من سودري إلى الأبيض.. كردفان تتحول إلى محور حاسم في حرب السودان
واحدة من أكثر المناطق حساسية في الصراع
- السيد التيجاني
- 28 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- الجيش السوداني, الخرطوم, الدعم السريع, حرب السودان, كردفان
لا تبدو سيطرة الجيش السوداني على مدينة سودري في ولاية شمال كردفان مجرد مكسب ميداني جديد في حرب مستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، فالموقع الجغرافي للمدينة يجعلها جزءا من معركة أوسع على طرق الحركة والإمداد التي تربط وسط السودان بشماله وغربه. ومع انتقال مركز ثقل العمليات تدريجيا نحو كردفان، تتزايد أهمية كل مدينة وبلدة تتحكم في خطوط الوصول إلى دارفور والخرطوم.
وأعلن مصدر عسكري سوداني أن قوات الجيش فرضت سيطرة كاملة على سودري، التي تعد من أكبر محليات شمال كردفان من حيث المساحة. وتكمن أهميتها في موقعها الذي يربط مناطق الولاية بمسارات تمتد غربا نحو شمال دارفور، وشمالا نحو الولاية الشمالية، فضلا عن الطرق المؤدية باتجاه العاصمة.
معركة الممرات
التحرك نحو سودري يأتي في وقت أصبحت فيه كردفان واحدة من أكثر المناطق حساسية في الصراع السوداني. فبعد تغير خطوط السيطرة في عدد من مناطق البلاد، باتت المنطقة تمثل حلقة وصل بين مناطق نفوذ الجيش في وسط وشرق السودان والمناطق التي تتمتع فيها قوات الدعم السريع بوجود قوي في دارفور.
ويقول محللون إن السيطرة على الطرق والممرات أصبحت أكثر أهمية من الاستيلاء على المدن بمعناها الرمزي، لأن امتلاك طريق آمن يعني القدرة على نقل القوات والذخيرة والغذاء، بينما يؤدي قطع هذه الطرق إلى عزل الوحدات العسكرية وإضعاف قدرتها على الصمود.
ويرى جلال غيتاتشو بيرو، كبير محللي شرق أفريقيا في مجموعة بيانات النزاعات المسلحة والأحداث، أن القتال في كردفان يرتبط بصورة مباشرة بالطرق التي تصل وسط السودان بدارفور، وأن نتائج هذه المعارك يمكن أن تكون لها آثار طويلة الأمد على مسار الحرب.
وهذا ما يجعل سودري جزءا من حسابات أكبر، إذ إن تثبيت الجيش لمواقعه في شمال كردفان قد يتيح له تحسين قدرته على حماية طرق الإمداد والتحرك باتجاه مناطق أخرى، بينما يمثل ذلك ضغطا على قوات الدعم السريع التي تحتاج بدورها إلى الحفاظ على ممرات اتصال مع مناطق انتشارها غربا.
المسيرات تدخل المعركة
وفي الوقت الذي أعلن فيه الجيش تقدمه البري، تعرضت مدينة الأبيض، عاصمة شمال كردفان، لهجوم بطائرة مسيرة أسفر عن مقتل شخصين وإصابة 20 آخرين، بحسب السلطات المحلية.
واتهمت حكومة الولاية قوات الدعم السريع بتنفيذ الهجوم، وقالت إن القصف استهدف مواقع مدنية ونازحين لجؤوا إلى مراكز إيواء هربا من القتال. في المقابل، تنفي قوات الدعم السريع الاتهامات المتعلقة باستهداف المدنيين وتقول إنها تعمل على حماية السكان.
ويكشف التزامن بين التقدم البري للجيش والهجمات المسيرة عن تحول واضح في طبيعة المواجهة. فكلما أصبح تحقيق اختراق بري واسع أكثر صعوبة، ازدادت أهمية الطائرات المسيرة كوسيلة لضرب مواقع الخصم وتعطيل خطوط الإمداد وإيصال الضغط إلى المدن الواقعة خلف خطوط القتال.
وتشير الباحثة نهاد الطيب، من مجموعة بيانات النزاعات المسلحة والأحداث، إلى أن الوضع حول الأبيض يحمل أهمية عسكرية خاصة، بسبب ارتباط المدينة بممرات الإمداد التي تصل المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش ببقية مواقعه.
أزمة إنسانية تتسع
لكن المعركة على الأرض تأتي في وقت يتدهور فيه الوضع الإنساني بصورة متسارعة. وأعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن أكثر من 55 ألف سوداني فروا إلى تشاد منذ بداية العام، مع ارتفاع كبير في أعداد العابرين خلال الفترة الأخيرة.
وقال المنسق الإقليمي للمفوضية لأزمة السودان مامادو ديان بالدي إن أعداد الواصلين إلى تشاد ارتفعت بنحو عشرين مرة مقارنة بالأشهر السابقة، محذرا من تدهور الوضع في دارفور وكردفان والنيل الأزرق.
وتواجه تشاد بدورها ضغوطا كبيرة نتيجة تدفق اللاجئين، بينما تقول المفوضية إن نقص التمويل يهدد قدرة المنظمات الإنسانية على توفير الغذاء والرعاية الصحية والمأوى.
وبذلك لا يمكن فصل التطورات العسكرية في سودري والأبيض عن أزمة النزوح، لأن تغير خطوط القتال يدفع السكان في كثير من الحالات إلى مغادرة مناطقهم مرة أخرى، حتى بعد فرارهم إليها في موجات نزوح سابقة.
الأمم المتحدة تضغط باتجاه الحوار
وفي نيويورك، جدد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش دعوته إلى وقف الحرب وإنهاء معاناة السودانيين، مؤكدا أن الحوار يمثل الطريق إلى تسوية النزاع وإحلال السلام.
وجاءت تصريحات غوتيريش خلال لقائه وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. كما أبدى الأمين العام أسفه لعدم تمكن رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان من المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة بعد عدم حصوله على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة.
وتعكس هذه المواقف اتساع الفجوة بين المسار العسكري والمسار الدبلوماسي. فبينما يواصل الطرفان محاولة تحسين مواقعهما على الأرض، تكرر المؤسسات الدولية دعوتها إلى وقف القتال والعودة إلى التفاوض.
اختبار جديد للجيش والدعم السريع
المعركة المقبلة لن تتحدد بالضرورة بمن يسيطر على مدينة بعينها، وإنما بمن يستطيع الحفاظ على خطوطه بعد انتهاء العمليات. فالجيش يحتاج إلى تثبيت مكاسبه وتأمين الطرق التي أصبحت تحت سيطرته، في حين تواجه قوات الدعم السريع مهمة الحفاظ على قدرتها على المناورة وعدم السماح بقطع الاتصال بين مواقعها.
وتشير قراءات بحثية إلى أن كردفان أصبحت إحدى الجبهات الرئيسية التي يمكن أن تؤثر في اتجاه الحرب، خصوصا مع ارتباطها الجغرافي بدارفور والوسط والشمال.
ومن هنا تكتسب سودري أهميتها الحقيقية. فالمدينة تقع عند تقاطع حسابات عسكرية وإنسانية وسياسية، والسيطرة عليها قد تمنح الجيش مساحة إضافية للمناورة، لكنها في الوقت نفسه قد تدفع الدعم السريع إلى استخدام وسائل أخرى للضغط، وعلى رأسها الطائرات المسيرة.
وبينما تتواصل المعارك، يبقى المدنيون الطرف الأكثر تعرضا لتداعياتها، في ظل اتساع النزوح وتراجع الموارد الإنسانية. ومع استمرار غياب تسوية سياسية شاملة، فإن كل تقدم عسكري جديد قد يعيد ترتيب الخريطة، لكنه لا يضع حدا للحرب التي تحولت إلى صراع طويل على الأرض والطرق ومراكز النفوذ.