لماذا تحنّ الصين إلى تسعينات القرن الماضي؟
مقال رأي في بلومبرغ
- معاذ علي
- 22 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات, مقالات وتحليلات
- الأراضي الصينية, بكين
لطالما شكّل رحيل قائد يحظى بشعبية تحدياً للحزب الشيوعي الحاكم في “الصين”، ففي ظل ضيق المساحة أمام انتقاد النظام علناً، قد يتحول الحداد الشعبي إلى تعبير عن استياء أوسع، من هذا المنظور، يمكن فهم سيل الإشادات برئيس الوزراء الصيني الأسبق “تشو رونغ جي” الذي توفي الأسبوع الماضي عن 97 عاماً، فموجة المحبة التي غمرت الإنترنت تجاه هذا الإصلاحي صاحب الحضور اللافت المعروف بصراحته، والذي قاد تحولاً اقتصادياً في تسعينات القرن الماضي مهّد لعقدين من النمو المتسارع، لا تعكس الإعجاب بإرثه فحسب، بل تكشف أيضاً عن قلق تجاه المسار الذي تسلكه البلاد اليوم، إنها حالة من الحنين والتوق الجماعي إلى زمن مضى.
قلق الحاضر يعيد بريق عهد تشو..
سيكون من الخطأ أن تتجاهل القيادة حالة القلق الواسعة التي تكشف عنها هذه المشاعر، فالمصانع الصينية تضخ كميات متزايدة من السيارات والآلات وغيرها من السلع إلى الأسواق العالمية، لكنها استراتيجية ربما يصعب الحفاظ عليها على المدى الطويل، فقد أدى الركود المطول في سوق العقارات إلى تآكل ثروات الأسر، في وقت تعاني سوق العمل من صعوبات، بينما يواصل ضعف الطلب المحلي الضغط على الأسعار.
أما سياسياً، فقد ضاقت مساحة المعارضة والنقاش العام، مع تزايد تركّز السلطة في عهد الرئيس “شي جين بينغ”، في ظل هذه الظروف، يسهل فهم مشاعر الحنين إلى تسعينات القرن الماضي، فالسنوات الممتدة بين 1991 و2003، حين شغل “تشو” منصب نائب رئيس الوزراء ثم رئيس الوزراء، شهدت ازدهاراً اقتصادياً وانفتاحاً متزايداً، ومنذ ذلك الحين، ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من عشرة أضعاف.
رثاء تشو يخفي نقداً لقيادة الصين الحالية..
هذا الحنين إلى تلك الحقبة ينبع من شعور الناس آنذاك بأن الفرص كانت مفتوحة أمامهم، فالحنين إلى تسعينات القرن الماضي بات ظاهرة عالمية، إذ يستعيد كثيرون ذلك العقد باعتباره زمناً أبسط وأكثر تفاؤلاً، في “الصين”، كان الخبير الاقتصادي البارز ت”شاو جيان” أفضل من عبّروا عن هذا الشعور، في مقال نشره على وسائل التواصل الاجتماعي بعد وقت قصير من وفاة “تشو”، ورغم أن المقال كُتب في رثاء “تشو”، فإنه انطوى على انتقاد حاد للواقع الراهن، وما لبث أن حذفته الرقابة سريعاً.
كتب “تشاو” أن الحياة كانت أصعب مادياً قبل ثلاثة عقود، حين لم يكن راتب شهر كامل يكفي سوى لشراء بضعة أرطال من اللحم، لكن الناس كانوا مفعمين بالأمل في أن تحمل لهم الأيام المقبلة حياة أفضل، حتى إنه قال إنه يتمنى لو أن ما عاشه بعد التسعينات مجرد حلم يمكنه الاستيقاظ منه، في هذه السردية، برز “تشو” رمزاً للثقة بالمستقبل، فقد استذكر “تشاو” حين شاهد عبر التلفزيون عام 1998 أول مؤتمر صحفي لرئيس الوزراء الراحل، المعروف بأسلوبه الصريح والحازم، قائلاً إنه بدا كشخص “يحمل على أكتافه أعباء هذا البلد” و”يبذل كل ما لديه من أجلنا”، ورغم حرص الكاتب على عدم توجيه انتقاده إلى شخص بعينه، لم يكن من الصعب فهم مقصده.
حنين يخفي عيوب الماضي..
بإضفائه طابعاً مثالياً على إنجازات “تشو”، قُرئ مقال “تشاو” على نطاق واسع باعتباره انتقاداً للمسار الاقتصادي الذي سلكته “الصين” في ظل القيادة الحالية التي تعطي الأولوية لشركات التكنولوجيا المتقدمة على حساب المستهلكين، وسبق أن كتبتُ أن إنفاق الأسر يجب أن يحظى بالأولوية الاستراتيجية نفسها التي يحظى بها تطوير القطاع الصناعي، لكن تصوير سجل “تشو” الاقتصادي بصورة مثالية قد يغفل مدى إسهام سياساته في إرساء أسس مشكلات لا تزال “الصين” تعاني منها حتى اليوم، فبعض قرارات “تشو” لم تصمد أمام اختبار الزمن.
وبحسب “فيكتور شيه” أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة “كاليفورنيا” في “سان دييغو”، عززت إصلاحاته نفوذ “بكين” على حساب قوى السوق، وأسهمت في تراكم مزيد من الديون المتعثرة، كما تباطأ نمو دخل سكان الريف خلال ولايته، ما فاقم مشكلة اتساع فجوة عدم المساواة التي اضطر خلفاؤه لاحقاً إلى معالجتها، وازداد أيضاً اعتماد النموذج الاقتصادي على الاستثمار والصادرات كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، ما مهّد الطريق للاختلالات التي يعاني منها الاقتصاد الصيني اليوم.
نادراً ما يستحضر الحنين صورة دقيقة عن الماضين فالناس لا يشتاقون إلى موجات التسريح الجماعي أو تدني مستويات المعيشة قبل 30 عاماً، بل إلى الشعور بأن التغييرات المؤلمة كانت تمضي بهم نحو مستقبل أفضل، بعد ثلاثة عقود من مساهمة “تشو” في وضع “الصين” على طريق مزيد من الازدهار والانفتاح على العالم، أظهرت وفاته أن الثقة بالمستقبل هي بحد ذاتها رصيد اقتصادي، وعلى القيادة في “بكين” أن تبذل جهداً أكبر لاستعادتها.
مصدر: بلومبرغ