من «ستورم شادو» إلى المسيّرات..كيف وسّعت أسلحة بريطانيا دائرة الصراع مع روسيا؟
دعم لندن لكييف يرفع مخاطر التصعيد
- معاذ علي
- 2 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية, الاتحاد الأوربي, الطائرات المسيرة, المسيرات الأوكرانية, اوروبا, حلف الناتو, حلف شمال الأطلسي, روسيا وحلف شمال الأطلسي
لم تعد “الحرب الروسية الأوكرانية” تدور فقط على خطوط الجبهة الممتدة داخل الأراضي الأوكرانية، بعدما انتقلت الضربات بعيدة المدى إلى عمق الأراضي الروسية، في تطور يضع الدعم الغربي لـ”كييف” أمام اختبار جديد، ويزيد حساسية المواجهة بين “موسكو” والعواصم الأوروبية.
وبرزت “بريطانيا” في قلب هذا التصعيد بعدما كشفت تقارير عن استخدام أوكرانيا “مسيّرات بريطانية الصنع” في هجمات استهدفت مواقع عسكرية وصناعية داخل روسيا، في خطوة اعتبرتها موسكو دليلاً جديداً على اتساع الدور البريطاني في الحرب.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأن المسيّرات البريطانية لا تمثل مجرد إضافة إلى الترسانة الأوكرانية، بل جزءاً من تحول أوسع في طبيعة الحرب، أصبحت فيه الضربات بعيدة المدى أداة لاستنزاف البنية العسكرية والاقتصادية الروسية، وإجبار موسكو على توزيع دفاعاتها الجوية على مساحة جغرافية أوسع.
من الدعم العسكري إلى العمق الروسي..
كانت “بريطانيا” من أبرز الداعمين العسكريين لأوكرانيا منذ بداية الحرب، وقد شمل دعمها صواريخ «Storm Shadow-ستورم شادو» بعيدة المدى، قبل أن تدخل المسيّرات بريطانية الصنع بصورة أكثر وضوحاً في استراتيجية الضربات الأوكرانية.
وبحسب تقارير إعلامية، استخدمت القوات الأوكرانية مسيّرات أنتجتها شركتان بريطانيتان في استهداف مواقع داخل الأراضي الروسية، بينها منشآت عسكرية وصناعية ومراكز لوجستية، وذكرت تقارير أن بعض الضربات طالت منشآت مرتبطة بقطاع الطاقة والتخزين.
ولا تكمن أهمية هذه الهجمات في حجم الأضرار المباشرة فحسب، وإنما في قدرتها على نقل جزء من تكلفة الحرب إلى الداخل الروسي، بعدما أصبحت منشآت بعيدة عن خطوط القتال التقليدية أهدافاً محتملة للضربات الأوكرانية.
وتشير بيانات نقلتها وسائل إعلام بريطانية إلى أن أوكرانيا كثفت بشكل كبير هجماتها بعيدة المدى داخل روسيا خلال الأشهر الماضية، مع ارتفاع وتيرة هذه العمليات مقارنة ببداية العام.
موسكو ترفع سقف التحذير..
إن انتقال السلاح البريطاني إلى العمق الروسي، يفتح الباب أمام معادلة أكثر خطورة، فـ”موسكو” لم تتعامل مع الأمر باعتباره مجرد هجمات أوكرانية، بل وجهت تحذيرات مباشرة إلى “لندن”، متهمة إياها بتوسيع مشاركتها في الصراع.
وفي “18 أغسطس”، حذرت السفارة الروسية في بريطانيا من أن لندن ستدفع ثمناً نتيجة دعمها العسكري لكييف، معتبرة أن استخدام أسلحة بريطانية في ضرب الأراضي الروسية يؤكد، من وجهة نظر موسكو، أن بريطانيا تختار التصعيد.
ثم ارتفع مستوى التهديد الروسي في “27 أغسطس”، عندما قالت “موسكو” إنها قد تستهدف منشآت عسكرية بريطانية داخل أو خارج أوكرانيا، رداً على استخدام صواريخ بريطانية من طراز «Storm Shadow-ستورم شادو» في هجمات على الأراضي الروسية.
وهنا تتجاوز المسألة حدود السجال السياسي؛ إذ إن انتقال التهديدات إلى احتمال استهداف منشآت مرتبطة بدولة عضو في “حلف شمال الأطلسي”، يرفع مخاطر سوء التقدير، خصوصاً إذا وقعت ضربة روسية داخل الأراضي البريطانية أو استهدفت قوات أو منشآت بريطانية في دولة أخرى.
الدعم البريطاني مستمر..
في المقابل.. لا تبدو بريطانيا مستعدة للتراجع أمام الضغوط الروسية، حيث أكدت الحكومة البريطانية استمرار دعمها لأوكرانيا، بينما شدد رئيس الوزراء “آندي برنهام” على أن لندن ستواصل مساندة كييف، معتبرة أن الدعم البريطاني يأتي في إطار مساعدة أوكرانيا على مواجهة الحرب الروسية.
ويكشف ذلك عن معادلة دقيقة.. بريطانيا تريد رفع قدرة أوكرانيا على ضرب الأهداف العسكرية والاقتصادية الروسية، لكنها في الوقت نفسه تحاول إبقاء مشاركتها ضمن إطار الدعم العسكري لكييف، وليس الانخراط المباشر في الحرب، غير أن الحدود بين الأمرين تصبح أكثر ضبابية كلما ازدادت الأسلحة الغربية تطوراً، وكلما اتسعت قدرتها على الوصول إلى العمق الروسي.
المسيّرات.. سلاح يغير قواعد الحرب..
المسيّرات أصبحت خلال الحرب الروسية الأوكرانية، أحد أبرز عناصر التحول في طبيعة العمليات العسكرية، فهي أقل تكلفة من الصواريخ التقليدية في كثير من الحالات، ويمكن إطلاق أعداد كبيرة منها، كما تتيح للطرف المهاجم استهداف منشآت بعيدة دون المخاطرة بإرسال طائرات مأهولة إلى المجال الجوي للخصم، وهذا ما يدفع كييف إلى الاعتماد بصورة متزايدة على الهجمات بعيدة المدى.
وفي أحدث تطور، أفادت تقارير بأن الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” وجه برفع عدد الضربات بعيدة المدى على روسيا إلى نحو “ألف ضربة يومياً”، مقارنة بنحو “300 سابقاً”، في محاولة لزيادة الضغط على المنشآت الروسية المرتبطة بالطاقة والإمدادات العسكرية.
وفي المقابل، تواصل روسيا استخدام أعداد ضخمة من المسيّرات في هجماتها على المدن والبنية التحتية الأوكرانية، إذ أفادت «رويترز»، بأن موسكو أطلقت نحو “1500 مسيّرة” خلال أربعة أيام في أواخر أغسطس، في واحدة من أعنف موجات الهجمات الجوية منذ بداية الحرب.
هل تقترب بريطانيا من المواجهة المباشرة؟..
الإجابة حتى الآن: ليس بالضرورة، لكن هامش المناورة يضيق… فامتلاك أوكرانيا أسلحة ومسيّرات بريطانية لا يعني تلقائياً أن بريطانيا أصبحت طرفاً مباشراً في الحرب، إلا أن حجم الدعم ونوعية الأسلحة وقدرتها على الوصول إلى العمق الروسي تجعل الفصل بين «الدعم» و«المشاركة غير المباشرة» أكثر صعوبة.
كما تزداد المخاطر مع دخول الحرب مرحلة تعتمد بدرجة متزايدة على ضرب البنية التحتية والطاقة وسلاسل الإمداد، وليس فقط القوات الموجودة على خطوط الجبهة.
فبالنسبة لموسكو.. فإن استمرار تدفق الأسلحة الغربية بعيدة المدى يعني أن الحرب لا تواجهها أوكرانيا وحدها، بل شبكة دعم غربية تمتلك قدرات استخباراتية وتقنية وصناعية متقدمة، أما بالنسبة لبريطانيا وحلفائها.. فإن التراجع عن دعم أوكرانيا قد يمنح موسكو مكسباً استراتيجياً، بينما يؤدي رفع مستوى الدعم إلى زيادة احتمال التصعيد مع روسيا.
حرب الوكالة تقترب من حدود المواجهة..
المشهد الحالي لا يشير بالضرورة إلى أن بريطانيا وروسيا تتجهان إلى حرب مباشرة، لكنه يكشف عن اقتراب الصراع من منطقة أكثر حساسية، فكلما زادت قدرة أوكرانيا على استخدام أسلحة غربية لضرب أهداف داخل روسيا، ارتفعت تكلفة الحرب على موسكو، لكن في الوقت نفسه تزداد الضغوط الروسية على الدول التي توفر هذه الأسلحة.
وهذا يضع لندن أمام معادلة صعبة.. كيف تدعم أوكرانيا بما يكفي لمنع روسيا من تحقيق أهدافها، من دون أن يتحول الدعم العسكري إلى شرارة مواجهة مباشرة بين روسيا و«حلف الناتو»؟
وبينما تتواصل الضربات المتبادلة وتتسع دائرة الأهداف، يبدو أن الحرب الروسية الأوكرانية تدخل مرحلة جديدة، لا تُقاس فيها خطوط المواجهة بالخرائط العسكرية التقليدية فقط، بل بمدى قدرة كل طرف على الوصول إلى العمق الاقتصادي والعسكري للخصم.
وفي هذه المرحلة، قد تكون المسيّرات البريطانية مجرد فصل جديد في حرب تتسع جغرافيتها، بينما يصبح خطر سوء الحسابات بين موسكو ولندن وعموم الغرب، أحد أهم المتغيرات التي ستحدد شكل الصراع خلال المرحلة المقبلة.