سيعتمد على ثلاثة عوامل: قدرة الدول الأوروبية على تنسيق إنفاقها الدفاعي، وتطوير صناعتها العسكرية والتكنولوجية، والحفاظ على وحدة سياسية تسمح لها باتخاذ قرارات سريعة عند الأزمات.

وفي المقابل، فإن استمرار الحوادث الهجينة المنسوبة إلى روسيا سيضع الحكومات الأوروبية أمام اختبار صعب: كيف تردع موسكو وتفرض تكلفة حقيقية على العمليات التي تعتبرها عدائية، من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي.

المؤكد أن حادثة لايبزيغ غيّرت مستوى النقاش الأوروبي. فبعد سنوات من الحديث عن احتمال انتقال الحرب الروسية الأوكرانية إلى الأراضي الأوروبية، أصبح النقاش الآن يدور حول كيفية التعامل مع ما تعتبره حكومات أوروبية بالفعل حربا هجينة تجري داخل القارة.

المصادر والتواريخ:

رويترز، 2 سبتمبر 2026؛ وكالة أسوشيتد برس، 2 سبتمبر 2026؛ المجلس الأطلسي، 2 سبتمبر 2026؛ صحيفة لوموند، 12 أغسطس 2026؛ المعهد الإيطالي للشؤون الدولية، 8 يونيو 2026؛ الجمعية الألمانية للسياسة الخارجية، فبراير 2026؛ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بيانات 2026؛ المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، 2026.

اترك تعليقا