غانا تتعافى مالياً لكن الأسر ما زالت تحت الضغط
تحويل الاستقرار إلى اقتصاد أكثر إنتاجاً وعدالة
- dr-naga
- 28 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات
- اقتصاد غانا, الانتاج, البنك الدولي, الفقرـالأسر الفقيرة, النمو الاقتصادي
الرائد// كشف البنك الدولي في تحديثه الاقتصادي العاشر لغانا، في 25 أغسطس 2026، عن تحسن واضح في المؤشرات الاقتصادية للبلاد، لكنه أظهر في الوقت نفسه أن استعادة الاستقرار المالي لا تعني تلقائياً انتهاء الضغوط التي تواجهها الأسر الفقيرة والطبقات محدودة الدخل.
ويشير التقرير، الذي أعده كوابينا غيان كواكوي وتمويا أنيكا لويس كريستي وخوان أنطونيو ميلينديز أزكوناغا وهيلين جون شيتا وإريك أتسو أفوركبو، إلى أن الاقتصاد الغاني حقق تقدماً مهماً في الخروج من أزمة 2022 و2023. فقد نما الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6 في المئة في 2025، بينما تراجعت معدلات التضخم وتعززت الاحتياطيات الأجنبية وتحسن وضع المالية العامة. كما حققت الحكومة فائضاً أولياً بلغ 2.5 في المئة من الناتج المحلي، متجاوزاً الهدف المحدد في برنامج الإصلاح المدعوم من صندوق النقد الدولي.
لكن الجانب الآخر من الصورة أكثر تعقيداً. فالبنك الدولي نفسه يشير إلى أن أكثر من 20 في المئة من السكان ما زالوا يعيشون تحت خط الفقر، وترتفع النسبة إلى أكثر من 50 في المئة في المناطق الشمالية. كما أن ارتفاع تعرفة الكهرباء ومشكلات قطاع الكاكاو والحاجة الكبيرة إلى تمويل البنية التحتية ما زالت تضغط على رفاه الأسر واستقرار الاقتصاد.
وتكمن المفارقة في أن جزءاً كبيراً من التحسن المالي جاء من ضبط الإنفاق، وليس من طفرة مستدامة في الإيرادات. وهذا يطرح سؤالاً مهماً حول حدود سياسة التقشف عندما يكون المجتمع قد خرج لتوه من أزمة اقتصادية حادة.
فاستعادة الانضباط المالي ضرورية بالنسبة إلى دولة تراكمت عليها الديون وفقدت الوصول إلى أسواق التمويل الدولية، لكن تقليص الإنفاق العام لا ينبغي أن يتحول إلى هدف مستقل عن حماية الفئات الفقيرة وتحسين الخدمات الأساسية. وقد سبق للبنك الدولي نفسه أن حذر من ضرورة أن تكون عملية التصحيح المالي عادلة ومستدامة، وأن تحمي الاستثمارات الموجهة للفقراء والنمو.
ويركز التحديث الجديد على إصلاح قطاع النقل باعتباره أحد المجالات القادرة على دعم النمو وخلق الوظائف وتحسين الإنتاجية. وهذه نقطة مهمة، لأن الاقتصاد لا يستطيع الاعتماد إلى ما لا نهاية على إجراءات خفض العجز وزيادة الضرائب. فالاستقرار المالي يصبح أكثر فائدة عندما يتحول إلى استثمار في قطاعات منتجة توفر وظائف مستقرة ودخلاً أفضل للسكان.
ويطرح ذلك تحدياً أمام الحكومة الغانية بقيادة الرئيس جون دراماني ماهاما ووزير المالية كاسييل أتو فورسون: كيف يمكن الحفاظ على الانضباط المالي، وفي الوقت نفسه تجنب تحميل المواطنين تكلفة الإصلاح وحدهم؟
كان فورسون قد أكد في يونيو 2025 أن الإصلاحات المدعومة من صندوق النقد والبنك الدولي تهدف إلى استعادة الاستقرار المالي وتحقيق نمو أكثر شمولاً، بينما شدد روبرت تالييرسيو، المسؤول في البنك الدولي عن غانا وليبيريا وسيراليون، على ضرورة حماية الفئات الأكثر ضعفاً إلى جانب تعزيز الانضباط المالي.
وهذه النقطة تحديداً هي التي تستحق المتابعة في المرحلة المقبلة. فرفع الإيرادات المحلية قد يكون ضرورياً، لكن السؤال ليس فقط كم تجمع الدولة من الضرائب، وإنما من يدفع هذه الضرائب وكيف توزع كلفتها. وإذا تحولت تعبئة الإيرادات إلى زيادة الضغط على الاستهلاك والأسر الفقيرة، بينما بقيت الامتيازات الاقتصادية والاحتكارات والثروات الكبرى أقل تعرضاً للعبء، فإن التحسن في المؤشرات المالية قد يترافق مع اتساع الشعور بعدم العدالة.
كما أن النمو الاقتصادي نفسه يحتاج إلى اختبار أكثر دقة. فالنمو بنسبة 6 في المئة يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يكفي وحده إذا لم يتحول إلى وظائف ودخول وخدمات أفضل. ويشير البنك الدولي إلى أن مشروعاته في غانا ساهمت بالفعل في خلق وظائف واستثمارات خاصة، لكن حجم الفقر الإقليمي والفوارق بين المناطق يوضح أن ثمار النمو لم تصل بعد بالدرجة نفسها إلى جميع السكان.
ومن هنا تبدو غانا أمام مرحلة أكثر صعوبة من مرحلة إنقاذ الاقتصاد من الانهيار. فإعادة الاستقرار المالي هي البداية وليست النهاية. التحدي الحقيقي هو تحويل الاستقرار إلى اقتصاد أكثر إنتاجاً وعدالة، بحيث لا يصبح خفض العجز والدين هدفاً منفصلاً عن حق المواطنين في التعليم والصحة والطاقة والعمل والحماية الاجتماعية.
وتجربة غانا تحمل درساً مهماً للدول التي تمر بأزمات ديون: يمكن للتقشف أن يعيد بعض التوازن إلى الحسابات الحكومية، لكن استمرار التعافي يحتاج إلى الاستثمار في الإنسان والإنتاج، لا إلى تقليص النفقات فقط. وإذا لم يشعر المواطن بأن الإصلاح الاقتصادي يحسن حياته اليومية، فقد تنجح الدولة في تحقيق أرقام مالية أفضل، لكنها ستظل تواجه المشكلة الاجتماعية نفسها بصورة مختلفة.
المصادر والتواريخ:
البنك الدولي، التحديث الاقتصادي العاشر لغانا، تاريخ الإفصاح 25 أغسطس 2026.
البنك الدولي، الصفحة الاقتصادية الخاصة بغانا، محدثة في أغسطس 2026.
البنك الدولي، بيان تمويل غانا وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، 27 يونيو