قطر تعزز أمنها الغذائي بالزراعة الذكية

توسع في التقنيات الحديثة والإنتاج المحلي لتقليل الاعتماد على الواردات

تواصل قطر تعزيز منظومة الأمن الغذائي عبر توسيع الاستثمارات في الزراعة الحديثة وتبني التقنيات الذكية، ضمن رؤية طويلة الأجل تستهدف رفع مستويات الاكتفاء الذاتي، وتقليل الاعتماد على الواردات، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة التقلبات في الأسواق العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد، في ظل تنامي التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية والأزمات الجيوسياسية.

وتندرج هذه التحركات ضمن الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي، التي أولت اهتمامًا خاصًا بتطوير الإنتاج الزراعي المحلي، والاستفادة من التقنيات المتقدمة في البيوت المحمية والزراعة المائية والأنظمة الرقمية، إلى جانب بناء مخزون استراتيجي من السلع الأساسية، بما يضمن استقرار الإمدادات الغذائية وتحقيق استدامة الموارد.

ويؤكد مسؤولون وخبراء أن تجربة قطر خلال السنوات الماضية أسهمت في إعادة صياغة مفهوم الأمن الغذائي، بحيث لم يعد يقتصر على تأمين احتياجات السوق، بل أصبح أحد ركائز الأمن الاقتصادي والوطني، في ظل ما شهدته التجارة العالمية من اضطرابات متلاحقة منذ جائحة كورونا، مرورًا بالأزمات الجيوسياسية التي أثرت على حركة النقل والتوريد وأسعار السلع الغذائية.

وفي هذا الإطار، أكد وزير البلدية القطري عبد الله بن حمد بن عبد الله العطية أن الحكومة مستمرة في دعم المشروعات الزراعية والغذائية التي تعتمد على التكنولوجيا الحديثة، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة تركز على زيادة الإنتاج المحلي مع الحفاظ على كفاءة استهلاك المياه والموارد الطبيعية، بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة.

ويعتمد النموذج القطري على إدخال حلول تقنية متقدمة في مختلف مراحل الإنتاج الزراعي، تشمل أنظمة الري الذكية، والاستشعار عن بُعد، والرقابة الرقمية على البيوت المحمية، واستخدام البيانات في تحسين الإنتاجية وخفض الهدر، وهو ما ساهم في تحقيق قفزات ملموسة في إنتاج عدد من المحاصيل رغم محدودية الأراضي الزراعية والظروف المناخية الصحراوية.

من جانبه، يرى الدكتور يوسف الحر، رئيس مجلس إدارة المنظمة الخليجية للبحث والتطوير، أن مستقبل الأمن الغذائي في دول الخليج يرتبط بقدرتها على الاستثمار في الابتكار الزراعي أكثر من التوسع التقليدي في الرقعة المزروعة، مؤكدًا أن التقنيات الذكية والذكاء الاصطناعي باتت أدوات رئيسية لرفع كفاءة الإنتاج والتعامل مع تحديات ندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة.

بدوره، أوضح الدكتور محمد بن عبيد المزروعي، الباحث في قضايا الأمن الغذائي والتنمية الزراعية، أن التحولات التي شهدها العالم خلال الأعوام الأخيرة عززت قناعة دول الخليج بأن الأمن الغذائي يمثل جزءًا لا يتجزأ من الأمن الوطني، الأمر الذي دفعها إلى تسريع خطط زيادة الإنتاج المحلي، وتنويع مصادر الاستيراد، ورفع كفاءة منظومات التخزين والنقل.

وتستفيد قطر من استثمارات متزايدة في البحث العلمي والتقنيات الزراعية، بالتعاون مع مؤسسات أكاديمية ومراكز أبحاث وشركات متخصصة، بهدف تطوير أصناف زراعية تتحمل الظروف البيئية المحلية، وتحسين كفاءة استخدام المياه والطاقة، بما يدعم استدامة الإنتاج على المدى الطويل.

كما تعمل الدولة على تشجيع القطاع الخاص على التوسع في المشروعات الزراعية والصناعات الغذائية، عبر توفير الحوافز والدعم الفني والتمويلي، بما يسهم في تعزيز مساهمة القطاع الزراعي في الاقتصاد الوطني، ورفع تنافسية المنتجات المحلية داخل الأسواق.

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة ستشهد توسعًا في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي والروبوتات الزراعية وتحليل البيانات الضخمة لإدارة المزارع، إلى جانب زيادة الشراكات مع شركات التكنولوجيا الزراعية العالمية، بما يعزز الإنتاجية ويخفض التكاليف التشغيلية ويرفع كفاءة إدارة الموارد.

ومع استمرار تنفيذ هذه السياسات، تمضي قطر نحو بناء نموذج متطور للأمن الغذائي يقوم على الابتكار والاستدامة، ويوازن بين تعزيز الإنتاج المحلي، والحفاظ على الموارد الطبيعية، وضمان استقرار الإمدادات الغذائية، بما يدعم مستهدفات رؤية قطر الوطنية 2030 ويعزز قدرة الدولة على مواجهة التحديات الاقتصادية والغذائية المستقبلي