ماذا يحدث في اليمن؟ ومن يفوز: الحوثيون أم الحكومة؟

محمد جمال عرفة

محمد جمال عرفة

• يبدو أن المعركة التي بدأها الحوثيون ضد القوات الحكومية اليمنية المدعومة عربيا وسعوديا، وتصعيدهم العدوان على السعودية أيضا لحد قصف مناطق النفط ومطار وإصابة 73 مدنيا في يوم واحد قد تنقلب ضدهم.

• منذ الخميس الماضي يشهد اليمن معارك هي الأعنف منذ سنوات، أسفرت حتى الآن عن مقتل أكثر من 500 شخص، ونزوح أعداد كبيرة من السكان، بعدما بدأت قوات الحكومة اليمنية عددا من العمليات العسكرية للتصدي للحوثيين في 4 محافظات يمنية هي تعز والحديدة والبيضاء والجوف، ووضعت لنفسها هدفا هو استعادة العاصمة “صنعاء” التي أحتلها الحوثيون عام 2014.

• الحوثيون المدعومون من إيران تمكنوا من السيطرة على عدد من المواقع والمناطق الاستراتيجية في تعز والحديدة في محاولة للوصول إلى مضيق باب المندب الاستراتيجي.. لكن الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية استعادت عددا من المواقع وبدأت عمليات جديدة تستهدف الوصول في النهاية للعاصمة صنعاء.

• قصة المعارك أصلا متشابكة وما يجرى داخل اليمن له علاقة مباشرة بالحرب على إيران وقصف الحوثيون للسعودية..

فالحوثيون يريدون احتلال مدينة (تعز) لأن مضيق باب المندب يقع ضمنها وباعتباره المنفذ البحري الوحيد لهم ومنه يمكنهم السيطرة بشكل أكبر على الملاحة في البحر الأحمر، والتضامن مع إيران التي تدعمهم في المعركة.

• والقوات اليمنية الحكومية تريد بالمقابل السيطرة على تعز ومنع الحوثيين من التمدد للبحر فيصبحوا محاصرين داخليا بلا منفذ بحري ولو نجحت القوات الحكومية في تحرير الحديدة سيصبح الطريق بالنسبة للقوات اليمنية شبه سالكا حتى حدود السعودية فمدينة الحديدة هي آخر مدينة ساحلية لها قيمة عسكرية، وكل ما يليها مجرد قرى ومدن صغيرة، وبالتالي إذا نجحوا سيصبح الحوثيون محاصرون في المناطق الداخلية ويتم الضغط عليهم في صنعاء وغيرها وربما خروجهم من العاصمة وتراجعهم لمدنهم ومناطقهم الجبلية السابقة.

• ما حدث في اليمن خلال الساعات والأيام الماضية هو أن القوات الحكومية فتحت أكثر من جبهة في الوقت نفسه ضد الحوثيين لتشتيت القوات الحوثية ومنعها من تركيز قواتها في محور واحد واستعادة السيطرة.. وهذه الخطة يبدو أنها نجحت في سيطرة القوات الحكومية على مناطق هامة في تعز مثلا حيث باب المندب وغيرها بعد تشتيت الخصم.

• لو استطاعت القوات الحكومية الحفاظ على هذا الضغط المتزامن واستمر التقدم في تعز والحديدة والجوف والبيضاء ومحاور الشمال فقد يتحول الضغط إلى تهديد حقيقي لمناطق سيطرة الحوثيين وصولًا إلى صنعاء، وسيجد الحوثيون أنفسهم أمام عدة جبهات تحتاج إلى التعزيز في الوقت نفسه وتتبدد احتياطاتهم ما يسمح بانتصار سريع وربما دخول العاصمة صنعاء وتحريرها من الحوثيين منذ احتلوها عام 2014 في انقلاب عسكري.

• أما لو طالت المعارك وصمد الحوثيون فهذا يمكن أن يستنزف القوات الحكومية نفسها، لكن هذا التكتيك الحربي الحالي (الهجوم عبر 4 محاور) يصب في مصلحة القوات الحكومية ضد الحوثيين.

• تكمن أهمية تعز والحديدة وباب المندب في أن الصراع عليها لا يتعلق بالسيطرة على مدن يمنية فقط، بل بالتحكم في جزء مهم من خطوط الملاحة في البحر الأحمر، لذلك فإن خسارة الحوثيين للمناطق الساحلية ستقلص هامش حركتهم، لكنها لن تنهي قدرتهم على تهديد الملاحة ما داموا يحتفظون بالصواريخ والطائرات المسيّرة والمناطق الجبلية .

• المعركة الأكبر تدور حول (باب المندب) لأن سيطرة الحوثيين عليه لو سيطروا على تعز والحديدية من شأنها أن تعزز قدرتهم على التحكم في الملاحة الدولية وتهديد سفن القوات الأمريكية ودول أخرى مثل السعودية وهذا يصب في صالح إيران بالطبع.

• أما لو خسر الحوثيون المعركة وسيطرت القوات الحكومية بدعم خارجي على باب المندب فسوف يخسر الحوثيون ورقة هامة هم وإيران وإن كان امتلاكهم صواريخ بعيدة المدي لقصف الملاحة في باب المندب يبقي لهم قوة وسيطرة على الملاحة.

• الحوثي بدأ معركة اليمن الحالية بهدف الوصول إلى باب المندب، وكان ذلك جزءا من تحضيرات إيران الإقليمية للتصعيد المقبل مع الولايات المتحدة، لكن الأمر تحول سريعا، فقوات الحكومة الشرعية اليمنية المعترف بها دوليا استعادت المبادرة بسرعة، ومنعت الحوثي من التقدم، بل واستعادت منه أراض في عدة محافظات.

• ولو استمر هذا الزخم، ونجحت قوات الحكومة في تحجيم الحوثي أو هزيمته تماما، وربما دخول العاصمة صنعاء فسيضعف ذلك موقفهم هم وإيران.

• في كلام غير منطقي وساذج يُنشر عبر مواقع التواصل، يُصر على ربط سوريا بما يجري في اليمن ويزعم مرددوه أن دول الخليج وخاصة السعودية أعطت حكومة دمشق أموالا وطلبت منها إرسال حوالي 5 ألاف مقاتل من المقاتلين الأجانب الذين حاربوا مع الشرع لإسقاط الأسد، وهذا طبعا غير صحيح فالسوريون مشغولون ببناء بلادهم.

مهم جدا لفهم ما يجري حاليا العودة لبداية المشكلة..

فعقب الربيع العربي عام 2011 الذي امتد لليمن، تنحي الرئيس على عبدالله صالح عام 2012 وتولي نائبه الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي (توفي مايو 2026 وتولي بدلا منه مجلس قيادة رئاسي بقيادة رشاد العليمي)، ولكن في عام 2014 تحالف صالح مع الحوثيين (مع أنهم كانوا أعدائه) ودعمهم بقواته (ربما كان يحلم بالعودة) فقاموا بانقلاب وسيطروا على العاصمة صنعاء عام 2014 .

•في 21 سبتمبر 2014 سيطر الحوثيون على صنعاء بعد اقتحام مؤسسات الدولة ومعسكرات ومواقع عسكرية، وفي 19 يناير 2015 حاصروا القصر الرئاسي، ثم سيطروا على أجزاء واسعة من مؤسسات الدولة ثم أعلنوا «الإعلان الدستوري» في فبراير وحل البرلمان ومنذ ذلك الحين وهم يحكمون اليمن أو أجزاء كبيرة منه.

• بعد هذا الانقلاب وسيطرة الحوثيين وإدراك السعودية أنهم خطر على أمنها القومي هي ودول الخليج تم في مارس 2015 تشكيل (قوات التحالف) والتدخل العسكري المباشر ضد الحوثيين في اليمن لدعم قوات الحكومة، ولاحقا قُتل علي عبد الله صالح في ديسمبر 2017 على يد الحوثيين بعد انهيار تحالفه معهم واندلاع مواجهات بين الطرفين في صنعاء.

• القصة والصراع الحالي بدأ بالتالي عقب انقلاب الحوثيين على الحكومة الرسمية حينئذ واحتلال العاصمة ثم اعتقال المعارضين والخصوم فطلبت حكومة صنعاء الشرعية التي انتقلت إلى عدن تدخل دول الخليج ومنذ ذلك الحين تدور معارك تارة بين الحوثيين والقوات الحكومية وتارة بين قوات التحالف والحوثيين.

• المعارك كانت شبه متوقفة منذ عدة سنوات لكن حرب إيران أعادت الصراع بشدة وبعد الضربة السعودية على مطار صنعاء في 13 يوليو، بدأ الحوثيون في 22 يوليو باستهداف ناقلات النفط السعودية، ثم انتقلوا لقصف منشآت نفطية في جازان وينبع حتى الآن

خلاصة وموجز ما سبق هو:

1- المعركة الداخلية لم تُحسم بعد، لكن القوات الحكومية الشرعية المدعومة من السعودية ودول عربية تبدو صاحبة المبادرة حاليا عسكريا، والحوثيون يحاولون تعويض خسائرهم وتحويل الضغط العسكري عليهم داخليا إلى تهديد إقليمي خارجي عبر قصف السعودية ونفطها.
2- الخسائر التي فقدها الحوثيون داخليا يحاولون تعويضها بالضغط وتوسيع نطاق المواجهة خارجيا إلى السعودية، واستهداف منشآت وناقلات النفط، وربط التصعيد بصورة مباشرة بالتوتر الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
3- المعركة الحالية ليست مجرد جولة جديدة من الحرب الأهلية اليمنية، بل هي جزء من الصراع الداخلي الذي بدأ عام 2014 بانقلاب الحوثيين وسيطرتهم على العاصمة، وهو أيضا جزء من الصراع الإقليمي الأوسع.
4- فالسعودية تدعم القوات الحكومية لمنع الحوثيين، المدعومين من إيران، من البقاء في حكم اليمن أو استعادة المبادرة والاقتراب من الممرات البحرية الاستراتيجية والقوات الحكومية تتقدم تدريجيا على غرار ما فعله السوريون قبل سيطرتهم على دمشق من نظام الأسد.
5- والحوثيون يحاولون استخدام موقعهم الجغرافي وقدراتهم الصاروخية والطائرات المسيرة لفتح جبهة مقابلة داخل السعودية وتهديد مصالحها النفطية والملاحة في البحر الأحمر بهدف منع هزيمتهم وإبعادهم عن باب المندب والعاصمة صنعاء.
6- للاسف مهما كان الفائز فالحرب خسارة كبيرة للطرفين ووفيات وخسائر نفطية على الجانبين والرابح هو عدوهما سويا .. إسرائيل.

اترك تعليقا