هل بنت إيران شبكة وكلاء سرية داخل الغرب؟
إيران استفادت بشكل متزايد من شبكات إجرامية في دول مثل السويد وألمانيا
- mabdo
- 29 سبتمبر، 2026
- تقارير وترجمات
- قاعدة RAF Fairford
الرائد| سلّط اعتقال خمسة رجال قرب قاعدة RAF Fairford الجوية البريطانية الضوء على قدرة إيران المحتملة على تنفيذ عمليات غير مباشرة داخل أوروبا، لكنه أظهر أيضًا مدى سرعة تحول الشبهات إلى استنتاجات قبل توافر الأدلة. فالسلطات البريطانية لم تثبت حتى الآن وجود أي صلة بين المعتقلين وإيران، وقد أُفرج عنهم بكفالة، فيما حذّر وزير الدفاع البريطاني ويس ستريتنج من التكهن بدوافعهم أو بالجهة التي تقف وراءهم قبل انتهاء التحقيق. كما نفت إيران بشكل قاطع أي علاقة لها بالقضية، ووصفت سفارتها في لندن التكهنات بشأن تورطها بأنها «تكهنات خبيثة ولا أساس لها».
لكن القضية أعادت إلى الواجهة سؤالًا أوسع يشغل أجهزة الاستخبارات الأوروبية منذ سنوات، وهو إلى أي مدى طورت إيران القدرة على تنفيذ عمليات مراقبة وترهيب وتخريب وعنف داخل الدول الغربية من دون الاعتماد على عناصر إيرانية تقليدية.
وبحسب كلارا بروكيرت، محللة الأبحاث في مركز صوفان، أصبح نموذج العمليات الإيرانية في الخارج أكثر تنوعًا، إذ بات يشمل شبكات الجريمة المنظمة والمجرمين الصغار وحتى المراهقين الذين يتم استقطابهم عبر الإنترنت مقابل المال. ورغم أن بعض العمليات قد تبدو عشوائية أو بدائية، فإن النظام الذي يقف وراءها قد يكون أكثر تنظيمًا بكثير.
وتقول بروكيرت إن الهيكل الأساسي يبدأ في كثير من الأحيان بعناصر تابعة للدولة الإيرانية، مثل فيلق القدس التابع للحرس الثوري أو وزارة الاستخبارات والأمن، التي تكلف بتنفيذ عملية معينة. وبعد ذلك تتولى طبقة ثانية من الوسطاء أو الشبكات الإجرامية تحويل المهمة إلى خطة عملية، بينما ينفذها في أوروبا أشخاص يمكن الاستغناء عنهم بسهولة.
وهؤلاء المنفذون، وفقًا لها، قد يكونون مجرمين صغارًا أو مراهقين تحركهم الأموال بالدرجة الأولى، ولا يمتلكون بالضرورة أي ارتباط أيديولوجي بالحكومة الإيرانية. وغالبًا ما يجري استقطابهم رقميًا، بينما تبقى طبقة الوسطاء في الشرق الأوسط.
وتكمن أهمية هذا النموذج في أنه يتحدى الاعتقاد بأن الهجمات التي تبدو بدائية لا يمكن أن تكون موجهة من جهة مركزية. فبحسب بروكيرت، من الخطأ افتراض أن هذه العمليات لا يتم التخطيط لها من أعلى لمجرد أنها تبدو أحيانًا غير احترافية.
ويختلف هذا النموذج عن شبكة الوكلاء التي بنتها إيران في الشرق الأوسط. فقد تطورت علاقات طهران مع حزب الله في لبنان والجماعات المسلحة المتحالفة معها في العراق على مدى سنوات أو عقود، من خلال روابط سياسية وأيديولوجية وعسكرية. أما في أوروبا، فتحتاج إيران إلى نموذج أكثر مرونة؛ فالشخص الذي ينفذ عملية اغتيال في لندن أو حريقًا متعمدًا في إسكندنافيا أو يراقب مؤسسة يهودية، ليس بالضرورة بحاجة إلى الإيمان بأيديولوجية الجمهورية الإسلامية، بل قد يكون الدافع ببساطة هو الحصول على المال.
وأشار تحقيق حديث نشرته مجلة «نيويوركر» إلى هذا التطور من خلال حادثة طعن الصحفي الإيراني المعارض بوريا زراعي أمام منزله في لندن عام 2024، كما تناول نمطًا أوسع يتعلق باستقطاب مجرمين أجانب لتنفيذ هجمات ضد معارضي طهران. ووفق التحقيق، يعتمد النموذج على طبقات متعددة من الوسطاء، بحيث يجري فصل الجهة التي تصدر الأوامر عن الأشخاص الذين ينفذونها.
وتقول بروكيرت إن إيران استفادت بشكل متزايد من شبكات إجرامية في دول مثل السويد وألمانيا. كما أن استقطاب المراهقين الذين لا توجد لديهم مؤشرات أيديولوجية واضحة يجعل اكتشافهم أكثر صعوبة بالنسبة لأجهزة الاستخبارات.
ولا تنتقل الأموال بالضرورة مباشرة من حساب مرتبط بالاستخبارات الإيرانية إلى المنفذ؛ إذ يمكن أن تفصل بين الطرفين طبقات من الوسطاء ووسائل دفع مصممة لإخفاء مصدر الأموال. وترى بروكيرت أن هذا النموذج يشبه بصورة متزايدة أسلوب روسيا في الحرب الهجينة داخل أوروبا.
وتقول إن إيران تتعلم بوضوح من «نموذج روسيا للحرب الهجينة»، مشيرة إلى أن حتى العمليات الصغيرة أو الفاشلة قد تحقق هدفًا استراتيجيًا، لأنها تمنح طهران فرصة لإظهار قدرتها على الوصول إلى خصومها خارج الشرق الأوسط.
فالعملية لا تحتاج بالضرورة إلى النجاح بصورة كبيرة؛ إذ إن مجرد الاعتقاد بأن طهران تستطيع الوصول إلى خصم في لندن أو ستوكهولم أو برلين يمكن أن يفرض تكاليف على الحكومات والصحفيين والمعارضين، من خلال دفعهم إلى تعزيز إجراءات الأمن والتعامل مع حالة مستمرة من عدم اليقين.
وترى بروكيرت أيضًا أن الضغط على شبكة «محور المقاومة» التقليدية لإيران لم يؤدِ بالضرورة إلى نقل عملياتها إلى أوروبا، بل إن بعض الجماعات المتحالفة معها بدأت هي الأخرى في تبني أساليب مشابهة. وأشارت إلى حركة أصحاب اليمين الإسلامية (HAYI)، التي أعلنت مسؤوليتها عن عمليات في أوروبا وربطها ممثلو الادعاء الأمريكي بجماعة كتائب حزب الله العراقية، فضلًا عن مؤامرات نسبت إلى حماس في أنحاء القارة. لكنها شددت في الوقت نفسه على أن هذا لا يعني أن طهران وافقت دائمًا على هذه العمليات.
ويشير التقرير إلى أن هذه الجماعات تسعى، من خلال مثل هذه العمليات، إلى إظهار قدرتها على الوصول إلى مجتمعات بعيدة جغرافيًا عن ساحات القتال. وترى بروكيرت أن المنطق يشبه استخدام إيران للضغط في مضيق هرمز، عبر خلق تداعيات يشعر بها المواطنون العاديون في الخارج.
وتزداد أهمية هذا الأسلوب في ظل تعرض الخيارات العسكرية التقليدية والإقليمية لإيران لضغوط. وكان محلل الإرهاب كولين بي. كلارك قد كتب في مجلة «ذا أتلانتيك» في وقت سابق من العام أن إضعاف القدرات الصاروخية الإيرانية أو وكلائها التقليديين لا يعني بالضرورة القضاء على قدرتها على الرد، بل قد يدفعها إلى الاعتماد بصورة أكبر على عمليات منخفضة التكلفة وصعبة الإسناد في الخارج.
لكن بروكيرت تحذر من ضرورة التعامل بدقة مع مسألة إسناد المسؤولية إلى إيران. فطهران، بحسب رأيها، تستفيد عندما يُنظر فورًا إلى كل حادثة مشبوهة على أنها دليل على نفوذها العالمي. ولذلك ينبغي التمييز بين الحالات التي تكون فيها المسؤولية الإيرانية مجرد مسار للتحقيق، وتلك التي تتوافق مع أساليب إيران المعروفة، والحالات التي توجد فيها أدلة واضحة تسمح بإسناد العملية إلى النظام الإيراني.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في قضية قاعدة RAF Fairford، التي استضافت طائرات أمريكية شاركت في عمليات ضد إيران. ومع ذلك، لا توجد حاليًا أدلة تثبت أن طهران وجهت المعتقلين البريطانيين الخمسة، كما أن إيران نفت صراحة أي تورط لها.
وكانت عمليات مرتبطة بإيران في أوروبا قد ركزت في السابق إلى حد كبير على المعارضين والصحفيين الإيرانيين في الخارج والأهداف اليهودية والإسرائيلية وغيرها من الجهات التي تعتبرها طهران خصومًا. ولذلك فإن تنفيذ عملية ضد منشأة عسكرية بريطانية تستخدمها القوات الأمريكية سيمثل، إذا ثبتت صلتها بإيران، تصعيدًا مهمًا باتجاه استهداف البنية الدفاعية الغربية بشكل مباشر.
ومع ذلك، فإن السرعة التي دخلت بها فرضية التورط الإيراني إلى النقاش تكشف، بحسب التقرير، عن الطريقة التي باتت بها أجهزة الأمن الغربية تنظر إلى التهديد. فلم يعد القلق مقتصرًا على احتمال دخول عناصر من الحرس الثوري أو الاستخبارات الإيرانية إلى أوروبا لتنظيم هجوم، بل أصبح السؤال هو: ماذا لو لم تعد طهران بحاجة إلى إرسال هؤلاء العناصر أصلًا؟