أمريكا تزيل الألغام وإيران تعيد زراعتها فعلى ماذا يراهن ترامب؟

خالد فؤاد

بحسب الفايننشال تايمز فقد قامت واشنطن الأسبوع الماضي بعملية دقيقة ومكلفة لإزالة الألغام في المسار الجنوبي الموازي لساحل عمان في مضيق هرمز وكان الهدف الرئيسي من تلك العملية هو تأكيد المرور الآمن من المسار الجنوبي المحمي من البحرية الامريكية وطمأنة ودفع ناقلات النفط والسفن التجارية للمرور من ذلك المسار.

يبدو مما نشرته الفايننشال أن العملية لم تكن بالشكل التقليدي لاستخدام كاسحات الألغام ولكنها اعتمدت على غواصين من البحرية الأمريكية يقومون بالغوص ليلاً وعبر تقنيات حديثة بتحديد أماكن الألغام في قاع البحر ثم يقومون بالجزء الأصعب وهو عملية تفجير اللغم وهو الأمر الذي تم بمساعدة غواصات مسيرة وزوارق آلية.

في نفس التوقيت لم يتوقف ترامب عن المبالغة في الدعاية لعملية إزالة الألغام من المضيق واستمر في أكثر من مرة في التأكيد على التطهير الكامل للمضيق من الألغام الإيرانية والتأكيد على سلامة السفن والناقلات التي تنوي المرور من المضيق.

التحدي الحقيقي هنا ليس في عملية التطهير التي قد تستغرق شهور من العمل والمخاطر الكبيرة والتي لا تضمن بالضرورة الوصول الى نتائج مؤكدة بالتطهير الكامل للمضيق من الألغام ولكن التحدي في سهولة عملية إعادة زرع الألغام التي تقضي على مجهود شهور طويلة من خلال عملية تستغرق ساعات أو يوم ويومين.

إذا على ماذا يراهن ترامب في اللحظة الحالية؟
يراهن ترامب على مسارين: الإيلام الاقتصادي لإيران وإفقاد الأخيرة لأهم ورقة استراتيجية تمتلكها منذ بداية الحرب وهي التحكم في مضيق هرمز ويعتقد ترامب أن الاستمرار في الرهان على المسارين سيدفعان النظام الإيراني لتغيير سلوكه وتقديم تنازلات على طاولة المفاوضات.
في سبيل تحقيق الهدف الأول يواصل ترامب الحصار المفروض بحرا على إيران وكذلك يواصل فرض العقوبات والتي تصاعدت لتصل لعقوبات ثانوية تطول الدول الرئيسية التي تتعاون مع طهران وفي سبيل الهدف الثاني يحاول ترامب تقويض القدرات العسكرية الإيرانية وفي الوقت نفسه تفعيل المسار الجنوبي لمضيق هرمز وبالتالي يصبح المضيق مفتوح في مسار تتحكم فيه أمريكا ولا وجود للتهديد والتحكم الإيراني في المضيق.

ولكن يبدو الوقت في صالح إيران على المدى القصير بينما يبدو الوقت في صالح واشنطن على المدى البعيد

ماذا تعني هذه الخلاصة؟
بالتأكيد تسبب الحصار وكذلك العقوبات في خسائر اقتصادية مؤلمة لإيران لكن النظام الإيراني على مدار عقود اعتاد على مواجهة هذا النوع من الضغوط وعدم الاستجابة لها والمثال الأبرز هنا في ولاية ترامب الأولى التي استخدم فيها سياسة الضغط الأقصى وفرض عقوبات نفطية مرهقة أدت إلى تراجع الاحتياطي النقدي الأجنبي في إيران من 120 مليار دولار إلى تقريبا 15 مليار دولار بعد عامين من فرض العقوبات وهنا كانت الاستنتاجات الجوهرية أن العقوبات على الرغم من قوتها لكنها لم تدفع النظام الإيراني للتخلي عن سياستها في المنطقة وأن العقوبات تحتاج إلى وقت طويل قد يصل إلى عدة سنوات لتحقيق الإيلام الاقتصادي.

فيما يتعلق بتحكم إيران في المضيق فإن مجرد الإعلان الأمريكي عن تطهير المضيق من الألغام بالتأكيد ليس كافي لدفع ناقلات النفط والغاز للمرور من المضيق والأمر هنا تدعمه بيانات تتبع السفن التي تؤكد أن مستويات المرور من المضيق لاتزال أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب والأكثر خطورة أن جزء مهم من الناقلات التي تمر من المضيق تمر -بإرادتها- من خلال المسار الإيراني في مضيق هرمز.

وبعيدا عن الألغام فإن الهجمات الإيرانية على ناقلات النفط ومن خلال أسلحة منخفضة التكلفة مسيرات وصواريخ باليستية كافية أن تعيد المضيق إلى المربع صفر وتتسبب في شبه شلل كامل في حركة الملاحة البحرية في المضيق وتؤدي إلي اضطرابات مجددا في أسواق النفط العالمية وهذا ما تؤكده الهجمات المتبادلة الأخيرة بين أمريكا وإيران على ناقلات النفط والتي قفزت بأسعار الخام للاقتراب من 100 دولار وتسببت في مزيد من تراجع حجم النفط الخام الذي يمر من المضيق ليصل إلى 4.4 مليون برميل يوميا (مستويات ما قبل الحرب 15 مليون برميل نفط يومياً).

بينما على المدى البعيد قد تتسبب العقوبات والحصار في إيلام اقتصادي شديد لإيران وكذلك ربما مع استمرار الهجمات الأمريكية على مدار شهور تتسبب في تقويض القدرات العسكرية الإيرانية المرتبطة بقدرة طهران على فرض سيطرتها على المضيق ولذلك قد يكون الوقت في صالح أمريكا فقط على المدى البعيد وهذا رهان لا تخسر فيه أمريكا سوى عدم قدرتها على انهاء الحرب التي بدأتها بالصورة والشكل التي تريد بشكل سريع في حين ستواصل واشنطن تحقيق عائداتها القياسية من صادرات النفط والغاز المسال ورسم خريطة الطاقة العالمية الجديدة التي تفرض فيها الهيمنة التي وعد ترامب بتحقيقها وبعيدا عن هذا المشهد ستواصل دول الخليج خسائرها ونزيفها الاقتصادي المؤلم.

اترك تعليقا