واشنطن تعود إلى ليبيا عبر صفقة سياسية حساسة
أبعاد المناورة الأمريكية الجديدة لترتيب المشهد الليبي
- dr-naga
- 14 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- أبعاد المناورة الأمريكية, الأمم المتحدة, الاقتصاد, المسار الأممي, تركيا, خليفة حفتر, سياسة, ليبيا, هيومن رايتس ووتش, واشنطن
الرائد// تدخل الولايات المتحدة مجدداً على خط الأزمة الليبية من بوابة تسوية سياسية يجري العمل عليها بين معسكر الشرق والسلطات في الغرب، في تحرك يقوده مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس. وتقوم الفكرة المطروحة، وفق تحقيق نشرته «لوموند» اليوم 13 سبتمبر، على إعادة توحيد مؤسسات الدولة عبر ترتيبات لتقاسم السلطة بين شخصيات مرتبطة بمعسكري خليفة حفتر وعبد الحميد الدبيبة، بدلاً من انتظار مسار انتخابي شامل قد يطول تعثره.
لكن أهمية التحرك الأميركي لا تكمن في محاولة إنهاء الانقسام فقط، وإنما في الطريقة التي يجري بها ذلك. فالمسار الأميركي يبدو أقرب إلى تفاوض مباشر مع مراكز القوة الموجودة بالفعل، بينما تدفع الأمم المتحدة منذ فترة باتجاه إعادة بناء الشرعية عبر انتخابات رئاسية وبرلمانية ومؤسسات موحدة. وتكشف هذه المفارقة أن واشنطن تريد تحقيق استقرار سريع قابل للبناء عليه، في حين تخشى الأمم المتحدة وقوى ليبية أن يؤدي تثبيت موازين القوى الحالية إلى إعادة إنتاج الأزمة بدلاً من حلها.
ويشير أنس القماطي، مدير معهد صادق للدراسات السياسية في طرابلس، إلى إحدى أكثر العقد حساسية؛ إذ قال إن المناورات العسكرية المشتركة بين قوات الشرق والغرب في سرت خلال أبريل لم تؤد إلى دمج حقيقي، لأن القوات لم توحد سلاسل القيادة أو أنظمة الاتصال. وهذه النقطة مهمة، لأن توحيد الحكومة من دون توحيد القوة العسكرية قد يجعل أي اتفاق سياسي هشاً أمام أول أزمة أمنية كبيرة.
وتأتي المبادرة الأميركية في وقت كان المسار الأممي قد حقق خطوة مختلفة تماماً. ففي 30 أغسطس وقّعت أطراف ليبية اتفاقاً برعاية بعثة الأمم المتحدة بشأن إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ومعالجة جوانب من الإطار الدستوري والقانوني، مع هدف إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية خلال مدة لا تتجاوز عامين. وأكدت المبعوثة الأممية هانا تيته أن الاتفاق ليس نهاية العملية السياسية وإنما خطوة نحو تهيئة الظروف لانتخابات ذات مصداقية.
وهنا تظهر نقطة الخلاف الأساسية: هل يمكن توحيد ليبيا أولاً عبر اتفاق بين القوى المسيطرة ثم الذهاب إلى الانتخابات، أم أن الاتفاق نفسه يجب أن يكون نتيجة لمسار سياسي أوسع يشارك فيه المجتمع المدني والناخبون والمؤسسات المنتخبة؟ المساران قد يلتقيان في النهاية، لكن ترتيب الخطوات يختلف جذرياً.
وتزداد حساسية الملف بسبب الاقتصاد والنفط. فقد وثقت لجنة خبراء الأمم المتحدة بشأن ليبيا استمرار شبكات تهريب النفط واستغلال الموارد، بينما أشارت «لوموند» إلى أن تقرير اللجنة المؤرخ في مارس ربط بصورة مباشرة بين شخصيات من معسكري الشرق والغرب بعمليات تصدير نفط غير مشروعة على نطاق واسع. لذلك فإن أي صفقة سياسية لا تتضمن آليات واضحة للرقابة على عائدات النفط وتوزيعها قد توحد المؤسسات شكلياً، لكنها تترك أسباب الصراع الاقتصادية قائمة.
كما أن ليبيا ليست ساحة داخلية فقط. تركيا وروسيا ومصر والإمارات ودول أوروبية لها مصالح أمنية واقتصادية مختلفة، فيما تحتفظ موسكو بنفوذ في الشرق والجنوب، وتملك أنقرة نفوذاً عسكرياً وسياسياً مهماً في الغرب. ولذلك فإن عودة واشنطن إلى الملف تعني أيضاً محاولة إعادة ترتيب التوازن الدولي حول ليبيا، وليس مجرد الوساطة بين حكومتين متنافستين.
والتجربة الليبية منذ سقوط القذافي عام 2011 تقدم تحذيراً مهماً: الاتفاقات التي تجمع النخب المسلحة قد توقف القتال لفترة، لكنها لا تضمن بناء دولة مستقرة. وقد وثقت منظمة «هيومن رايتس ووتش» استمرار الانقسام بين سلطات الشرق والغرب، وضعف القضاء، والإفلات من العقاب، وانتهاكات مرتبطة بالجماعات المسلحة، بما يؤكد أن الأزمة تتجاوز مجرد اختيار رئيس أو رئيس حكومة.
السيناريو الأكثر ترجيحاً خلال المرحلة المقبلة هو استمرار التفاوض الأميركي بالتوازي مع المسار الأممي، مع محاولة الوصول إلى صيغة تمنع اندلاع مواجهة جديدة وتضمن توحيد المؤسسات المالية والأمنية قبل الانتخابات. لكن نجاح ذلك سيتوقف على سؤال جوهري: هل تقبل القوى العسكرية الرئيسية بالتخلي فعلياً عن جزء من نفوذها، أم أنها ستستخدم الاتفاق للحصول على شرعية دولية جديدة مع الاحتفاظ بمصادر القوة القديمة؟
وبالنسبة لليبيين، فإن قيمة أي تسوية لن تقاس بعودة اسم «الحكومة الموحدة» فقط، وإنما بقدرتها على إنهاء الانقسام الأمني، ضبط عائدات النفط، إطلاق انتخابات حقيقية، وإخراج القرار السياسي تدريجياً من دائرة التفاهمات المغلقة بين مراكز القوة. وإذا غابت هذه العناصر، فقد يتحول الاتفاق الأميركي إلى هدنة سياسية جديدة، لا إلى نهاية فعلية للانقسام.
المصادر:
لوموند، فريديريك بوبان، 13 سبتمبر 2026، «ترامب يسعى إلى لعب دور صانع السلام في ليبيا المنقسمة».
بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، 30 أغسطس 2026، اتفاق الخطوات التالية نحو الانتخابات الوطنية.
بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، 8 سبتمبر 2026، بيان مجلس الأمن بشأن ليبيا.
هيومن رايتس ووتش، التقرير العالمي 2026، ملف ليبيا.