منسيون..

د. ياسر عبد التواب يكتب

إنهم بسطاء منسيون إن أخذت حقوقهم فلن يشعر بك أحد وإن سلبتهم ما بأيديهم فلن يحاسبك أحد ..ليسوا طائفة واحدة بل هم طوائف مختلفة ..منهم الأطفال – كالأيتام مثلا-  ومنهم العمال ومنهم الخدم ومنهم كبار السن من الوالدين وغيرهم ..

إنهم الشرائح  العمرية والعقلية والاجتماعية غير القادرة على حماية نفسها أو المطالبة بحقوقها

فالطفل ليس لديه وعي ليدرك ما له وما عليه ؛  والعمال والخدم ليست لديهم القدرة على ذلك ..يخافون من المسائلة ويرهبهم الوقوف أمام الأقوياء ويخافون من انقطاع مصدر الرزق وكبار السن إما يتلقون الجحود من أبنائهم أو ممن هم في مقام أبنائهم فتعتورهم مشاعر مختلفة مثل رغبة  الوالدين في عدم لوم الأبناء والتماس الأعذار لهم ..يالها من قلوب لينة تريد لنا النجاة ونغفل نحن عن آلامهم

وإما أن يحجز الشموخ وعظمة النفس كبير السن عن التبرم من أفعال الصغار الذين ظنوا أنفسهم كبارا لما خلا الجو لهم فاستكبروا على الكبار ولم يراعوا حرمتهم ولم يرقوا لحالهم ولم يرحموا ضعفهم فتكون النتيجة مزيدا من تجاهل الألم ومزيدا من تمادي المسيء..

يظن من يظلمهم أنهم لقمة سائغة وهو بذلك يجر الوبال على نفسه فالله تعالى يغضب لهم ويقسم بعزته لينصرنهم فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة t عن رسول الله r أنه قال : ثلاثة لا ترد دعوتهم الإمام العادل والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السماء ويقول الرب عز وجل وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين)

ولقد استقر في قلوب وعقول الأمة حرمة المساس بهذه الطوائف أو استغلال حاجاتها وأنزل الله تعالى عذرهم وقال (..إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ، فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً) (النساء98 :99)  وفي الحديث عن أبي هريرة قال قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم   إني أحرج عليكم   حق الضعيفين  اليتيم والمرأة ) أخرجه الحاكم وغيره

فوجب على الصالحين من عباد الله تعالى أن يسعوا لنصرتهم بكل ما يستطيعون وقد عبر الصديق t عن هذا في خطبته التي قالها بعد توليه أمر أمة محمد r فقال : ..والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف حتى   آخذ الحق منه   إن شاء الله)  فنصرتهم واجبة على كل مستطيع ..كل في موقعه يجب عليه ذلك وجوبا عينيا

والحق أن هذا ليس سلوك  المسلم الذي رباه الإسلام على أن يحب للناس ما يحبه لنفسه بل هو سلوك الانتهازي البغيض الذي يستغل حاجات الآخرين ليرفع نفسه ويعلي خسيسته

عن عبد الله بن عمر عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال  ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا ) أخرجه الحاكم وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم

ولو تفكر ذلك الجاحد المسيء لأدرك أن الأيام دول وأنها لو كان الدوام من حالها لما وصلت إليه فيوم لك ويوم عليك ويبقى بعد ذلك حساب الله تعالى وعقابه .. (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) (الزلزلة7 :8)

د/ ياسر عبد التواب

اترك تعليقا