مصر الثالثة
وائل قنديل يكتب
- dr-naga
- 27 يوليو، 2026
- مقالات وتحليلات
- إسرائيل, البضائع الواردة من المستوطنات الإسرائيلية, الغازالطبيعي, بلجيكا, مصر الثالثة, هولندا, وائل قنديل
أطلقت القاهرة الرسمية قبل أسبوع تقريباً زغرودة احتفال بالحكومة البلجيكية وهنّأتها بما وصفته بـ”القرار الهام” (والصحيح المهم) بحظر استيراد السلع والمُنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية. وقالت في بيان صاخب “وتؤكد مصر أن هذه الخطوة تمثل دعماً لقيم العدالة وتطبيقاً عملياً ومسؤولاً لمبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن رقم 2334 الذي يؤكد عدم شرعية الاستيطان ويطالب بوقفه الفوري لتفادي تقويض فرص السلام وحل الدولتين”.
ويبدو أنّ احتفال القاهرة ببلجيكا على إغلاق أبوابها في وجه السلع والمُنتجات القادمة من مستوطنات الكيان الصهيوني قد أثار غيرة الجارة الأوروبية هولندا، إذ لم تمرّ سوى بضعة أيّام حتى عادت القاهرة الرسمية لتقول “ترحب جمهورية مصر العربية بقرار الحكومة الهولندية حظر الاتجار بالبضائع الواردة من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية، مؤكدة أن الخطوة دعم لقيم العدالة وتطبيق لمبادئ القانون الدولي وقرار مجلس الأمن 2334 الذي يؤكد عدم شرعية الاستيطان”.
جميل وجه القاهرة الرسمية حين يتجمّل بملامح ومشاعر قومية، ودموع على فلسطين تلمع في مقلتيها، وفرحة عارمة بتعفّف دول أوروبية عن التعاون التجاري مع السلع المُنتجة في الكيان الصهيوني الاستيطاني، حيث تبدو هذه القاهرة الرسمية، في هذا الموقف، وكأنّها نسخة من القاهرة الشعبية الحقيقية التي ترفع أعلام فلسطين في ملاعب كرة القدم فتحصل على مكافأة الحبس الاحتياطي المُتكرّر، والذي يصل إلى سنوات، والتي تهتف وتغنّي للكابتن حسام حسن حين يلوّح بعلم فلسطين في كأس العالم، ذلك كله جميل ونبيل، إذ لا شيء يبعث على البهجة أكثر من موقف مبدئي وأخلاقي من القضية الفلسطينية.
المشكلة الوحيدة التي تُعكّر هذه الحالة المُبهجة أنّ مصر الرسمية التي طالبت دول الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي بالسير على خطى بلجيكا وهولندا واتخاذ إجراءات مُماثلة لحظر مُنتجات المستوطنات، كانت في التوقيت عينه تحتفل بإنجاز آخر مُناقض تماماً لإنجاز هولندا وبلجيكا، حيث تنشر “الشرق بلومبيرغ ” في الأسبوع نفسه أنّ مسؤولاً حكومياً أبلغها بأنّ الكيان الصهيوني الاستيطاني زاد كمية الغاز الطبيعي التي يمنحها إلى مصر بنسبة 26% لتبلغ 1.2 مليار قدم مكعبة يومياً، وأنّ هذه الكمية من الإمدادات الإسرائيلية سوف ترتفع إلى 1.4 مليار قدم مكعبة يومياً مطلع 2027.
وفي تفاصيل الموضوع بحسب المسؤول الحكومي السعيد إلى درجة أنّه اشترط عدم ذكر اسمه، أنّ إسرائيل قرّرت رفع صادراتها من الغاز الطبيعي إلى مصر بنحو 26.3% لتصل إلى 1.2 مليار قدم مكعبة يومياً حالياً، مُقارنةً بنحو 950 مليون قدم مكعبة يومياً في الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، وأنّ الكميات الإضافية، البالغة نحو 250 مليون قدم مكعبة يومياً، يجرى توريدها من حقلي “ليفياثان” و”تمار” في شرق البحر المتوسط، موضّحاً أنّ تنفيذ الزيادة كان مقرّراً في فبراير/ شباط الماضي، إلا أنّ التوتّرات الإقليمية والتصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران حالت دون تطبيقها في الموعد المحدّد. وأفاد بأنّ الزيادة ستصل إلى 600 مليون قدم مكعبة يومياً بحلول يناير/ كانون الأوّل 2029، ليرتفع إجمالي الإمدادات إلى نحو 1.6 مليار قدم مكعبة يومياً عقب الانتهاء من تنفيذ خطّ الأنابيب الجديد المُخصّص لاستقبال الكميات الإضافية، وإنشاء محطّة لرفع ضغط الغاز المُنتج من حقلي “تمار” و”ليفياثان”.
وفي خلفية القصة، أنّ شركة “نيو ميد إنرجي”، الشريك في حقل “ليفياثان” الإسرائيلي، أعلنت في أغسطس/ آب الماضي توقيع تعديل جوهري على اتفاق تصدير الغاز الطبيعي إلى مصر، يشمل زيادة الكميات الموردة وتمديد فترة التوريد حتى عام 2040، في خطوة وصفها رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنّها “الأكبر في تاريخ إسرائيل”، وتبلغ قيمتها نحو 35 مليار دولار.
السؤال هنا: هل مصر التي فرحت واحتفلت بقرار بلجيكا وهولندا التاريخي بالامتناع عن استيراد مُنتجات الكيان الصهيوني هي نفسها مصر الرسمية التي تنفّسّت بعمق وشعرت بالطمأنينة مع قرار حكومة الاحتلال الصهيوني بزيادة صادراتها من الغاز المسروق من فلسطين المُحتلة إلى القاهرة؟ أم أنّ هذه مصر وتلك مصر أخرى؟! أم أنّ منتجات الاحتلال الاستيطاني حرام على أوروبا وحلال على مصر؟ أم أنّ الاحتلال شرعي يمكن التعامل معه تجارياً بينما الاستيطان جريمة؟
الموقف على درجة من التناقض والإلغاز تُشعرك بأنّ هناك مصر ثالثة خفية هي التي تقرّر وتفعل، غير مصر الشعبية ذات الموقف الساطع ضدّ الاحتلال، وأيضاً غير مصر الرسمية التي تقف في المنطقة الرمادية المُحايدة بين فلسطين وعدو فلسطين، تلك الثالثة لا تنشط في التربّح من إسالة الغاز القادم من الكيان الصهيوني فقط، بل تنشط في تسييل المعاني والقيم الأخلاقية، وكما قلت قبل سنوات، فإنّ الأسوأ من التبعات الاقتصادية والسياسية لفضيحة استيراد وإسالة الغاز الإسرائيلي في مصر هو إسالة المفاهيم الوطنية والأخلاقية، الأمر الذي يتحوّل معه تعريف الوطن من كيان مقدّس، زمانياً ومكانياً، إلى ما يشبه الأكشاك على الطرق السريعة، يبحث عن الربح، بأيّ وسيلة وتحت أيّ شرط، بدلاً من البحث عن المجد والعزّة والكرامة الوطنية.
كلّ الشكر لبلجيكا وهولندا، والسؤال مرّة أخيرة: متى تحذو القاهرة الرسمية حذوهما وتحصل على بيان ترحيب وإشادة من الاتحاد الأوروبي على قرارها التاريخي بالتعفّف عن استيراد غاز الكيان الاستيطاني؟!
