واشنطن تضغط على نتنياهو لوقف حصار مستوطني قصرة
بعدما واصل مستوطنون حصار ثلاثة منازل فلسطينية
- السيد التيجاني
- 14 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات
- إسرائيل, الضفة الغربية, المستوطنين, جموب نابلس, لبنان, منازل فلسطينية, نتنياهو
تحولت بلدة قصرة جنوب نابلس إلى بؤرة توتر جديدة في الضفة الغربية المحتلة، بعدما واصل مستوطنون إسرائيليون حصار ثلاثة منازل فلسطينية لعدة أيام، في واقعة دفعت واشنطن إلى ممارسة ضغوط مباشرة على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للتنديد علناً بما يجري.
وبحسب مسؤول أمريكي وآخر إسرائيلي تحدثا لرويترز، فإن البيت الأبيض يريد من نتنياهو اتخاذ موقف علني ضد المستوطنين الذين يحاصرون السكان، خصوصاً بعدما تبين أن أحد المنازل المستهدفة يعود إلى فلسطيني يحمل الجنسية الأمريكية.
وتقول الأمم المتحدة إن نحو 15 فلسطينياً، بينهم طفلان، وجدوا أنفسهم محاصرين داخل المنازل، وسط انقطاع للمياه والكهرباء وصعوبة في وصول المساعدات. ورغم دخول قوات إسرائيلية إلى المنطقة، استمر التوتر، بينما أزال الجيش خيمة أقامها مستوطنون بالقرب من أحد المنازل.
لماذا تتحرك واشنطن الآن؟
يرى محللون أن الموقف الأمريكي يحمل أكثر من رسالة. فمن جهة، تريد إدارة الرئيس دونالد ترامب منع اتساع العنف في الضفة بما قد يهدد الاستقرار الإقليمي، ومن جهة أخرى تبدو واشنطن حريصة على إظهار أن دعمها لإسرائيل لا يعني قبولها بكل تحركات المستوطنين.
وكان السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي قد وصف المستوطنين المشاركين في حصار منزل فلسطيني بأنهم “إرهابيون إسرائيليون”، في موقف لافت بالنظر إلى مواقفه المعروفة المؤيدة للاستيطان.
ويقول مسؤول في البيت الأبيض إن استقرار الضفة الغربية يصب في مصلحة أمن إسرائيل ويتوافق مع هدف الإدارة الأمريكية المعلن بتحقيق السلام في المنطقة. ويعكس ذلك محاولة أمريكية للتمييز بين الحكومة الإسرائيلية والمجموعات الاستيطانية التي تنفذ أعمالاً ميدانية قد تؤدي إلى انفجار أوسع.
نتنياهو بين واشنطن والائتلاف اليميني
المعضلة الأكثر تعقيداً بالنسبة لنتنياهو أن أي إدانة صريحة للمستوطنين قد تضعه في مواجهة مع جزء مهم من قاعدته السياسية.
فالائتلاف الحكومي الإسرائيلي يعتمد على أحزاب وقوى يمينية متشددة تتمتع بعلاقات وثيقة مع المستوطنين، بينما تقترب الانتخابات الإسرائيلية، ما يجعل أي خطوة ضدهم قابلة للتحول إلى أزمة داخل الائتلاف.
ومن هنا، يتوقع محللون أن يحاول نتنياهو إدارة الأزمة من خلال السماح للجيش والشرطة باتخاذ إجراءات ميدانية محدودة، من دون الدخول سريعاً في مواجهة سياسية مباشرة مع قيادات المستوطنين.
ويشير هذا السيناريو إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي قد يفضل سياسة “الاحتواء الصامت”، بدلاً من إصدار إدانة سياسية واسعة يمكن أن تستغلها المعارضة أو القوى اليمينية ضده.
الجيش الإسرائيلي تحت المجهر
القضية لم تعد مرتبطة بالمستوطنين وحدهم، بل امتدت إلى أداء الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية.
وأظهرت مقاطع مصورة رجالاً يرتدون الزي العسكري الإسرائيلي وهم يصلون مع مستوطنين داخل خيمة أقيمت بالقرب من المنازل المحاصرة، الأمر الذي دفع الجيش إلى الإعلان عن اتخاذ إجراءات تأديبية بحق العسكريين المشاركين.
وفي المقابل، يقول الجيش إنه نشر قوات في قصرة بهدف حماية السكان والحفاظ على الأمن، وأكد أن جنوده أزالوا الخيمة التي أقامها المستوطنون.
ويرى خبراء أن التناقض بين حماية المدنيين ومنع المستوطنين من السيطرة على الأرض يمثل أحد أصعب الملفات أمام المؤسسة العسكرية، خصوصاً عندما تتداخل الاعتبارات الأمنية مع مشروع التوسع الاستيطاني.
المستوطنات تتجاوز حادثة قصرة
لا ينظر مراقبون إلى حصار المنازل باعتباره حادثة منفصلة، إذ تأتي الواقعة وسط تصاعد ملحوظ في عنف المستوطنين بالضفة الغربية خلال العام الحالي.
وتشير بيانات نقلتها وكالة أسوشيتد برس إلى تسجيل 1476 هجوماً مرتبطاً بالمستوطنين خلال 2026، أسفرت عن مقتل 87 فلسطينياً. كما تقول جماعات حقوقية إن قصرة أصبحت من أكثر المناطق تعرضاً لهجمات المستوطنين.
ويرى محللون أن خطورة الوضع تكمن في تحوله من اعتداءات متفرقة إلى نمط من الضغط على السكان الفلسطينيين، عبر قطع الطرق والمياه والكهرباء أو إقامة بؤر استيطانية قريبة من الأراضي والمنازل.
وفي حادثة منفصلة نشرتها رويترز في اليوم نفسه، اتهم فلسطينيون مستوطنين بالاستيلاء على مصدر مياه في منطقة فصايل بالضفة الغربية وتحويله إلى بركة، في مثال آخر على الصراع المتزايد حول الأرض والموارد.
هل تتجه الضفة إلى مرحلة أخطر؟
يتوقع خبراء أن يكون مستقبل الوضع مرتبطاً بقدرة إسرائيل على فرض القانون على المستوطنين، وليس فقط بانتشار القوات العسكرية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تحرك إسرائيلي لنقل مزيد من صلاحيات إنفاذ القانون المتعلقة بالمستوطنين في الضفة من الجيش إلى الشرطة، وهي خطوة يرى محللون أنها قد تعكس توجهاً نحو توسيع الإدارة المدنية الإسرائيلية للمنطقة.
ويحذر محللون من أن استمرار حصار المنازل والاعتداءات على الفلسطينيين قد يؤدي إلى ثلاث نتائج رئيسية: زيادة الاحتكاك بين الفلسطينيين والمستوطنين، تصعيد الضغوط الدولية على الحكومة الإسرائيلية، وتوسيع الفجوة بين واشنطن وبعض مكونات اليمين الإسرائيلي.
كما أن استمرار مثل هذه الوقائع قد يضعف أي جهود سياسية مستقبلية لإحياء مسار التسوية، إذ إن التوسع الاستيطاني وتغيير الواقع على الأرض يجعلان أي نقاش حول إقامة دولة فلسطينية أكثر تعقيداً.
ردود الفعل الدولية
لم تقتصر الانتقادات على الولايات المتحدة. فقد دعت فرنسا السلطات الإسرائيلية إلى توقيف ومحاكمة المستوطنين المتورطين في حصار المنازل، مطالبة بحماية المدنيين الفلسطينيين.
أما على المستوى الفلسطيني، فينظر السكان إلى الحصار باعتباره محاولة لدفعهم إلى مغادرة منازلهم وأراضيهم. وتقول عائشة حسن، إحدى الفلسطينيات الموجودات في المنازل المحاصرة، إن السكان عاشوا أياماً من الخوف وسط استمرار وجود المستوطنين حول المنازل.
وفي المقابل، تؤكد إسرائيل أن قواتها تدخلت للحفاظ على الأمن وإزالة المنشآت غير القانونية، لكن استمرار وجود المستوطنين وعودة التوتر بعد تدخل القوات يطرح تساؤلات حول مدى قدرة السلطات الإسرائيلية على فرض سيطرتها على الجماعات المتشددة.
السيناريوهات المقبلة
السيناريو الأول يتمثل في احتواء الأزمة سريعاً عبر إزالة الخيام وإنهاء الحصار وإبعاد المستوطنين عن المنازل، وهو الخيار الأقل كلفة على نتنياهو أمام واشنطن والمجتمع الدولي.
أما السيناريو الثاني فهو استمرار الإجراءات المحدودة من الجيش من دون معالجة أصل المشكلة، ما قد يؤدي إلى تكرار المواجهات في قصرة ومناطق أخرى.
والسيناريو الأكثر خطورة يتمثل في تحول الحصار إلى نموذج تتبعه مجموعات استيطانية أخرى، بما يرفع احتمالات اندلاع مواجهات أوسع بين الفلسطينيين والمستوطنين، وربما بين المستوطنين والقوات الإسرائيلية نفسها.
وفي جميع الحالات، تبدو قصرة أكثر من مجرد حادثة محلية؛ فهي اختبار لقدرة حكومة نتنياهو على تحقيق توازن بين مطالب حلفائها اليمينيين وضغوط واشنطن، وبين التزامها المعلن بالحفاظ على الأمن ومنع انفلات الأوضاع في الضفة الغربية.
ويرى محللون أن طريقة تعامل الحكومة الإسرائيلية مع هذه الأزمة خلال الأيام المقبلة ستكون مؤشراً مهماً إلى ما إذا كانت ستسعى فعلاً إلى كبح عنف المستوطنين، أم ستكتفي بإجراءات مؤقتة لامتصاص الضغط الأمريكي والدولي.
وإذا بقي نتنياهو صامتاً، فقد يتحول حصار قصرة من أزمة أمنية محدودة إلى قضية سياسية تضغط على علاقات إسرائيل بواشنطن وتعيد ملف الاستيطان إلى واجهة النقاش الدولي.