قبل أن تحكموا على الطوفان انظروا ماذا غيّر في العالم
د عبد الكريم بكار يكتب
- dr-naga
- 18 أغسطس، 2026
- مقالات وتحليلات
- إسرائيل, الحرب علي غزة, الرأي العام الأمريكي, العالم, د. عبد الكريم بكار, صورة إسرائيل عالميًا, طوفان الأقصى, غزة, فلسطين
اقرأوا هذا المنشور حتى نهايته، وشاركوه مع غيركم…
طوفان الأقصى لم يكن حدثًا عابرًا، ولن تتوقف آثاره عند حدود غزة أو عند النتائج المباشرة لهذه الحرب.
منذ السابع من أكتوبر 2023، بدأ حدثٌ سيبقى أثره حاضرًا في تاريخ المنطقة لعقود.
سيكون لطوفان الأقصى أثر استراتيجي عميق على إسرائيل، وسيغيّر معادلات كثيرة في المنطقة والعالم. وأعتقد أن حجم هذا الأثر لم تتضح حدوده بعد، وسنرى نتائجه بأعيننا عاجلًا أم آجلًا.
وإن كان للعزّة والكرامة والصمود والإصرار عنوان، فهو غزة.
هذه الدماء الطاهرة التي سالت في غزة لن تذهب هدرًا. ستنبت، بإذن الله، وعيًا وعزّةً وحريةً ونصرًا، وستترك أثرها في مستقبل فلسطين والمنطقة لأجيال قادمة.
لقد كان الثمن الإنساني فادحًا بصورة يصعب أن تصفها الكلمات. فقد تجاوز عدد الفلسطينيين الذين أُعلن عن استشهادهم في غزة منذ 7 أكتوبر 2023 عشرات الآلاف، فضلًا عن أعداد هائلة من الجرحى والمفقودين والمهجّرين.
لكن وسط هذا الموت، كانت هناك حياة تولد أيضًا.
نعم، خسرنا عشرات الآلاف من أهل غزة في هذه الحرب، لكن أطفالًا جددًا وُلدوا أيضًا تحت القصف وفي الخيام والمستشفيات المدمرة.
هذه غزة… يُراد لها الموت، فتصرّ على الحياة.
ومن أهم النتائج الاستراتيجية التي بدأت تظهر أمام أعيننا: التراجع الكبير في صورة إسرائيل ومصداقيتها ومكانتها لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي.
وتشير المؤشرات واستطلاعات الرأي الدولية إلى أن صورة إسرائيل تمر اليوم بواحدة من أسوأ مراحلها خلال العقود الأخيرة. وهذا ليس مجرد انطباع عاطفي، بل تحوّل يمكن قراءته في مؤشرات واضحة ومتراكمة:
1. انقلاب ملحوظ في الرأي العام الأمريكي
حتى في الولايات المتحدة، الحليف الأهم لإسرائيل، نشهد تحولًا كان من الصعب تخيله قبل سنوات.
وتظهر استطلاعات الرأي تراجعًا مستمرًا في الموقف من إسرائيل والحكومة الإسرائيلية، وخصوصًا لدى الأجيال الشابة. ولم يعد التأييد التقليدي لإسرائيل في المجتمع الأمريكي أمرًا يمكن التعامل معه باعتباره ثابتًا لا يتغير.
وهذه نقطة استراتيجية شديدة الأهمية؛ لأن التغير عندما يصل إلى داخل المجتمع الأمريكي، وخصوصًا إلى الأجيال القادمة، فنحن لا نتحدث عن موجة غضب مؤقتة، بل عن تحول قد تكون له آثار سياسية طويلة المدى.
2. تراجع واسع في صورة إسرائيل عالميًا
أظهرت استطلاعات دولية واسعة خلال 2026 أن النظرة السلبية تجاه إسرائيل أصبحت هي الغالبة في معظم الدول التي شملتها الدراسات.
وهذا التحول لم يحدث فقط في الدول العربية أو الإسلامية، بل أصبح واضحًا في مجتمعات غربية كانت تاريخيًا من أكثر البيئات تفهمًا ودعمًا لإسرائيل.
3. سقوط أحد أكبر الحواجز: أصبح انتقاد إسرائيل علنًا أكثر حضورًا في المجال العام الغربي
وهذه، في تقديري، من أخطر التحولات بعيدة المدى.
قبل سنوات، كان كثير من السياسيين والإعلاميين والشخصيات العامة في الغرب يتعاملون بحذر شديد مع انتقاد إسرائيل علنًا، وكان تجاوز بعض الخطوط السياسية والإعلامية أمرًا بالغ الصعوبة.
اليوم تغير المشهد.
أصبحنا نشاهد سياسيين وأعضاء برلمانات وصحفيين ومقدمي برامج وأكاديميين وشخصيات عامة ومؤسسات إعلامية دولية يتحدثون بصورة أكثر صراحة عن سياسات الحكومة الإسرائيلية، وعن قتل المدنيين، والمجاعة، والاستيطان، ومستقبل الدولة الفلسطينية.
الجدار النفسي والسياسي والإعلامي الذي كان يجعل مجرد انتقاد إسرائيل أمرًا بالغ الحساسية بدأ يتصدع.
وما كان يُقال همسًا قبل سنوات، أصبح يُناقش اليوم أمام ملايين المشاهدين، وفي البرلمانات والجامعات والصحف والمنصات الإعلامية الكبرى.
وهذا التحول في ذاته استراتيجي؛ لأن المعارك الكبرى ليست عسكرية فقط، بل هي أيضًا معارك رواية ووعي وشرعية.
4. اتساع دائرة الاعتراف الدولي بدولة فلسطين
شهدت السنوات الأخيرة توسعًا مهمًا في الاعتراف بدولة فلسطين، شمل دولًا غربية مؤثرة.
وهذا التحول يتجاوز الرمزية؛ فهو يعكس تغيرًا متراكمًا في البيئة السياسية والدبلوماسية الدولية المحيطة بالقضية الفلسطينية.
5. تصاعد العزلة في المؤسسات الدولية
أصبحت القرارات المتعلقة بغزة وفلسطين تحصد أغلبيات دولية ضخمة.
ففي ديسمبر 2025، صوّتت 139 دولة مقابل 12 دولة فقط لصالح أحد قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة المتعلقة بالتزامات إسرائيل تجاه الأمم المتحدة والأراضي الفلسطينية المحتلة.
قد تكون كثير من قرارات الجمعية العامة غير ملزمة قانونيًا، لكن عندما تتكرر هذه الأغلبيات بهذا الحجم، فإنها تكشف شيئًا مهمًا:
اتساع الفجوة السياسية بين إسرائيل وقطاعات كبيرة من المجتمع الدولي.
6. انتقال الضغط إلى المؤسسات القانونية والثقافية والأكاديمية
لم يعد التحول مقتصرًا على الشارع أو استطلاعات الرأي.
لقد وصل إلى المؤسسات القانونية الدولية والجامعات والنقابات والمجتمع المدني والثقافة والفنون، وأصبحت السياسات الإسرائيلية موضع نقاش ومساءلة بصورة أكثر اتساعًا من السابق.
7. انتقال المقاطعة من موقف شعبي إلى أثر اقتصادي
ربما يكون هذا من أكثر المؤشرات التي تستحق المتابعة في السنوات القادمة.
فحملات المقاطعة المرتبطة بالحرب في غزة لم تعد مجرد شعارات على وسائل التواصل الاجتماعي؛ بل أقرت بعض الشركات العالمية بتأثر أعمالها أو علاماتها التجارية وردود فعل المستهلكين في بعض الأسواق بسبب الحرب والجدل المرتبط بها.
وهنا تكمن الدلالة الأعمق:
حين ينتقل موقف الرأي العام من الشارع إلى قرار المستهلك، ومن قرار المستهلك إلى أرقام المبيعات وقرارات الشركات، يصبح للرأي العام وزن اقتصادي حقيقي.
هذه ليست سبعة أحداث منفصلة.
إنها أجزاء من تحوّل أوسع في المزاج العالمي تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية.
قد تستطيع القوة العسكرية أن تهدم الحجر، لكنها لا تستطيع بالقوة نفسها أن تصنع الشرعية، ولا أن تفرض الرواية، ولا أن تكسب احترام الشعوب.
لقد دفعت غزة ثمنًا إنسانيًا هائلًا ومؤلمًا، لكن فلسطين عادت بقوة إلى ضمير العالم؛ إلى الشوارع والجامعات والبرلمانات والمحاكم والأسواق ومراكز القرار.
وأعتقد أن هناك نتيجة ربما تكون أعمق من كل الأرقام:
لقد كُسر حاجز الصمت.
أصبح الحديث عن فلسطين أكثر حضورًا، وأصبح انتقاد سياسات إسرائيل أكثر شيوعًا، وأصبحت الأسئلة التي كان من الصعب طرحها في بعض المجتمعات الغربية تُطرح اليوم علنًا.
وهذا التحول لن تظهر كل نتائجه اليوم.
فالطالب الجامعي الذي تغير وعيه اليوم سيكون صحفيًا أو أستاذًا أو رجل أعمال أو نائبًا أو وزيرًا بعد عشر أو عشرين سنة.
والشاب الذي يشاهد غزة اليوم سيشارك غدًا في صناعة الرأي العام والسياسة والاقتصاد في بلده.
وهنا يكمن الأثر الاستراتيجي الحقيقي.
ما نراه اليوم ليس بالضرورة نهاية التأثير، بل قد يكون بدايته.
فالأحداث الكبرى لا تُقاس فقط بما يحدث في أيامها، بل بما تغيّره من أفكار ومواقف ومعادلات لعقود بعدها.
وهذه الدماء الطاهرة التي سالت في غزة ستنبت، بإذن الله، عزّةً وحريةً ونصرًا.
رحم الله شهداء غزة، وحفظ أهلها وأطفالها، وكتب لفلسطين وأهلها العزّة والحرية والنصر والسلام العادل.
د عبد الكريم بكار – داعية