عوائد السندات الأمريكية المرتفعة تثير قلق الأسواق والمستثمرين

الاقتصاد الجديد يغير قواعد اللعبة

لم تعد نسبة 5% في عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات تمثل، كما في السابق، سقفاً نفسياً واضحاً للأسواق العالمية. فبعد تجاوز هذا المستوى خلال سبتمبر لفترة وجيزة، بدأ المستثمرون يطرحون سؤالاً أكثر إزعاجاً: ماذا يحدث إذا أصبح عائد 6% هو العتبة الجديدة التي تعيد عندها الأسواق حساباتها وتقييماتها؟

المسألة لا تتعلق برقم مجرد في سوق السندات، وإنما بتكلفة رأس المال التي تؤثر في الأسهم والعملات والديون الحكومية والخاصة والاستثمارات في الأسواق الناشئة. ولذلك فإن الانتقال من 5% إلى 6% قد يمثل إعادة تسعير واسعة للأصول المالية، خصوصاً إذا ارتفع العائد نتيجة تضخم أكثر استمراراً أو مخاوف بشأن الدين الأمريكي أو توقعات ببقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

من رقم نفسي إلى نقطة تحول

يقول مايك بيل، رئيس استراتيجية السوق في شركة بلو باي لإدارة الأصول، إن الاعتقاد بوجود رقم سحري لعوائد سندات الخزانة يصبح عنده السوق في خطر هو تصور مبسط، موضحاً أن أهمية الرقم تأتي من مقارنته بعوائد الاستثمارات الأخرى، وليس من مستواه المطلق.

وتكتسب هذه المقارنة أهمية خاصة بالنسبة للأسهم. فعندما ترتفع عوائد السندات الحكومية، يصبح المستثمر قادراً على الحصول على عائد أعلى من أصل يعتبر من أكثر الأصول أماناً في العالم، وهو ما قد يقلل جاذبية الأسهم التي تنطوي على مخاطر أكبر.

ويرى بيل أن العلاقة بين عوائد السندات وعوائد أرباح الأسهم تقترب من نقطة تحول، بما قد يزيد الضغوط على أسواق الأسهم إذا استمرت عوائد الخزانة في الصعود.

وتقدم التجارب التاريخية مؤشرات على حجم التأثير المحتمل. فقد تعرضت الأسهم العالمية لخسائر حادة في فترات سابقة تزامنت مع تجاوز عائد السندات الأمريكية لأجل عشر سنوات مستويات مرتفعة، وإن كانت الظروف الاقتصادية في كل مرحلة مختلفة، ما يجعل المقارنة التاريخية مؤشراً لا قاعدة ثابتة.

لماذا قد يكون 6% مختلفاً؟

يكتسب مستوى 6% حساسية خاصة لأنه قد يشير إلى تغير أعمق في البيئة الاقتصادية والمالية. فإذا وصل العائد إلى هذا المستوى بصورة مستدامة، فقد يكون ذلك انعكاساً لتوقعات تضخم أعلى، أو ارتفاع علاوة المخاطر المرتبطة بالمالية العامة الأمريكية، أو اعتقاد بأن أسعار الفائدة ستبقى مرتفعة لسنوات.

ويشير بول جاكسون، الرئيس العالمي لأبحاث تخصيص الأصول في شركة إنفيسكو، إلى أن أهمية سندات الخزانة تنبع من كونها تمثل معياراً عالمياً للأصل منخفض المخاطر. ومع تجاوز العائد 5%، تصبح السندات الأمريكية أكثر قدرة على منافسة الأصول الأخرى على أموال المستثمرين.

وتظهر حسابات جاكسون أن الأسهم العالمية تبدأ في مواجهة ضغوط أكبر عندما يبلغ متوسط عائد السندات لأجل عشر سنوات نحو 4.72% على مدار عام ثم يبدأ في الارتفاع. ويبلغ المتوسط السنوي الحالي، وفق البيانات التي استند إليها، نحو 4.34%، ما يعني أن نقطة التحول التي يراقبها ليست بعيدة تماماً.

وقد دفع هذا الوضع جاكسون إلى تقليص بعض مراكزه في الأسهم وزيادة الاستثمار في السندات الحكومية، مستفيداً من ارتفاع العوائد.

الاقتصاد الجديد يغير قواعد اللعبة

لكن ارتفاع عوائد السندات لا يعني تلقائياً انهيار الأسهم. فهناك عوامل هيكلية جديدة تجعل العلاقة بين أسعار الفائدة والأصول أكثر تعقيداً.

ويشير محللو جيه بي مورغان إلى ما وصفوه بتحول هيكلي في الاقتصاد العالمي، مع تنامي أدوار الذكاء الاصطناعي والرعاية الصحية والخدمات. وتستمر شركات عديدة في هذه القطاعات في الإنفاق والتوسع، حتى مع ارتفاع تكاليف الاقتراض.

وبحسب هذا التحليل، أصبحت قناة أسعار الفائدة التقليدية أقل تأثيراً مما كانت عليه، وقد تكون عتبة الضغط على الأسهم أعلى من مستويات الماضي، وربما تقع في نطاق بين 5.5% و6%.

غير أن ذلك لا يعني أن ارتفاع العوائد يصبح بلا مخاطر. فالشركات التي تعتمد على الاقتراض لتمويل التوسع ستكون أكثر تعرضاً للضغوط، كما أن ارتفاع معدل الخصم المستخدم في تقييم الأرباح المستقبلية يمكن أن يخفض القيمة الحالية للأسهم، خصوصاً الشركات التي تعتمد تقييماتها على أرباح بعيدة المدى.

الأسواق الناشئة أمام اختبار الدولار

قد تكون الأسواق الناشئة من أكثر المناطق حساسية لأي ارتفاع مستمر في عوائد الخزانة الأمريكية.

فعوائد السندات الأمريكية المرتفعة تميل إلى دعم الدولار، وتجعل الأصول المقومة به أكثر جاذبية للمستثمرين. وفي المقابل، قد يؤدي خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة إلى زيادة الضغوط على العملات المحلية وأسعار الفائدة وتكاليف خدمة الديون المقومة بالدولار.

وتشير بيانات التدفقات الاستثمارية الواردة في التقرير إلى تسجيل صناديق سندات الأسواق الناشئة الأسبوع الماضي أكبر عمليات سحب منذ أشهر، بالتزامن مع خروج مليارات الدولارات من صناديق الأسهم، بينما تراجع إصدار الديون السيادية في الأسواق الناشئة بصورة ملحوظة خلال سبتمبر.

وتقول أليسون شيمادا، رئيسة أسهم الأسواق الناشئة في شركة ألسبيرينغ للاستثمارات العالمية، إن الصورة بالنسبة لهذه الأسواق ليست مثالية، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى عدم وجود تطورات شديدة السلبية حتى الآن.

وهذا التمييز مهم، لأن الأسواق الناشئة لا تتأثر جميعها بالطريقة نفسها. فالدول التي تتمتع باحتياطيات قوية وحسابات خارجية أكثر توازناً قد تكون أقل تعرضاً للصدمات من الاقتصادات التي تعتمد بصورة كبيرة على التمويل الخارجي أو تحمل أعباء مرتفعة من الديون الدولارية.

الخطر النفسي يتجاوز الأرقام

يرى بعض المستثمرين أن الخطر الأكبر قد لا يكون وصول العائد فعلياً إلى 6%، وإنما ترسخ الاعتقاد بأن هذا المستوى أصبح ممكناً ومستداماً.

فمجرد تغير توقعات المستثمرين يمكن أن يدفع المؤسسات إلى إعادة تشغيل نماذج التقييم الخاصة بها، وهو ما قد يغير أسعار الأصول حتى قبل حدوث تحول اقتصادي كبير.

ويقول نيل بيريل، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة بريمير ميتون، إن أسواق الأسهم لا تظهر حالياً مؤشرات على انهيار، لكن أحد التفسيرات المحتملة لذلك أن المستثمرين لم يدمجوا بالكامل عوائد تتجاوز 5% في نماذج توقعاتهم طويلة الأجل للأرباح.

وهنا تكمن أهمية ما يسمى بإعادة التسعير. فإذا اعتاد المستثمرون على عصر كانت فيه الأموال الرخيصة والسيولة الوفيرة قاعدة عامة، فإن انتقال الاقتصاد إلى بيئة يكون فيها رأس المال أكثر تكلفة يمكن أن يغير افتراضات التقييم والاستثمار التي حكمت الأسواق لسنوات.

ماذا ينتظر المستثمرون؟

السيناريو الأكثر أهمية خلال المرحلة المقبلة لن يكون مجرد معرفة ما إذا كان عائد سندات الخزانة سيصل إلى 6%، وإنما تحديد سبب الوصول إليه ومدة بقائه عند تلك المستويات.

إذا ارتفع العائد بسبب نمو اقتصادي قوي مع تضخم تحت السيطرة، فقد يكون تأثيره مختلفاً عن ارتفاعه نتيجة مخاوف بشأن الدين الأمريكي أو عودة التضخم أو توقعات باستمرار التشديد النقدي.

كما ستكون ردود فعل الاحتياطي الفيدرالي والأسواق العالمية عاملاً حاسماً. فأي ارتفاع مستمر في عوائد الخزانة قد يدفع المستثمرين إلى زيادة وزن السندات في محافظهم، وتقليص بعض مراكز الأسهم، وإعادة تقييم الاستثمارات في الأسواق الناشئة.

أما إذا استقرت العوائد دون مستويات أعلى لفترة طويلة، فقد تتكيف الأسواق تدريجياً مع البيئة الجديدة من دون اضطرابات واسعة.

لكن استمرار الصعود نحو 6% سيضع اختباراً حقيقياً أمام نموذج التسعير العالمي، لأنه سيعني أن المستثمرين أصبحوا مطالبين بتقييم الأصول في عالم تكون فيه تكلفة رأس المال أعلى بكثير مما اعتادوا عليه.

وفي النهاية، لا يمثل عائد 6% بالضرورة نقطة انهيار تلقائية للأسواق، لكنه قد يصبح علامة على تحول أوسع في قواعد الاستثمار. والسؤال الذي يراقبه المستثمرون الآن ليس فقط: هل ستصل سندات الخزانة إلى 6%؟ بل: هل ستتعامل الأسواق مع هذا المستوى باعتباره استثناءً مؤقتاً، أم باعتباره الوضع الطبيعي الجديد؟

اترك تعليقا