هيئة الترفيه السعودية وتأثيراتها الاجتماعية والاقتصادية

الدول تمر بدورة حياة ومع تراكم الثروة تدخل الدولة مرحلة "الرفاه" والتي تتحول تدريجياً إلى مرحلة "الترف"

اعداد ناصر القرني

1. الإطار النظري: رؤية ابن خلدون في دورة حياة الدول

يستهل التقرير بالإشارة إلى نظرية المؤرخ ابن خلدون التي طرحها قبل أكثر من ستة قرون، حيث لاحظ أن الدول تمر بدورة حياة تبدأ بالشدة والعصبية والقدرة على التحمل، ثم تنتقل إلى مرحلة القوة والتوسع الاقتصادي والعمراني.
ومع تراكم الثروة، تدخل الدولة مرحلة “الرفاه”، والتي قد تتحول تدريجياً إلى مرحلة “الترف”.
يرى ابن خلدون أن المشكلة لا تكمن في الرفاه بحد ذاته، بل في المرحلة اللاحقة التي تتسم بفقدان أدوات التمكين والقوة، وتغير أولويات المجتمع نحو الكماليات والترفيه على حساب الجدية والبناء، مما يمهد لعوامل الضعف والانحلال.
يطرح التقرير تساؤلاً جوهرياً: هل ما تشهده المملكة اليوم من إنشاء هيئات ترفيهية وإنفاق ملياري على الفعاليات يمثل تطبيقاً عملياً لمرحلة “الترف” الخلدونية التي تسبق الانهيار؟

2. التأسيس والهوية: بين الذريعة الاقتصادية والمشروع الاجتماعي

تم تأسيس الهيئة العامة للترفيه في السابع من مايو 2016 بموجب أمر ملكي، وكانت الحجة الرسمية لتأسيسها تتمحور حول استرداد الأموال التي ينفقها السعوديون في الخارج، وتوفير خيارات ترفيهية للشباب والأسر داخل المملكة، فضلاً عن خلق فرص عمل وجذب السياحة الداخلية.
كان أحمد الخطيب أول رئيس للهيئة، وقد ضمت مجالس إدارتها خبراء دوليين من شركات ترفيه عالمية.
يرى كاتب التقرير أن هذه المبررات كانت غطاءً لمشروع أعمق يهدف إلى “تغيير النسيج الاجتماعي” واستيراد النموذج الغربي في الترفيه (ملاهي، حفلات، اختلاط)، مستشهداً بتواجد شخصيات من شركات مثل “يونيفرسال” و”سيرك دو سوليه” في الهيكل الإداري المبكر للهيئة.

3. مراحل التطبيع والتدرج في كسر المحرمات

يسلط التقرير الضوء على استراتيجية “التدرج” التي اتبعتها الهيئة لكسر الحاجز النفسي والاجتماعي لدى المجتمع المحافظ:
البدايات الحذرة: في يناير 2017، حذر المفتي العام السابق من السينما والاختلاط، فرد عليه رئيس الهيئة آنذاك بأن لا توجه للسماح بالاختلاط “حتى في المستقبل”. ومع ذلك، تم تنظيم فعاليات مثل “سعودي كوميك كون” الذي أوقف بسبب مخالفات، مما شكل بداية لكسر الجمود.

تغيير القيادة وتسريع الخطى: في يونيو 2018، تم استبدال أحمد الخطيب بتركي آل الشيخ، الذي منح الهيئة استقلالاً مالياً وإدارياً واسعاً عبر تنظيم جديد صدر في يناير 2019.

خرق الوعود: رغم تصريحات تركي آل الشيخ في بداية عام 2019 باحترام العادات والتقاليد، شهدت الفترة التالية استضافة فنانات عالميات مثل نيكي ميناج (التي انسحبت لاحقاً لأسباب سياسية)، وتنظيم مباريات مصارعة نسائية في أكتوبر 2019، وإقامة مهرجان “ميدل بيست” في ديسمبر 2019 الذي شهد اختلاطاً ورقصاً لم يعتده المجتمع.

4. التناقض الأخلاقي والإنفاق في أوقات الأزمات

ينتقد التقرير بشدة استمرار إنفاق المليارات على الفعاليات الترفيهية خلال فترات الأزمات الإنسانية والإقليمية.
يشير إلى أحداث مثل نزال الملاكمة بين فوري وأوسيك بتكلفة 120 مليون دولار، ونزال كانيلو وكروفورد بأجر يتجاوز 100 مليون دولار، وحفلات فنية ضخمة في الرياض خلال فترة الحرب في غزة ولبنان.
يطرح التقرير مفارقة أخلاقية مؤلمة: بينما تنفق الدولة هذه المبالغ الطائلة على الترفيه، يعاني الإخوة في فلسطين ولبنان من نقص الغذاء والدواء والمأوى.
كما ينتقد تحويل الترفيه إلى “إنجاز وطني” يُباع للمواطن، بينما هو في الحقيقة مشروع يستنزف الموارد ويغير الهوية.

5. القمع القانوني ومصادرة حق الاعتراض

يتناول التقرير آليات التعامل مع المعارضة المجتمعية لهذا التحول.
في البداية، كانت هناك استجابة لبعض الضغوط الشعبية، مثل إلغاء عرض الكوميدي مايك كبس بعد حملة على وسائل التواصل، وتصريحات مجلس الشورى الداعية للالتزام بالهوية.
ومع تصاعد الانتقادات، انتقلت الدولة إلى مرحلة القمع باستخدام “نظام مكافحة الإرهاب”، حيث تم تصنيف نقد الفعاليات الترفيهية ضمن جرائم الإرهاب. أدى ذلك إلى اعتقال عدد من العلماء والشعراء والنشطاء والمواطنين العاديين (مثل الشيخ عمر المقبل والشاعر حمود السبيعي وغيرهم)، فيما وصفه التقرير بإنشاء “عنابر خاصة” لكل من يعارض سياسات الترفيه، مما أسكت الأصوات الرافضة تحت طائلة القانون.

6. التحليل الاقتصادي: عجز مالي وتضليل في الأرقام

يناقش التقرير الجدوى الاقتصادية لهيئة الترفيه مشككاً في الأرقام المعلنة:
تضخم الإيرادات: ينتقد طريقة احتساب “الدخل غير المباشر” (مثل شراء البنزين أو زيارة الأقارب) كإيراد للمواسم، مما يعطي انطباعاً زائفاً بالربحية.
العجز المالي: تشير بيانات مجلس الشورى إلى أن الدعم الحكومي للهيئة تجاوز مليار ريال، بينما لم تتجاوز إيراداتها التشغيلية في عام 2021 مبلغ 41 مليون ريال، مما يعني عجزاً هائلاً يقارب 959 مليون ريال.

وهم التوظيف: رغم الادعاءات بخلق مئات الآلاف من الوظائف، يشكك التقرير في جودة هذه الوظائف واستدامتها، ويرى أن العبارة القائلة بأن “عدد الوظائف المعروضة يفوق عدد العاطلين” غير دقيقة واقعياً بالنسبة للعاطلين الحقيقيين.
التمويل الضريبي: يتم تمويل هذا العجز من ميزانية الدولة المدعومة بضرائب المواطنين، مع تقديم حلول تمويلية استهلاكية مثل التقسيط عبر خدمات مثل “سامبا” لشراء بطاقات الفعاليات، مما يزيد من أعباء المواطن المالية.

الخاتمة: السؤال الجوهري حول الهوية والمستقبل
يختتم التقرير بالتساؤل عن التأثير طويل المدى لهذا المشروع على الفرد والمجتمع.
المشكلة ليست في الفعالية العابرة، بل في إعادة تشكيل وعي الإنسان السعودي بعد عقد من هذه السياسات، حيث تحولت الأمور المستنكرة سابقاً إلى مقبولة أو مسلم بها.
يطرح الكاتب سؤالاً مصيرياً: إذا كان دستور البلاد هو القرآن والسنة، فهل ما يحدث يتوافق مع ثوابت الدين؟ ويؤكد أن الثمن يدفعه المواطن من اقتصاده، ومبادئه، وتماسك أسرته، ونسيج مجتمعه، محذراً من المسؤوليات التي تؤدي إلى تدمير الوطن بدلاً من بنائه.

 

اترك تعليقا