أصوات العرب تربك حسابات تشكيل الحكومة
انتخابات إسرائيل
- السيد التيجاني
- 27 أكتوبر، 2026
- تقارير وترجمات, فلسطين
- أصوات العرب, انتخابات إسرائيل, نتنياهو
لم تعد الانتخابات الإسرائيلية مجرد منافسة بين أحزاب تتطلع إلى تشكيل الحكومة، بل تحولت إلى اختبار سياسي واسع لمستقبل بنيامين نتنياهو، وحدود قدرته على الاحتفاظ بالسلطة بعد سنوات من الحروب والانقسامات الداخلية والأزمات الأمنية.
وبينما يسعى معسكر المعارضة إلى إنهاء هيمنة نتنياهو على الحكم، تبرز أصوات الناخبين العرب، وأزمة الثقة بالمؤسسات، وحسابات تشكيل الائتلافات باعتبارها عوامل قد تحدد شكل المرحلة المقبلة.
وتكتسب انتخابات 27 أكتوبر 2026 أهمية استثنائية، باعتبارها الأولى منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023 والحروب التي أعقبته في غزة ولبنان وإيران. ولذلك، لا يتعلق التنافس فقط بهوية رئيس الوزراء المقبل، وإنما يمتد إلى تقييم إدارة الحرب، والمساءلة عن الإخفاقات الأمنية، ومستقبل العلاقة بين المكونات المختلفة للمجتمع الإسرائيلي.
مشاركة مرتفعة وأسئلة حول المزاج الانتخابي
سجلت المشاركة الانتخابية ارتفاعًا لافتًا، إذ أعلنت لجنة الانتخابات الإسرائيلية أن نسبة التصويت بلغت 55.7% حتى الرابعة عصرًا بالتوقيت المحلي، مقارنة بنحو 47.5% في التوقيت نفسه خلال انتخابات 2022.
وتشير هذه الأرقام إلى اتساع المشاركة، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد المستفيد من الإقبال، لأن النتيجة النهائية تتوقف على توزيع الأصوات بين الأحزاب، وقدرتها على تجاوز العتبة الانتخابية، ثم تجميع المقاعد اللازمة لتشكيل الحكومة.
وتكشف المنافسة عن انقسام يتجاوز الخلاف التقليدي بين اليمين والوسط واليسار، ليشمل قضايا الأمن والخدمة العسكرية والاقتصاد ومستقبل النظام السياسي. كما يواجه نتنياهو ضغوطًا مرتبطة بمطالب إجراء تحقيق مستقل في إخفاقات السابع من أكتوبر، بينما يطرح منافسوه ضرورة إعادة تقييم إدارة البلاد خلال السنوات الماضية.
نتنياهو وآيزنكوت.. صراع على تعريف الأمن
يخوض نتنياهو المنافسة مستندًا إلى خطاب يركز على الأمن ومواجهة خصوم إسرائيل، في محاولة لتقديم خبرته السياسية والعسكرية باعتبارها عنصرًا أساسيًا في حماية الدولة.
في المقابل، يقدم غادي آيزنكوت، رئيس حزب «يشار» والرئيس السابق لهيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي، نفسه بوصفه خيارًا لإعادة ترتيب الأولويات السياسية والأمنية، مع التركيز على المساءلة عن إخفاقات أكتوبر واستعادة الثقة الداخلية.
لكن التغيير في القيادة لا يعني بالضرورة تحولًا جذريًا في السياسة تجاه الفلسطينيين. فبحسب تحليل مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، لا تحتل إقامة الدولة الفلسطينية موقعًا متقدمًا في أولويات معظم الناخبين اليهود، كما ترفضها الأحزاب اليهودية الرئيسية، بما فيها قوى منافسة لنتنياهو.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية: قد تتغير الحكومة، بينما تظل بعض الثوابت المتعلقة بالأمن والسيطرة على الأراضي الفلسطينية قائمة، بما يجعل تقييم أي تحول سياسي مرتبطًا بالسياسات الفعلية، لا بمجرد تبدل الأشخاص.
الصوت العربي.. وزن انتخابي وعقبات سياسية
تمثل مشاركة المواطنين العرب في إسرائيل أحد أبرز متغيرات الانتخابات، خاصة في ظل دعوات إلى رفع الإقبال لمنع استمرار حكومة نتنياهو، والمطالبة بمعالجة الجريمة والعنف والتمييز وتراجع الخدمات في البلدات العربية.
ويشير البروفيسور يوسي ميكيلبيرغ، الباحث الاستشاري البارز في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمعهد تشاتام هاوس، في تحليله للانتخابات، إلى أن رفض أحزاب صهيونية رئيسية التعاون مع الأحزاب العربية قد يحرم المعارضة من الوصول إلى الأغلبية البرلمانية، حتى إذا حققت نتائج جيدة في صناديق الاقتراع.
وتزداد أهمية هذه المعضلة لأن تشكيل الحكومة يتطلب الحصول على ثقة 61 عضوًا على الأقل في الكنيست المؤلف من 120 مقعدًا. وبالتالي، قد تمتلك الأحزاب العربية قدرة على التأثير في الحسابات البرلمانية، لكن هذا التأثير لا يضمن مشاركتها في الحكومة أو تبني مطالبها.
وتكشف تصريحات منصور عباس، رئيس القائمة العربية الموحدة، واتهامه نتنياهو بالكذب والتحريض على الأحزاب العربية، عن تصاعد المواجهة حول دور الناخب العربي، واستخدام هذا الملف في تعبئة القواعد الانتخابية.
ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة
يرى ستيفن كوك، الباحث البارز في دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، أن حسابات الأحزاب العربية والحريديم، إلى جانب طموحات قادة المعسكرات السياسية، ستكون مؤثرة في تحديد إمكان تشكيل الحكومة.
ويتيح المشهد ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
الأول: تشكيل حكومة بقيادة نتنياهو. ويتوقف ذلك على قدرة معسكره على تجميع أغلبية برلمانية، والاحتفاظ بتماسك حلفائه من اليمين والأحزاب الدينية.
الثاني: تشكيل حكومة معارضة. ويتطلب اتفاق القوى المناهضة لنتنياهو على قيادة مشتركة وتسوية خلافاتها، خصوصًا بشأن التعاون مع الأحزاب العربية ومستقبل الخدمة العسكرية لليهود المتدينين.
الثالث: استمرار المأزق السياسي. فإذا عجز المعسكران عن جمع 61 مقعدًا، فقد تطول مفاوضات الائتلاف، مع احتمال بقاء حكومة تصريف أعمال أو العودة إلى انتخابات جديدة. ويحذر تحليل مجلس العلاقات الخارجية من أن الطموحات الشخصية والخلافات بين الشركاء قد تعرقل الوصول إلى اتفاق.
ومن هنا تكشف الانتخابات الإسرائيلية عن أزمة أعمق من التنافس على منصب رئيس الوزراء؛ إنها مواجهة حول المسؤولية عن الإخفاقات الأمنية، وحدود التغيير السياسي، ومكانة المواطنين العرب في النظام الانتخابي.
ولا يمكن اعتبار ارتفاع المشاركة دليلًا على اتجاه سياسي بعينه، كما لا تكفي استطلاعات الرأي لحسم شكل الحكومة المقبلة. فالعامل الأكثر حسماً سيكون قدرة الأحزاب على تحويل الأصوات إلى أغلبية برلمانية قابلة للاستمرار.
أما بالنسبة للفلسطينيين، فإن تغيير القيادة الإسرائيلية، إن حدث، لا يعني تلقائيًا تغييرًا في السياسات على الأرض. وسيظل الاختبار الحقيقي مرتبطًا بالمواقف من الحرب والاستيطان والحقوق الفلسطينية، ومدى استعداد الحكومة المقبلة لتغيير المسار القائم.
الانتخابات قد تحسم هوية القيادة، لكنها لن تحسم وحدها مستقبل الصراع؛ فذلك يتوقف على القرارات التي ستتخذها الحكومة الجديدة، وعلى موازين القوى داخل إسرائيل وخارجها.