مصر والصين تعمقان الشراكة وسط تنافس أمريكي صيني
مرحلة جديدة من التقارب السياسي والاقتصادي والعسكري
- dr-naga
- 5 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- أمريكا والصين, الاستثمار, البحر الأحمر, السيارات, الصين, الطاقة المتجددة, العملات المحلية, القاهرة, بكين, صناعة السيارات, قناة السويس, مصر, مصر والصين
الرائد//دخلت العلاقات المصرية الصينية مرحلة جديدة من التقارب السياسي والاقتصادي والعسكري، بعد زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة يومي الأول والثاني من سبتمبر 2026، في مناسبة تزامنت مع مرور سبعين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وأكد البيان المشترك الصادر عن الرئاسة المصرية أن القاهرة وبكين تعملان على مواصلة تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة وتوسيع مجالات التعاون بينهما.
وتكتسب الزيارة أهمية تتجاوز بعدها الاحتفالي، لأنها جاءت في وقت تسعى فيه مصر إلى توسيع شبكة علاقاتها الدولية وعدم حصر خياراتها الاقتصادية والاستراتيجية في شريك واحد، بينما تعمل الصين على زيادة حضورها في الشرق الأوسط وأفريقيا. وتظهر مصر في الحسابات الصينية باعتبارها دولة ذات وزن سكاني وسياسي كبير، وموقعاً استراتيجياً يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر عبر قناة السويس.
استخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار
اقتصادياً، اتفق الرئيسان على تعزيز استخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار، ومواصلة العمل على تحقيق قدر أكبر من التوازن في الميزان التجاري، مع تشجيع زيادة الصادرات المصرية إلى السوق الصينية. كما اتفقا على مواصلة التشاور بشأن اتفاقية الحصاد المبكر.
وتأتي هذه الخطوات في سياق اقتصادي أوسع. فقد جدد البنك المركزي المصري وبنك الشعب الصيني في يونيو 2026 اتفاق مبادلة العملات المحلية، ورفع قيمته إلى 30 مليار يوان، بما يعادل نحو 4.43 مليار دولار، بهدف دعم التجارة والاستثمار وتسوية جزء من المعاملات بالجنيه المصري واليوان بدلاً من الاعتماد الكامل على الدولار. كما وقعت شركات مصرية في أغسطس 2026 سبعة عشر عقد تصدير إلى الصين بقيمة تقارب 168 مليون دولار شملت منتجات زراعية ومنسوجات ومنتجات جلدية وهندسية.
التعاون في الطاقة الجديدة والمتجددة وصناعة السيارات
وتتجه الاستثمارات الصينية كذلك إلى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، حيث تبحث القاهرة وبكين توسيع التعاون في الطاقة الجديدة والمتجددة وصناعة السيارات ومكوناتها والصناعات الطبية. وأكدت الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس في يونيو الماضي استمرار نمو الاستثمارات الصينية داخل المنطقة، مع اهتمام شركات صينية بمشروعات صناعية جديدة.
مناورات مشتركة حملت اسم «نسور الحضارة 2026»
ولم تعد العلاقات محصورة في التجارة والاستثمار. ففي أغسطس 2026 أجرت القوات الجوية المصرية والصينية مناورات مشتركة حملت اسم «نسور الحضارة 2026»، وشملت مقاتلات متعددة المهام وتدريبات على التخطيط المشترك وإدارة العمليات الجوية. وتكتسب هذه المناورات حساسية خاصة بالنسبة إلى واشنطن لأنها تأتي بينما تمتلك مصر منظومة تسليح متنوعة تضم مقاتلات أمريكية وفرنسية وروسية، في حين تزداد الاتصالات العسكرية المصرية الصينية.
لكن القاهرة لا تقدم هذا التقارب باعتباره انتقالاً من المعسكر الأمريكي إلى المعسكر الصيني. فالمؤشرات المتاحة تشير إلى سياسة أكثر تعقيداً تقوم على تنويع الشراكات مع الحفاظ على العلاقة التقليدية مع الولايات المتحدة.
وتظل مصر بالنسبة إلى واشنطن حليفاً وشريكاً أمنياً مهماً في الشرق الأوسط. ويؤكد تقرير حديث لخدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي أن مصر تحتل موقعاً مهماً في الحسابات الأمريكية بسبب موقعها على قناة السويس، وعلاقتها الأمنية بإسرائيل، ودورها في قضايا الشرق الأوسط، إضافة إلى التعاون العسكري طويل الأمد مع الولايات المتحدة. كما أشار التقرير إلى أن واشنطن قدمت لمصر أكثر من 90 مليار دولار من المساعدات الثنائية منذ عام 1946، وفق القيمة التاريخية غير المعدلة للتضخم.
مصر والمؤسسة العسكرية الأمريكية
وتظهر أهمية مصر بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية الأمريكية بوضوح في تصريحات وزارة الدفاع الأمريكية. ففي أبريل 2025 أكد وزير الدفاع الأمريكي آنذاك بيت هيغسيث قوة الشراكة بين الولايات المتحدة ومصر، وشدد على أهمية التعاون في أمن البحر الأحمر وقناة السويس. كما شاركت القوات الأمريكية والمصرية في مناورات «برايت ستار 2025» التي ضمت قوات من عشرات الدول.
وفي الوقت نفسه، لا تنظر واشنطن إلى الصين باعتبارها مجرد مستثمر جديد في مصر. فالتنافس الأمريكي الصيني يجعل بعض قطاعات التعاون المصري الصيني أكثر حساسية، خصوصاً الاتصالات والتكنولوجيا والبنية التحتية ذات الاستخدام الاستراتيجي والتعاون العسكري. وأشار تقرير خدمة أبحاث الكونغرس إلى أن الولايات المتحدة سبق أن حذرت مصر من السماح لشركات صينية بالمشاركة في بنية الاتصالات الحيوية، كما رصد توسع العلاقات التجارية والعسكرية بين القاهرة وبكين.
ويكشف ذلك عن معادلة دقيقة بالنسبة إلى مصر: الولايات المتحدة هي الشريك الأمني والعسكري التقليدي، بينما الصين أصبحت شريكاً اقتصادياً وصناعياً وتكنولوجياً متنامياً. ووفق تحليل نشره مركز كارنيغي للشرق الأوسط في الثالث من سبتمبر، فإن زيارة شي لم تكن مؤشراً على رغبة القاهرة أو بكين في إقامة علاقة حصرية، بل تعكس رغبة الطرفين في تعميق التعاون مع الاحتفاظ بهامش واسع من الحركة. ويرى عمرو حمزاوي أن الاضطرابات الإقليمية دفعت القاهرة إلى تعزيز شراكاتها مع القوى الدولية المختلفة لحماية مصالحها في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.
أراء المحللين
ويذهب المحلل البريطاني إتش إيه هيليير، الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، إلى أن القاهرة تتجه نحو قدر أكبر من «الاستقلالية الاستراتيجية»، مع رغبتها في الاحتفاظ بعلاقات قوية مع واشنطن وبكين وموسكو وأوروبا في الوقت نفسه. كما رأى إريك أولاندر، المؤسس المشارك لمشروع الصين والجنوب العالمي، أن أهمية مصر بالنسبة إلى بكين ترتبط بموقعها عند تقاطع قضايا الشرق الأوسط وأفريقيا والبحر الأحمر وقناة السويس.
ومن المنظور الأمريكي، تكمن المشكلة المحتملة في أن نجاح الصين في بناء حضور طويل الأمد داخل مصر قد يمنح بكين نفوذاً اقتصادياً وتكنولوجياً ولوجستياً في دولة تعتبرها واشنطن ركناً مهماً في النظام الإقليمي. ولهذا تبدو بعض الاستثمارات الصينية في البنية التحتية والاتصالات والطاقة والصناعة أكثر أهمية من مجرد قيمتها التجارية.
لكن من الخطأ أيضاً تفسير كل اتفاق مصري صيني باعتباره تحدياً مباشراً للولايات المتحدة. فالتجارة الصينية المصرية وصلت إلى نحو 17 مليار دولار في 2024 وفق خدمة أبحاث الكونغرس، بينما تستمر العلاقات العسكرية والأمنية المصرية الأمريكية على مستوى مرتفع. وفي يوليو 2026 أشار تحليل لمركز كارنيغي إلى أن المصالح الأمريكية والصينية في الشرق الأوسط تتقاطع في عدد من المجالات الاقتصادية، حتى مع استمرار التنافس بين البلدين
وبالتالي، فإن السياسة المصرية تبدو أقرب إلى توزيع المخاطر وتوسيع الخيارات منها إلى استبدال تحالف بآخر. القاهرة تريد الاستفادة من التمويل والاستثمار والتكنولوجيا والأسواق الصينية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على المساعدات والتعاون العسكري والأمني والعلاقات السياسية مع واشنطن.
مصر بوابة مهمة إلى أفريقيا
أما الصين فتجد في مصر بوابة مهمة إلى أفريقيا والبحر المتوسط والبحر الأحمر، وقاعدة اقتصادية مرتبطة بمبادرة الحزام والطريق، وشريكاً سياسياً يمكن أن يساعدها في توسيع حضورها في المنطقة. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن استمرار مصر حليفاً لها لا يمنعها من التعاون مع الصين، لكنه يجعل واشنطن أكثر اهتماماً بالحدود التي يمكن أن يصل إليها هذا التعاون، خصوصاً في التكنولوجيا والاتصالات والموانئ والأمن والدفاع.
وعليه، فإن التطور الأبرز في العلاقات المصرية الصينية ليس مجرد توقيع اتفاقات جديدة، وإنما انتقال الشراكة تدريجياً من مستوى التجارة والاستثمار إلى شبكة أوسع تشمل الصناعة والطاقة والعملات المحلية والتكنولوجيا والتدريب العسكري. وهذه النقلة ستضع القاهرة بصورة متزايدة أمام إدارة علاقة ثلاثية دقيقة: الحفاظ على التحالف التاريخي مع الولايات المتحدة، وتعميق الشراكة مع الصين، وتجنب تحول المنافسة الأمريكية الصينية إلى ضغط مباشر على القرار المصري.