ممداني وعبد الرحمن السيد.. لا يمثلان الحل النهائي

محمود عبد الغني

أشجع ممداني وعبد الرحمن السيد اليوم، وأؤيد وصول أمثالهما إلى مواقع التأثير السياسي، لأن هذا هو خياري المتاح في اللحظة الراهنة. لكن تأييدهما سياسياً لا يعني النظر إليهما باعتبارهما حلاً نهائياً للمشكلة، ولا تحويلهما إلى رموز فوق النقد أو المساءلة.

المشكلة الأساسية أن هؤلاء الشباب، مهما امتلكوا من ذكاء سياسي وكاريزما وقدرة على مخاطبة الناس، يتحركون داخل ملعب صُمم منذ البداية وفق قواعد اقتصادية وسياسية لم يضعوها هم. إنهم يحاولون تحسين أوضاع الناس الذين يعانون داخل النظام القائم، لكنهم لا يملكون بالضرورة القدرة على تغيير القواعد التي أنتجت هذا الواقع من الأساس.

والتاريخ الأمريكي يقدم مثالاً واضحاً على ذلك. ففي ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، اتخذ فرانكلين روزفلت سياسات واسعة هدفت إلى الحد من آثار الفقر والبطالة، وتنظيم الأسواق، وتحسين أوضاع الطبقات العاملة، وإعادة قدر من التوازن بين رأس المال والمجتمع. غير أن التحولات السياسية والاقتصادية اللاحقة، وخصوصاً منذ عهد رونالد ريغان في ثمانينيات القرن الماضي، أعادت تشكيل كثير من هذه القواعد، ودفعت باتجاه تحرير الأسواق وتقليص دور الدولة وتوسيع نفوذ رأس المال، وصولاً إلى أزمات وتفاوتات اجتماعية أعادت طرح الأسئلة القديمة حول العدالة الاقتصادية.

لهذا أخشى أن تنجح هذه القيادات الجديدة في تحسين حياة الناس، وهو أمر أتمناه وأدعمه، لكنها في الوقت نفسه قد تمنح النظام القائم عمراً أطول من دون أن تمس جذوره العميقة. فقد يكون الإصلاح مهماً وضرورياً، لكنه لا يصبح بالضرورة تغييراً جذرياً لمجرد أنه حسّن شروط الحياة داخل النظام.

ممداني والسيد وغيرهما قد يكونون سياسيين موهوبين، ويمتلكون قدرة استثنائية على التواصل مع الجمهور وتقديم خطاب مختلف، وهذه قيمة حقيقية ينبغي الاعتراف بها. لكن النجاح السياسي لا يجعل صاحبه نبياً، والإصلاح الاجتماعي لا يعني بالضرورة أن صاحبه امتلك تصوراً نهائياً للمجتمع العادل.

بل إن مشكلة الأنظمة الاقتصادية شديدة التركيز على تعظيم الأرباح أنها تستطيع التكيف مع الإصلاحات، والتراجع مؤقتاً أمام الضغوط الاجتماعية، ثم إعادة بناء نفوذها عندما تتغير الظروف. ولذلك فإن تحسين أوضاع الفئات المتضررة قد يكون ضرورياً، لكنه لا يضمن وحده منع عودة الاختلالات نفسها بعد جيل أو جيلين.

يمكن تشبيه الأمر بمستأجر يعاني من مالك يستغل سلطته ويفرض عليه شروطاً مجحفة. إذا نجح المستأجر في تحسين عقد الإيجار، أو خفض قيمة الإيجار، أو الحصول على بعض الحقوق، فهذا إنجاز مهم يستحق الدفاع عنه. لكنه لا يغير بالضرورة طبيعة العلاقة نفسها إذا بقيت قواعد الملكية والاستغلال على حالها.

وفي بعض الحالات، قد يكون الإصلاح التدريجي هو الطريق الأكثر واقعية والأقل كلفة على المجتمع. لكن هناك لحظات يصبح فيها السؤال أكبر من تحسين شروط الوضع القائم: هل نريد فقط جعل البيت القديم أكثر احتمالاً للسكن، أم نريد بناء بيت جديد يقوم منذ البداية على قواعد أكثر عدلاً؟

وأنا لا أطرح هذه الفكرة من منطلق شيوعي، ولا أرى في نجاح الفرد أو الملكية الخاصة أو النشاط التجاري أموراً سلبية في ذاتها. إنما أريد نظاماً اقتصادياً واجتماعياً تحكمه قواعد أخلاقية عادلة، تمنع الاحتكار والاستغلال والاستعباد الاقتصادي، وتحمي حق الفرد في العمل والتجارة والملكية، وفي الوقت نفسه تحمي المجتمع من تحول القوة الاقتصادية إلى وسيلة للهيمنة على الإنسان.

لذلك فإن دعمي لممداني وعبد الرحمن السيد وأمثالهما هو دعم سياسي في معركة اليوم، وليس تفويضاً أبدياً ولا إيماناً بأنهم يمتلكون وحدهم مفاتيح المستقبل. يمكن أن يكونوا حلفاء مهمين في تحسين حياة الناس، ويمكن أن يحققوا إنجازات حقيقية، لكن علينا أن نفرق دائماً بين الإصلاح داخل النظام وبين إعادة بناء النظام على أسس أكثر عدلاً.

الخلاصة: ممداني وعبد الرحمن السيد قد يكونان حلفاء اليوم، وربما يحققان إصلاحات تستحق الدعم، لكن لا ينبغي أن يتحول الحليف السياسي إلى نبي، ولا أن يتحول الإصلاح المؤقت إلى وهم بأن المشكلة قد حُلّت من جذورها.

اترك تعليقا